الشارع الثقافى

الروائى والسيناريست شريف عبدالهادى :لا توجد أزمـة ورق فى السـينمـــــــا إلا عنـد «شلل الصـناع

شريف عبدالهادى روائى وسيناريست، استطاع أن يفرض نفسه على الساحة الأدبية، وذلك من خلال استحداث فكرة جديدة فى كتابة الرواية تمزج بين السرد الروائى والحوار السينمائى وقدم مشروع السينما المقروءة، أفلام مصرية على ورق، حيث قدم مجموعة من السيناريوهات مثل «كوابيس سعيدة»، و«تيستروجين»، و«فيلمين فى كتاب»، بالإضافة إلى العديد من الروايات التى أثارت الجدل مثل «ملكوت» و«أبابيل».. ومؤخراً تعاقد مع إحدى المنصات الرقمية المعروفة على إنتاج أول مسلسل صوتى، ورواية صوتية، وهى روايته «ديستوبيا اللحظات الأخيرة».. ومعه كان الحوار.

بداية.. ماذا عن فكرة الفيلم المقروء؟
بدأ مع صدور عملى الأول «كوابيس سعيدة» عن دار نهضة مصر عام 2012، كأول فيلم سينمائى مقروء، يقرأه القراء على الورق، ويشاهدون أحداثه فى خيالهم بدلاً من مشاهدتها على شاشة السينما، إذ يعتبر أول مشروع أدبى فنى من نوعه فى الأدب المصرى والعربى والعالمى، تحت عنوان «أفلام للقراءة»، التى تمزج بين طريقة عرض السينما ولغة الرواية، ويقوم ببطولتها نفس نجوم السينما المفضلين للجمهور، بحيث يعرف القارئ قبل بداية القراءة كل شخصية فى العمل والفنان الذى يؤدى هذه الشخصية، مع وجود صور للفنانين داخل العمل تتناسب مع الأحداث؛ حتى يتعمق القارئ فى التفاصيل ويشعر وهو يقرأ أنه يشاهد فيلماً سينمائياً يكون هو المخرج الذى يخرجه فى خياله وعلى طريقته، مع مراعاة أن يتناسب كل فنان مع طبيعة الشخصية التى يمثلها حتى تكون هناك مصداقية».
ومع نجاح التجربة توالت أعمالى التى أخذت شكل الأفلام السينمائية المقروءة مثل «تيستروجين»، بجانب أعمالى الروائية مثل «أبابيل» و«ملكوت»، فضلاً عن كتابتى الموجهة للسينما بشكل مباشر، مثل فيلم «ليل داخلى»، الذى طُرح فى دور العرض عام 2017، بطولة بشرى وإخراج حسام الجوهرى.
حدثنا عن تجربة أحدث أعمالك «فيلمين فى كتاب»؟
– «فيلمين فى كتاب» هو عملى السادس بشكل عام، وثالث كتاب لى فى تجربة السينما المقروءة، ويحمل بين دفتيه قصتين سينمائيتين هذه المرة وليس عملاً واحداً.. الأولى «نار باردة»، وتدور أحداثها حول 3 أشخاص يواجهون الموت بأحد كهوف جبال سانت كاترين، لتدور بينهم أغرب مناظرة عن الحياة المنتظرة بعد الموت، وما ينتظر أبناء كل عقيدة، وتطرح فى طياتها أكثر الأسئلة الوجودية الجريئة، والمثيرة للجدل.
والقصة الثانية «أكاذيب» عن ضابط يواجه مخاوفه المستمرة من الموت، وكيف ستعيش طفلته من بعد رحيله، ليحاول طوال الوقت أن يتحدى القدر ويضع الخطط لمواجهة المجهول، قبل أن يفاجئه القدر بسيناريوهات أخرى غير التى توقعها تماماً، حتى يدرك أنه لا أحد يستطيع أن يهزم الأقدار.
هناك من شبه فيلم «نار باردة» برواية «ملكوت» وهناك من يرى أنه جزء ثان أو امتداد للرواية.. هل هذا صحيح؟
– «نار باردة» و«ملكوت» ينتميان لنفس النوعية من الأفلام والروايات التى تبحث فى الأسئلة الوجودية التى طالما شغلت بال البشر، وسعى لإجابتها الأنبياء والفلاسفة والمفكرون، لكن طريقة الطرح نفسها مختلفة، وكذلك طريقة معالجة القضية، وشخوص الأبطال، جميعهم مختلفون تماماً. أعتقد أن الكاتب يجب أن يكون مهموماً بقضية أو مشروع أدبى كبير يتم تقسيمه على مجمل أو غالبية أعماله، حتى حين توضع هذه الأعمال إلى جوار بعضها تكون بمثابة قطع البازل التى تعطى إذا ما رتبناها بشكل صحيح صورة كاملة واضحة المعالم.

على الكاتب أن يكون مهموماً بقضية أو مشروع أدبى كبير

هل فيلم «أكاذيب حقيقية» استكمال لكتاب «حبيبة قلب بابا»؟
– هو تحويل لكتاب «حبيبة قلب بابا» الذى ينتمى إلى أدب الاعترافات المكتوبة فى صورة مقالات، إلى أحداث وشخوص تحول الأفكار إلى حدوتة، لأنى وجدت أن الفكرة الرئيسية التى شغلتنى فى الكتاب لا يجب الاكتفاء بتقديمها فى مقالات فقط، وتستحق أن يشاهدها القراء فى صورة فيلم سينمائى.
ما الهدف من مشروع «السينما المقروءة»؟ وهل حقق الهدف منه؟
– كتبت عملى الأول «كوابيس سعيدة» منذ عام 2009، وتقدمت به لمسابقة ساويرس فرع شباب الكتاب، ووصل الفيلم لقائمة أفضل 10 أعمال فى المسابقة، وتحدث عنه وقتها الناقد السينمائى الراحل على أبوشادى، مما أكسبنى بعض الثقة فى النفس وتواصلت على مدار أكثر من 3 سنوات مع عدد كبير من النجوم والكيانات الإنتاجية فى مصر لإنتاجه، وللأسف بعضهم قال إن الفكرة حلوة ويطلع منها حاجة ثم اختفى، والبعض الآخر تجاهل الأمر ولم يكلف خاطره حتى بقراءة العمل والحكم عليه، وهذا ما يحدث مع مختلف الكتاب الشباب المبدعين، ثم يدّعى صناع السينما فى النهاية أن لدينا أزمة ورق! رغم أن الوصف الدقيق أنهم لديهم أزمة ورق فى شللهم ومعارفهم، ولا يكلفون خواطرهم بقراءة الأعمال الشابة التى ترد إليهم، لأن أغلبهم غير مثقف ولا يحب القراءة أصلاً!
وبعد مشوار 3 سنوات، قررت أن أفكر فى بديل جديد حتى يخرج العمل للنور ولا يظل حبيس الأدراج، وفى الوقت نفسه يوجه رسالة للوسط الفنى الذى لا يقدر المواهب الشابة والأفكار الجديدة بكل أسف، بل ويسرق ويقتبس من الأفلام الأجنبية بحجة أن لدينا أزمة ورق، فقررت تحويل السيناريو إلى قالب جديد لم يتم طرحه من قبل فى الأدب المصرى أو العربى أو حتى العالمى، وتقدمت إلى دار نهضة مصر للنشر والتوزيع بفكرة «أفلام مصرية للقراءة» كأول مشروع للأفلام المقروءة التى تمزج بين طريقة عرض السينما ولغة الرواية، والحمد لله لاقت الفكرة استحسان دار النشر، وعدد كبير من الفنانين والكتاب مثل الفنانة بشرى التى شكرتنى على ترشيحها لهذا الدور ووجودها فى هذه الفكرة الجديدة التى وصفتها بأنها مبتكرة وتواجه العقم الفكرى الموجود فى الوسط الفنى، بل وقالت بالحرف إنها قلم قاسٍ على خد السوق ورأس المال الجبان».
وأشاد الكاتب الكبير د.نبيل فاروق بالعمل كما أشاد الكاتب الكبير دكتور أحمد خالد توفيق رحمة الله عليه بالفكرة، وقال إنها متميزة وجديدة. وبعد نجاح «كوابيس سعيدة» واصلت مشروعى فى تقديم أفلام مقروءة فى كتب، فقدمت عملى الثانى «تيستروجين» وكان ينتمى لنوعية الأعمال الرومانسية الكوميدية، وأشاد به الكاتب والناقد السينمائى محمود عبدالشكور، وقال إنها تجربة جديدة تفتح الفرصة لكل كتاب السيناريو أن يبرزوا أعمالهم وترى النور بعيداً عن أزمات شركات الإنتاج وصناعة السينما فى مصر، والغريب أن حلمى بدخول عالم السينما تحقق بالفعل بعد أن حققت الانتشار والنجاح، إذ قدمت عام 2017 فيلمى السينمائى الأول (ليل داخلى) بطولة الفنانة بشرى، والطريف أن الفيلم تحدث أيضاً عن سلبيات عالم السينما، والتفاصيل غير الأخلاقية التى تحدث فى الكواليس.
عملت لفترة فى مجال الإعلام فلماذا اتجهت للكتابة الروائية؟
– لأن الكتابة الصحفية والبرامج الإعلامية نفسها قصير ولا تعيش مثل الرواية والفيلم.. فما الذى تتذكرينه مثلاً من آخر حلقة توك شو؟ ما الذى تبقى فى الذاكرة من برامج شاهدناها منذ سنوات؟ لا شىء؟ عكس الفيلم الذى يحظى بالخلود فى ذاكرة ووجدان المشاهدين وتاريخ السينما.
برنامج «لمبة» يناقش أسئلة وجودية، فما الداعى لتقديمه فى هذا التوقيت تحديداً؟
– أنا مهموم بالأفكار الفلسفية والأسئلة الوجودية التى شغلت بال البشر منذ بدء الخليقة وحتى يومنا. والتوقيت مرتبط بتفشى الجنون والعبث فى كل مكان فى العالم.. صرنا فى زمن رأينا فيه عمليات انتحارية فى حرم المسجد النبوى، ومسلمون يقتلون مسلمين مثلهم مثلما حدث مؤخراً حين فتح مسلحون النار فى مسجد الروضة فى مدينة بئر العبد بالعريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، واستهدفوا الفارين من المسجد بأسلحة آلية أثناء صلاة الجمعة، بخلاف قتل المسيحيين الأبرياء فى أعيادهم وكنائسهم، وحتى الغرب المتحضر وصله الجنون والتطرف مثل حادث قتل المصلين على يد إرهابى يمينى متطرف فى أحد مساجد نيوزيلندا، وحوادث التصفية التى تُرتكب فى ميانمار. صار العالم كتلة من الجنون والنار، وأرى أنى لا أملك سوى مهارة البحث والتفكير وصياغة ما أقرأه وأصل إليه فى محتوى بمثابة لمبة صغيرة أتمنى أن يكتب لها الله التأثير والانتشار، إذ إن النور مهما بدا خافتاً لكنه يشتت الظلام.
أخيرًا.. تتناول روايتك الصوتية الجديدة «ديستوبيا اللحظات الأخيرة» أزمة سد النهضة وتبعاته على مستقبل مصر.. أليس من المبكر أن تصدر رواية عن أزمة لم تنته بعد؟
الكاتب يقدم عملاً أدبياً وليس تحقيقاً صحفياً أو مقالاً، وبالتالى عليه أن يبتعد عن المباشرة واللغة الخطابية والتقريرية، وإلا ما الذى يميز عمله عما تنشره الصحف والمواقع الإخبارية وحلقات التوك شو، عليه أن ينسج من همه بالقضية التى يناقشها حكاية أقرب للحياة، ليس فى واقعيتها وتفاصيلها الخارجية التى نراها بأعيننا، بل فى مشاعر الأبطال الداخلية الذين تتقاطع مصائرهم مع مصائرنا، ويشاركونا بشكل غير مباشر فى نفس الهواجس والمعاناة وعلامات الاستفهام، حتى إننا لا نقرأ الأحداث أو نستمع إليها بلسانهم، ولكننا نشعر أن أرواحنا حلت فى أجسادهم، أو ربما أرواحهم هى التى حلت فى أجسادنا، حتى إننا نشعر بما يشعرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى