مجتمع

المنصات الإلكترونية لا تصنع مبدعين

فى الوقت الذى ندعو فيه جميع البشر بجميع الأعمار إلى ممارسة الفن لتحسين الصحة النفسية وإنتاج الطاقة الإيجابية، نقف بالسيف والكرباج على أبواب قلاعنا المهجورة نقبل هذا ونرفض هذا، نمنح ونمنع مدعين أن مفاتيح الفن بأيدينا، وقد نصبنا أنفسنا رقباء على الحركة التشكيلية ندخل هذا ونمنع هذا.
لنسترح قليلا ونقف خلف الشباك نتابع ما يحدث على ساحة الإبداع، ففى مجال الأدب بكل أنواعه على سبيل المثال هناك كتب لا يمكن التفريط فيها ويسمح باستعارتها على مضض، وإعادتها بأسرع وقت، وهناك كتب يتم الاستغناء عنها بمجرد تصفحها، فليس كل الشعر قابلا للاقتناء، وكذلك الرواية والقصة القصيرة، ولم تتعرقل القامات من الظهور والثبات فى القمة لوجود محاولات من هواة، تقام المهرجانات، والمسابقات كل يوم على منصات التواصل الاجتماعى، ولم تزحزح شاعرا حقيقيا من موقعه الذى حفره بالصبر والمثابرة، ولا يمكن الاعتماد على حجم تعليقات المجاملات فى تقييم العمل الفنى، فالكل يعرف فى قرارة نفسه حجم ما يقدمه بالنسبة للإبداعات الحقيقية، ويعرف أيضا نوعية جمهوره ودرجة ثقافته، وحتى إريحكم الكل يعرف أيضا حجم النقاد الذين تناولوه أو الذين لم يلتفتوا إلى منتجه.
هذا الأمر ينطبق تماما على كل الإبداعات، ومنها بكل تأكيد الفن التشكيلى، هل اختلف أحد على عبقرية فان جوخ، وجوجان، ورمبرانت، وميكل أنجلو، وبابلو بيكاسو، وغيرهم العديد من المبدعين الحقيقيين، وعلى المستوى المحلى والعالمى أيضا هل احتل أحد مكان محمود مختار، وجمال السجينى، والوشاحى، عبدالهادى الجزار، ومحمود سعيد. هناك بلا شك مبدعون من الأجيال المختلفة تحققوا، وأصبح لهم مكانة وتأثير، وتتمنى أن تقتنى أعمالهم ولا تفرط فيها، وهناك فى الطرف الآخر مثلما يحدث فى الأدب أعمال يتم الاستغناء عنها بمجرد المشاهدة الأولى، ومعارض تخرج منها كما دخلت، وربما تصاب بالدهشة من جرأة صاحبها فى إقامة معرض من الأساس.
ولما كان هذا الزخم ولم تتأثر القامات الحقيقية، ويخرج كل يوم مبدعون جدد ترفع لهم القبعات. إذن. لماذا الانزعاج، وما مصدر تلك الغيرة على الفن، وهل الغيرة فى هذا الأمر لها شقان؟.
لنبدأ بإجابة السؤال الثانى فهناك غيرة مشروعة نابعة من ضمير الفنان والناقد تسعى إلى تأكيد الإبداع الحقيقى، وتطالب الجميع بعرض أعمالهم فى الإطار الطبيعى بعيدا عن الكذب والادعاء بغير الحقيقة من خلال قنوات غير مشروعة مثل المسابقات الوهمية ذات العناوين الرنانة التى تخالف حقيقة المعروض تحت مسميات مثل (المعرض العالمى، والربطة العربية للفن، والملتقى العربى الأفريقى)، وغيرها من المسميات العبثية التى تمنح الأوسكارات والشهادات بحجم قيمة اشتراكك المادى، وهناك غيرة على الفن تضل طريقها حيث يقوم الفنان أو الناقد بتنصيب نفسه حاكما ومسئولا عن الحركة التشكيلية يمنح اللقب لهذا ويمنعه عن هذا، ويغالى فى عمليات النقد اللاذع لتجربة الفنان قبل إقامة معرضه.
ونجد المبدعين الحقيقيين لا يشغلهم القيل والقال مستمرين فى إبداعهم دون الالتفات خلفهم، لهم خطابهم التشكيلى الواضح يحافظون عليه، ويتأكدون من خلاله، فى المقابل نجد تجارب ضعيفة لا يكون صداها إلا فى محيطها المحدود من المعارف والأصدقاء المجاملين إلا أن أصحابها لا يتوقفون عن تلك المشاركات الوهمية التى يقيمها أفراد ومؤسسات لا علاقة لهم بالفن تبيع لهم الوهم فيصدقون أنفسهم ولكن يظل جريهم فى محل أقدامهم.
لم نعد نسمع كلمة هاوى فن، الكل محترف. فليكن الأمر كذلك، ولكن يبقى الأثر وحكم التاريخ، لتطبع الدواوين، وتشكل اللوحات، وليعلم الجميع أن الفن الباقى لا يعيش بالشهادات المزيفة، ولا بضجيج أصحابه، وتطاولهم على المبدعين الحقيقيين، ولكن بقيمته، وبما تركه فى قلوب وعشاق الفن، وبالمعايير الطبيعية للجمال، وليس بالمستوى السطحى.
يمكن قبول الفنون التى أخلص فنانوها فى تنفيذها شريطة ألا تقدم بشهادة مزيفة باعتبارها الحائزة على جائزة كذا، لأن كلمة “الحائزة على” تفرض علينا قراءتها بما قدمت به، وهل تستحقه أم لا. ويستطيع الفنان الهاوى أن يستفيد من تجارب المبدعين السابقين لو لم يلجأ إلى تلك الشهادات المزيفة، لأن لجوءه يوهمه بأنه تفوق، ويوقف تطوره، وربما يدخله فى شكوك فى الفن الجاد تنتهى به إلى الشك فى الحياة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى