تقارير

جنون العظمة أجبر الرئيــــــــــس التركى على تدمير بلاده

لم يقتصر صِدام أردوغان على التناحر مع نظامه فقط، وإنما اتسعت خلافاته مع الدوائر السياسية والاقتصادية كافة؛ فعلى خلفية الأزمة الاقتصادية التى تمر بها البلاد، وضلوعه المربك فى محاولات حلها، اشتبك أردوغان مع محافظ البنك المركزى «مراد تشتين قايا»، بعد رفضه القاطع تخفيض أسعار الفائدة، فأصدر رئيس البلاد قراراً بإقالته؛ أما خلفه فى المنصب «مراد أويسال»، فقام إرضاءً لأردوغان بخفض أسعار الفائدة سبع مرات منذ بداية تعيينه، وزادت أعباء الاقتصاد فى ظل توافد ملايين اللاجئين السوريين على البلاد، وهو الملف الذى استغله أردوغان جيداً لابتزاز أوروبا، وتهديدها بفتح أبواب حدوده أمام اللاجئين لإغراق القارة العجوز بهم.

ونظراً للاستراتيجية التى لم يوقف بها أردوغان سيل الاستفادة من فرص الانقلاب المزعوم عام 2016، غرقت تركيا حتى أذنيها فى أزمة اقتصادية عصيبة، كان من بين أسبابها الرئيسية بالون الائتمان الهائل، الذى انتفخ خلال سنوات النمو السريع، بالإضافة إلى مشروعات صاغها جنون العظمة، وتسريع وتيرة العمل فى السوق العقارية، وهروب المستثمرين خلال سنوات سابقة، فضلاً عن تدخل أردوغان فى الاقتصاد، وهو ما أدى إلى تردٍ حقيقي.

الليرة فقدت 83 % من قيمتها وعدد العاطلين بلغ 4.5 مليون شخص

وانهارت الليرة أمام الدولار، بداية من يناير 2018 حتى 11 مايو 2020 بنسبة 47%، بعد أن فقدت 70% منذ عام 2008، وهو عام الأزمة المالية العالمية؛ إجمالاً، فقدت العملة التركية 83% من قيمتها فى غضون عشر سنوات، وكان كل ذلك فى ظل ولاية أردوغان، ولم يكن عام 2019 أخف وطأة، إذ ارتفعت نسبة البطالة من 4% إلى 14.7%، كما وصل عدد العاطلين عن العمل إلى 4.5 مليون شخص، وفقاً لبيانات هيئة الإحصاء التركية، التى يشكك الأتراك أنفسهم فى نزاهتها.
سخط أردوغان
أثار هبوط العملة سخط أردوغان، وصب جام غضبه على البنك المركزى، لأنه كان من الضرورى وفقاً لاعتقاده خفض الفائدة العالية، وهى الخطوة التى تتعارض وأى منظور اقتصادى (الفائدة المرتفعة توقف التضخم وتدعم العملة)، وفى يوليو 2018، عين صهره، زوج ابنته «بيرات البيرق» وزيراً للمالية.
وكانت الحكومة التركية قد عجزت عن الوفاء بتنفيذ الخطة الاقتصادية التى عرضتها عام 2011، والتى كانت تستهدف الوصول بالناتج القومى التركى حتى عام 2023 إلى 2 تريليون دولار، وزيادة التصدير إلى 500 مليون دولار، ورفع دخل المواطن إلى 25 ألف دولار، وبعد ثمانى سنوات من عرض الخطة، اقتصر الناتج القومى على 784 مليار دولار، ووقف دخل المواطن عند أقل من 10 آلاف دولار سنوياً، وعرضت الحكومة فى صيف 2019 خطة خمسية جديدة، قلَّصت فيها أهدافها إلى النصف تقريباً، وذلك بعد فترتين من الركود الاقتصادي، نتجت عن أسباب سياسية، وبات الاقتصاديون فى تركيا وخارجها يعتبرون أردوغان سبباً رئيسياً فى ضعف تركيا، ومن بين تلك الأسباب الأزمة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، التى أفضت إلى التهديد بفرض عقوبات، وانهيار الليرة إلى مستوى غير مسبوق على مر التاريخ.
«هانا لوسيندا سميث»، مؤلفة كتاب Erdogan Rising: The Battle for the Soul of Turkey (صعود أردوغان: معركة الروح التركية، سبتمبر 2019)، قالت فى لقاء مع مجلة «ذى ماركر» TheMarker العبرية: «كان أردوغان على علم بأن قراره ينطوى على عواقب وخيمة، وحينما طالب البنك المركزى بتقليص أسعار الفائدة، أدانه عدد كبير من الاقتصاديين على خلفية جهله الاقتصادي، لكنه ربما كان يعلم أن تلك الخطوة هى آخر ما تبقى لإثبات ازدهار الاقتصاد التركى حتى ولو كان زيفاً، وأن هناك إقبالًا على الائتمانات؛ ورغم ما يبدو من انتعاش فى حركة التسوق والاحتفالات فى اسطنبول، إلا أن كل ذلك يعتمد على الاقتراض فقط».
عملة واحدة
ويتفق مع سميث، الكاتب الأمريكى سونار شافتاي، مؤلف كتابThe New Sultan: Erdogan and the Crisis of Modern Turkey («السلطان الجديد: أردوغان وأزمة تركيا الحديثة، أبريل 2017»)، إذ يقول: «الاقتصاد هو نقطة ضعف أردوغان المميتة؛ فالنمو الاقتصادى ومصير أردوغان وجهان لعملة واحدة، كما أنهما يرتبطان بالاقتصاد العالمى والحريات الممنوحة لمواطنى معظم الدول المتقدمة».
حينما يهبط سعر العملة بصورة حادة، تتآكل قيمتها وترتفع أسعار المنتجات بشكل سريع، ويرتفع معدل التضخم؛ ومن القمة التى سجلتها الليرة التركية فى أغسطس 2008، هبطت قيمتها إلى أكثر من 80% أمام الدولار الأمريكي، وهو ما يعنى تآكل معظم قيمة الثروة التى جمعها الأتراك.
وتسبب فى هذا التراجع خيط مشدود من الإجراءات التى اتخذها أردوغان؛ فانتفاخ بالون الائتمانات الهائلة، بسبب الاستثمارات الجامحة فى البنى التحتية، وتدفق «الأموال الساخنة»، وهى الأموال التى يضخها المستثمرون الباحثون عن هدف مؤقت، لتحقيق مكسب سريع؛ بالإضافة إلى تدخُّل أردوغان فى سياسات النقد، التى تلقى قبولاً بشكل مستقل لدى دول لا تتأثر سياسياً من قبل البنك المركزي؛ كل ذلك أدى إلى انهيار العملة، وهروب رؤوس الأموال الأجنبية، وارتفاع هائل فى الأسعار، ألحق ضرراً بالغاً بالأتراك فى مختلف أنحاء البلاد.
وتقول سميث: «لا يُعد ذلك انهياراً واقعياً، لكنه اتجاه؛ ذات صباح توجهت إلى السوق لشراء بعد أغراض وجبة العشاء، ودفعت بعض الأموال التى تضاهى متوسط الأجر اليومى فى تركيا، توحَّش التضخم بسبب تقلص سعر الليرة؛ وشهد معدل التضخم قفزة فى أكتوبر 2018، ليصل إلى ذروة تربو على 25%، ورغم أنه عاد للاعتدال النسبى منذ ذلك الحين، لكنه ظل على مستوى يزيد على 10%، ولعقد مقارنة بسيطة، بلغ متوسط التضخم فى نفس التوقيت لدى كتلة اليورو 0.9%».
مشهد قاتم
فعلياً، أثرت الأزمة الاقتصادية على الحياة اليومية؛ فالأتراك لمسوا ذلك جيداً فى مختلف المناحي، خاصة عند شراء أغراضهم من المراكز التجارية، وأصبح المشهد قاتماً، ويخلو فى الأفق من مؤشرات إيجابية، وهو ما يعكس الخطر الحقيقى الذى يواجه أردوغان؛ فحينما هوت الليرة التركية إلى مستوى متدنٍ، ووصلت قيمتها إلى سبع ليرات مقابل الدولار، وذلك فى أعقاب عدة «تغريدات»، نشرها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عام 2018، أمر أردوغان بفتح سوق الخضراوات فى محاولة لتخفيض أسعارها، وهو ما اعتبره مراقبون تدخلاً من الرئيس التركى فى منهجية السوق الحرة.
وفى يونيو 2018، أعلن وزير الاقتصاد التركى «نهاد زبكجي»، أن بلاده شرعت فى استيراد البطاطا من سوريا، لكن واقع الحال يؤشر إلى أن سوريا تتعامل مع الأتراك المتواجدين فى شمالها على أنهم محتلين، والواقع يشير إلى أن الأتراك سرقوا – ولم يستوردوا كما يدعون – البطاطس من الأراضى السورية، ونقلوها بكميات هائلة إلى تركيا فى محاولة لتخفيض الأسعار.
ورغم إدراك أردوغان جيداً لواقع بلاده المزرى، ووصول مواطنيه إلى حافة الهاوية بفعل الغلاء الفاحش، إلا أنه آثر وضع الرأس فى الرمال، وبدلاً من الاعتراف بالأزمة، التى وضعت الاقتصاد التركى ضمن الاقتصادات الهشة على مستوى العالم، وخلافاً لتصريحات المسئولين عن الاقتصاد، وفى طليعتهم «بيرات البيراق» وزير الخزانة والمالية، صهر أردوغان، الذى أعلن أن الاقتصاد سيحقق نمواً كبيراً، يصل إلى 5% بحلول نهاية عام 2020، حولت وكالة «موديز» الائتمانية توقعاتها لنمو الاقتصاد التركي، من النمو بنسبة 3% إلى انكماش بنسبة 1.4% بسبب تفشى فيروس كورونا.
أطفال جوعى
وفى الثامن من فبراير 2020، نشرت الصحفية التركية «سيلين جيريت» تغريدة، قالت فيها: «صباح الخير، يبدو أنكم لن تطالعوا ما أقول فى صحف بعينها؛ بالأمس، أضرم مواطن من محافظة هتاى النار فى نفسه، وهو يصرخ «أطفالى جوعى»، أما «أديف يوكسل»، وهو كاتب كردى – أمريكى، وباحث إسلامي، فغرَّد هو الآخر فى نوفمبر 2019: «أردوغان وعائلته «المتدينة» وأصدقائه، ينهبون تركيا، وأصبح الناس يتضورون جوعاً».
وتقول الباحثة سميث فى كتابها: «منح الدستور أردوغان صلاحيات، يفرض من خلالها وبالقوة أوامر رئاسية، وبهذه الطريقة عيَّن صهره وزيراً للخزانة والمالية، وسيطر على البنك المركزي، وأقال المحافظ السابق، حينما اعترض على طلبه خفض سعر الفائدة».
وتعد هزيمة حزب «العدالة والتنمية» AKP فى الانتخابات المحلية، التى جرت فى اسطنبول وأنقرة خلال 2019، مؤشراً آخر على ضعف أردوغان، وتقول سميث إن أهمية نتائج الانتخابات، تنطوى على رمزية بالغة، وتضيف: «مدينة اسطنبول هى المكان الذى حاز فيه أردوغان على أهمية وطنية؛ ففى تلك المدينة نشأ، ومن هناك يُدار اقتصاد البلاد، بالإضافة إلى وجود مقر حزبه الرئيسى فى المدينة؛ لكن هل يمكن القول بأن ذلك هو بداية النهاية؟ ينبغى أن نعى حجم القوة التى يتمتع بها أردوغان من الدستور، لقد أظهر أنه يستطيع استخدام صلاحياته فى قضم مصادر دخل وقوة من اسطنبول».
لم يترك أردوغان حجراً فى الأرض، إلا وبحث تحته عن حل، يفضى إلى تجاوز أزمة بلاده الاقتصادية، لكنه لم يدرك فى حقيقة الأمر أن طريقته فى البحث عن حلول، تزيد التفاف الحبل الخشن حول رقبته، وتؤجج الداخل قبل الخارج ضد مراميه.
المفلس والدفاتر
بين عشية وضحاها، وبلغة تفتيش المفلس فى الدفاتر القديمة، لتفادى انهيار حتمي، أطلت فى رأس أردوغان فكرة شق «قناة اسطنبول»، لتربط بين البحر الأسود، وبحر مرمرة، وتصبح ممراً لعبورٍ موازٍ لمضيق البوسفور؛ ونظراً لأن الفكرة ليست جديدة، ولا يؤشر خروجها إلى حيز التنفيذ لعوائد هائلة كما يزعم أردوغان، واجه المشروع اعتراضات كبيرة، حمل لوائها عمدة مدينة اسطنبول، أكرم إمام أوغلي، الذى جرى اختياره للمنصب، رغم تأييد الرئيس القاطع لمرشح آخر، وفى أكثر من مناسبة، أوضح أوغلى أن الدفع به ينطوى على ضرر بيئى خطير، وينطوى على سيناريوهات مثيرة للقلق فى هذا الخصوص، من المتوقع أن تؤثر أيضاً على دول ساحل البحر المتوسط.
بعيدًا عن ذلك، وبمنظور تاريخى أيضاً، كانت قضية المرور فى المعابر حجر خلاف على مستوى دولي، لاسيما أن شق القناة، التى من المقرر أن يبلغ طولها وفقًا لآخر تصريح 40 كيلو مترًا، وعرضها 150 مترًا تقريبًا، يمكنه تشكيل خطورة على اتفاقية «مونترا»، الموقعة عام 1936، لتنظيم المرور فى المضيق، كما يمكن أن يثير المشروع خلافاً بين تركيا وروسيا، يضاف إلى ذلك إمكانية أن يعزز شق القناة التوتر القائم بالفعل بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى، ومنذ عام 2011، يُسرع أردوغان من وتيرة حفر القناة، وخلال العام الفائت، تصاعد إصراره على تنفيذ المشروع، رغم تواصل الانتقادات المتزايدة ضده.
بعيداً عن بحور الخمر والعسل التى يعد بها أردوغان شعبه زيفاً إذا جرى تنفيذ المشروع، انتفض عدد هائل من المتخصصين الأتراك، وقذفوا بأوراق القناة فى وجه المبادر إلى شقها، وأكدوا أن تكلفة أعمال حفر القناة (13 مليار دولار تقريباً، وفقاً لتقديرات الحكومة، و20 مليار دولار، وفقاً لتقديرات غير رسمية) تشكل عبئاً ثقيلاً أكثر من اللازم على كاهل الاقتصاد التركي، الذى لا يحقق نمواً بنفس المعدل السابق.
آلاف الأشجار
أما الانتقاد الآخر، فيكمُن فى تأثير القناة على البيئة، سواء كان ذلك بمنظور الطبيعة، أو بمنظور المدينة وسكانها؛ إذ تشير أبحاث أكاديمية إلى العديد من المخاطر التى تنطوى عليها عملية الربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، خاصة خلال الآونة الأخيرة، الأكثر من ذلك، هو الحقائق التى تدور حول أن حفر القناة يقتضى قضم مئات الآلاف من الأشجار، وهو ما يزيد مشكلة تلوث المناخ فى اسطنبول.
وهناك مخاوف أيضاً إزاء عملية تزويد المدينة بمياه الشرب، إذ يعتمد 40% من مياه الشرب فى مدينة اسطنبول على مدينة تراقيا – الجانب الأوروبى فى تركيا – ومن المقرر أن تواجه عمليات التزود بمياه الشرب معوِّقات نتيجة للمشروع والآثار المترتبة عليه؛ فضلاً عن أن الضرر سيلحق سكان تراقيا أيضاً نتيجة لشق القناة، ويكمن الضرر على وجه الخصوص فى قطاعى الزراعة وصناعة الأسماك.
الأكثر من ذلك أيضاً، هو أن خلق حاجز مائى جديد بين اسطنبول وتراقيا، سيفرض صعوبة على انتقال قوات الأمن، إذ اضطرت للدفاع عن حدود تركيا مع الدول الأوروبية، وكذلك إعاقة كفاءة قوات الأمن ذاتها عند أداء مهام الإنقاذ، خاصة عند إمكانية تعرض اسطنبول لكارثة طبيعية؛ فعندئذ سيصبح شطرها الغربى جزيرة، أو تنعزل تراقيا تماماً عن تركيا.
مجمل القول، إن هناك مخاوف عميقة إزاء فساد يعترى المشروع، إذ ترى المعارضة التركية فى خطط بناء الحكومة طريقاً لتحويل أموال من ميزانية الدولة إلى مؤيدى أردوغان عبر شركات خاصة من المقرر ضلوعها فى المشروع، لاسيما فى ظل ما هو معروف عن تقارب تلك الشركات مع النظام، بالإضافة إلى ذلك، جرى الكشف عن أن جزءاً من الأراضى المحدد فيها مسار القناة، باعتها دوائر مقربة من أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وهى الحقيقة التى ضاعفت السخط الشعبي، نظراً للأرباح الهائلة التى تجنيها تلك الدوائر من الدولة، لاسيما أن الأخيرة هى المعنية بشراء الأراضى المطلوبة لحفر القناة.
صدام محوري
ولا تعد المعارضة الشعبية من هذا النوع هى الوحيدة التى واجهها أردوغان، فواجه انتقادات مماثلة فى كل مرة يطلق فيها مشروعاً كبيراً؛ لكن قناة اسطنبول كانت نقطة الصدام المحورية بينه وبين أكرم إمام أوغلى عمدة مدينة اسطنبول الجديد؛ فمنذ اختياره للمنصب، ورغم الجهود المكثفة التى بذلها رئيس البلاد لانتخاب مرشح آخر، إلا أن إمام أوغلى كوَّن دائرة محيطة، أصبح من خلالها نجماً عالياً، واعتبره الجميع خصماً ذى نديَّة أمام أردوغان.
ويتقدم إمام أوغلى قائمة معارضى مشروع القناة، ويصفه بـ«الكارثة»، وقرر إخراج مدينة اسطنبول من إطار المشروع، واستأنف فى المحكمة على قرار تأثير القناة على البيئة، الذى أقر بأنه لا مانع من حفر القناة، فى المقابل، جنَّد أوغلى موارد بلدية اسطنبول الإعلامية لصالح حملته المناهضة للقناة.
بمنظور دولي، تنطوى اتفاقية «مونترا»، التى تنظم المرور فى المضائق وقت السلم والحرب على جديَّة لدى دول الجوار المطلة على البحر الأسود، وتتقدم تلك الدول روسيا، التى يُعتبر مضيق البوسفور بالنسبة لها بوابة دخول للبحر الأبيض المتوسط.
وطالما التزمت تركيا باحترام روح الاتفاقية، حتى إذا كان ذلك حال وجود قناة اسطنبول، خاصة فيما يتعلق بفرض قيود نسبية على مرور السفن الحربية، التابعة لدول لا تطل على ساحل البحر الأسود، فلا يمثل المشروع مشكلة بمنظور روسي، مع ذلك، يبدو أن رسوم المرور فى القناة الجديدة، سيرفع تكلفة عبور التجارة الروسية عبر القناة، وهو ما ينعكس سلباً على الاقتصاد الروسي؛ وبذلك، فإن «تشجيع» السفن على المرور فى القناة، تطلعاً لجباية رسوم المرور، يمكنه تحويل الموضوع إلى قضية خلافية بين تركيا وروسيا.
فجوة التباعد
وفى نطاق أكثر اتساعًا، تؤثر طبيعة العلاقات التركية – الروسية بشكل مباشر فى العلاقات التركية الغربية، خاصة لدى الولايات المتحدة، ورغم عدم تتطابق وجهات النظر بين تركيا وروسيا إزاء قضايا بعينها، إلا أن زيادة عدد القضايا محل النزاع بين الطرفين، لاسيما تصاعد حدة القتال فى محافظة إدلب السورية، وضلوع تركيا فيها، بالإضافة إلى دعم الأطراف المعارضة فى الحرب الأهلية الليبية، يزيد فى المستقبل القريب نقاط التوتر، التى تتضاعف أيضاً فى ظل قضية قناة اسطنبول، ومن شأنها أن تزيد فجوة التباعد بين الدولتين.
إذا كان عمدة مدينة اسطنبول أكرم إمام أوغلي، هو حجر العثرة الرئيسى أمام تنفيذ مشروع قناة أردوغان، فهو أيضاً الشاهد الأكثر تأكيداً على فشل الرئيس التركى فى إدارة أزمة كورونا؛ فبالمقارنة مع دول أخرى، تأخرت تركيا نسبياً فى الإعلان عن أولى حالات الإصابة بالفيروس، لكنها تموضعت بين الدول العشر الأكبر فى عدد الإصابات المؤكدة مع بداية أبريل الماضي، بالإضافة إلى أن تركيا اعتلت قائمة عدد حالات الإصابة المؤكدة بين دول الشرق الأوسط، وجرى الإعلان عن أولى حالات الإصابة بتركيا فى 11 مارس الماضي، كما أعلنت تركيا عن أول حالة وفاة بالفيروس فى 17 من الشهر ذاته، وحتى نهاية مارس، أصبح معدل نمو عدد الحالات الجديدة المصابة فى الدولة، وبالمقارنة مع دول أخرى هو الأسرع.
صرَّة المواصلات
وتثير الريبة حقيقة تأخر تركيا عن دول أخرى فى الإعلان عن أولى حالات الإصابة بالفيروس، وذلك لكونها صُرَّة مواصلات مهمة، وأن جميع جيرانها، باستثناء سوريا، أعلنوا قبلها عدد الإصابات فى بلادهم، وبدا واضحاً أن إرجاء الإعلان التركى عاد إلى محاولة حماية قطاع السياحة، الذى يشكل أهمية كبيرة للاقتصاد التركى، وبشكل أكثر عمومية، استهدف الإرجاء تخفيف حدة الإضرار بالاقتصاد، الذى كان يمر بعملية انتعاش هشة، نتيجة الأزمة الاقتصادية التى ضربت البلاد خلال العامين الماضيين.
وفى حين رفضت السلطات التركية فى بداية انتشار الفيروس نشر معلومات حول مكان المصابين، أفادت التقارير المنشورة بداية شهر أبريل الماضى بأن 60% من الحالات المؤكد إصابتها بالفيروس توجد فى مدينة اسطنبول، رغم ذلك، انعزل أردوغان وحكومته عن التواصل مع رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلي، أحد أعضاء حزب الشعب الجمهورى (CHP)، الذى أشار فى نفس التوقيت إلى أنه منذ 11 مارس الماضى (تاريخ الإعلان عن أولى حالات الإصابة بالفيروس فى تركيا) لم يتحدث حول الموضوع مع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان.
إمام أوغلي، الذى يشكل منذ فوزه فى الانتخابات المحلية فى اسطنبول تهديداً لبقاء نظام أردوغان، قاد الدعوة إلى فرض حظر كامل، على الأقل فى مدينته، لكن أردوغان دأب على معارضته، ليس من أجل إيمانه برجاحة موقفه، وإنما لعزل عمدة المدينة للمشاركة فى أى قرار حتى إذا كان ذلك على حساب المصلحة العامة للبلاد؛ ومن الأمثلة الأخرى على العداء القائم بين أردوغان وأوغلي، أنه رغم إنشاء تركيا صندوق تبرعات وطني، للمساعدة فى تمويل مواجهة الوباء، إلا أن الحكومة انتقدت وجمَّدت أيضاً حملات رؤساء المدن المحسوبين على المعارضة، لاسيما أنهم كانوا يخططون هم أيضاً لجمع التبرعات، وبرر أردوغان هذه الخطوة بأنها ضرورية، للحيلولة دون «إقامة دولة داخل الدولة»، وهو ما برهن مجدداً على رغبة أردوغان فى السيطرة الكاملة على المجتمع التركي، على صعيد ذى صلة، سمح أردوغان فى المقابل لرجال الأعمال المحسوبين عليه بجمع تبرعات للغرض ذاته، لكن المعارضة فتحت النار على مصادر الإنفاق، وأكدت البيانات اختفاء مبالغ هائلة من صناديق التبرعات لصالح دوائر مقربة من رأس النظام.
العناية المركزة
وعلى مستوى الدولة، جرى تسجيل عدة تدابير بشكل تدريجي، رغم أنها جاءت متأخرة، مع تركيز أكبر على التوصيات وأقل على الحظر؛ فى البداية، أوصت الحكومة بعدم مغادرة جميع المواطنين لمنازلهم، لكنها أوعزت لاحقاً للأفراد الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً ويزيد، والذين يعانون أمراضاً مزمنة بالبقاء فى منازلهم.
وجاء ذلك فى وقت أشارت فيه البيانات الرسمية إلى أن وضعية المنظومة الصحية فى تركيا ليست سيئة، فعند المقارنة بدول أخرى، تمتلك تركيا عدداً كبيراً من أسرَّة العناية الطبية المركزة (46 سريرًا لكل 100 ألف مريض، وذلك على سبيل المثال بالمقارنة مع ألمانيا، التى تمتلك 29 سريراً، وإيطاليا، التى تمتلك 12 سريراً لكل 100 ألف مريض)، مع ذلك، تجسدت الأزمة فى عدد الأطباء المتخصصين فى العناية المركزة، الذى يُعد هو الأدنى بين دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD)، فضلاً عن انخفاض ميزانية الصحة للفرد، قياساً بالناتج القومي، وذلك عند المقارنة بدول أخرى عضو فى المنظمة ذاتها، يضاف إلى ذلك تأثر القطاع الطبى بالتطهيرات السياسية فى تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهروب العقول العاملة فى هذا القطاع من تركيا، وهو ما يعكس أجواء القمع إزاء أى انتقاد للنظام.
وبشكل لا يقبل التأويل، أثر الوضع الاقتصادى على قدرة تركيا فى مواجهة الفيروس، ففى أعقاب تفشى الفيروس فى تركيا والأزمة الاقتصادية العالمية، انخفضت قيمة الليرة التركية إلى مستوى كبير فى صيف 2018، وكان ذلك على سبيل المثال نتيجة للأزمة الكبيرة بين الولايات المتحدة وتركيا حول مسألة إصرار أردوغان على اعتقال الكاهن الأمريكى أندرو برونسون فى تركيا، وأشارت العديد من أصوات المعارضة إلى أن الأموال التى كان يمكن من خلالها مساعدة المواطنين الأتراك فى مواجهة الظروف الاقتصادية العصيبة فى الوقت الراهن «أُهدرت» فى قطاعات أخرى تخدم رأس النظام.
وتفاقمت أزمة كورونا فى ظل إصرار أردوغان على تقديم الحسابات الاقتصادية على نظيرتها المتعلقة بمواجهة أكثر فاعلية للفيروس، رغم أن دولاً عديدة أخرى وصلت إلى قناعة بأن الاقتصاد سيتعرض لضربات قاسية إذا لم تتحقق السيطرة على حجم الوباء.
بالإضافة إلى أن حسابات السياسة الداخلية، خاصة العمل ضد رؤساء المدن المحسوبين على الأحزاب المعارضة، أثرت سلباً هى الأخرى على المواجهة التركية للوباء، وعلى تلك الخلفية، فإن تعبيرات مثل التى أطلقها أردوغان فى 25 مارس، وأشار فيها إلى أن الدولة تستطيع التغلب على الفيروس فى غضون أسبوعين أو ثلاثة، بدت خالية المضمون، وأثارت قلق التعامل غير الكافى مع الفيروس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى