صدر العدد الاول من مجلة الاذاعة والتليفزيون في 21 مارس 1935 باسم الراديو المصري
احمد سليم
خالد حنفى
احمد السباعى
رئيس مجلس الإدارة
رئيس التحرير
المشرف العام

عميد الصحفيين فى ماسبيرو (1) .. حسين قدرى يحكى: مجدى يعقوب كان جارى فى "التختة"

ayman67.jpg

فى يوم واحد كنا 5 محررين جددا نلتحق بمجلة «التحرير»: حمدى قنديل ومفيد فوزى ومحمد العزبى وصبرى موسى..وأنا!

هو بلا مبالغة أقدم صحفى وأقدم مراسل إذاعى فى ماسبيرو، فقد التحق بمجلة الإذاعة والتليفزيون قبل نحو ستين عاما، وقت أن كان اسمها مجلة "الإذاعة" ولم يكن التليفزيون قد ولد بعد، وسرعان ما أصبح من ألمع محرريها، وتولى رئاسة تحريرها لمدة شهر وديا، ثم تقرر حرمانه من المنصب بسبب كتاب له عن الرئيس عبد الناصر!
كان أول مراسل للإذاعة المصرية فى واشنطن، لكنه شعر بالملل فى العاصمة الأمريكية وطلب نقله إلى لندن، وظل يقدم برنامجا يحمل اسمه من العاصمة البريطانية لمدة 16سنة متواصلة!
جلست ساعات طويلة استمع إلى حكاياته المدهشة عن ستين سنة قضاها مغامرا فى بلاط صاحبة الجلالة، ولا أتجاوز الدقة عندما أصفه بالمغامر، فماذا تصف إذن من خرج من بيته ليعود إليه بعد 117 يوما كاملة يجوب صحارى مصر، الشرقية منها والغربية، من العريش إلى حلايب وشلاتين، ومن مطروح إلى أسوان، ينام فى الكهوف والمناجم والمحاجر.. ويواجه الموت رعبا وعطشا وتيها من أجل مغامرة صحفية!
وماذا تقول فيمن يذهب بكامل قواه العقلية ليعيش على سطح سفينة لصيد السمك فى المحيط الأطلنطى لمدة شهرين، لا يرى فيهما إلا السماء والماء وأسماك القرش، ويعود ليكتب عن ليالى الرعب بسخرية وسعادة وكأنه كان عريسا فى شهر العسل!
وماذا تقول فى المهندس الناجح الذى ترك مهنة مرموقة ومستقبلا مضمونا ليلقى بنفسه فى مهنة البحث عن المتاعب، ويتعرض لـ "الرفت" مرات، كان أولاها عجيبا : فصلوه بعد ضبطه متلبسا بقصة حب عاطفية، وكان آخرها مريرا: فصلوه بعد ضبطه متلبسا بقصة حب سياسية!
عاش رائد المسرح المصرى يوسف وهبى تجربة حياتية وفنية طويلة ممتدة حافلة بالمواقف والتجارب والأحداث، فاختار لمذكراته هذا العنوان الدال المدهش : "عشت ألف عام"..وأظن أن حسين قدرى سيختار العنوان نفسه إذا ما كتب سيرة حياته، فما عاشه وما صادفه هو تجربة حياة استثنائية بكل المقاييس، بل كنت أحيانا – فى ذروة تجليه وتدفقه فى الحكى – أحس أنه يروى قصة فيلم هوليوودى محبوك السيناريو لاهث الإيقاع مذهل التفاصيل مدهش فى نقلاته الدرامية لا تعرف إلى أين يأخذك ويقودك!
تحسد حسين قدرى على ذكرياته، وكذلك على ذاكرته المتوهجة التى تحتفظ بالتفاصيل، فيرويها بسهولة ودقة وسخونة وكأنها حدثت قبل ساعات، مع أن بعضها حدث قبل سبعين عاما أو يزيد.. ويمكنك أن تحسده ثالثا على روحه الشابة وحيويته الآسرة وابتسامته المزمنة التى لا تفارق وجهه حتى وهو يحكى عن مواقف رأى فيها أهوالا وانكسارات وأوجاعا..لكنها لم تستطع أبدا أن تطفئ ابتسامته..أو محبته للحياة!
عميد الصحفيين فى ماسبيرو يحكى..فانصتوا:
1
ولُدت وعشت طفولتى وسنواتى المبكرة فى مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، وكان والدى موظفا يتنقل بين أقاليم مصر بحكم شغله، وفى مدرسة بلبيس الابتدائية الأميرية كان زميلى فى التختة تلميذا خجولا ونابها اسمه مجدى يعقوب، الذى صار فيما بعد أشهر أطباء القلب فى العالم وفخرا لمصر فى الدنيا كلها.. ومع بدايات الحرب العالمية الثانية انتقلت أسرتى للقاهرة وعشنا فى حى السيدة زينب، وشاء قدر الله أن يرحل والدى وعمرى 12 عاما فى نهاية دراستى الابتدائية!
وارتبطت بأمى جدا، أصبحت هى الأب والأم معا، وكانت نصف تركية فوالدها مصرى وأمها تركية، وكانت على درجة عالية من الثقافة والوعى وتجيد ثلاث لغات "العربية والإنجليزية والفرنسية" وهى معلمتى الأولى وأول من أدخلنى عالم الكتابة المسحور من خلال قصص ما قبل النوم التى ترويها لي، وأغلبها كان من الروايات العالمية مثل غادة الكاميليا والفرسان الثلاثة وآنا كارنينا والإخوة كرامازوف، كانت تحكيها بطريقة مشوقة وبأسلوب شديد البراعة..
كنت ملتصقا بأمى فى تلك السنوات، وكان يوم الخميس أحب الأيام إلى قلبى، فكنت أذهب بصحبتها إلى السينما، وأدخر طوال الأسبوع لأقطع التذكرتين من مصروفى، يوم أن كانت تذكرة السينما بستة قروش ونصف!
وبسبب هذه المحبة الغامرة دخلت كلية الهندسة إرضاء لأمى، فقد كانت تتمنى أن يحمل واحدا من أبنائها الثلاثة لقب "باشمهندس"، وضاعت الفرصة منها فى شقيقيّ الأكبر منى، تخرج الأكبر فى كلية الزراعة ولم تعترف أمى بلقب المهندس الزراعى، ولم تستوعب أن يكون ابنها مهندسا فى البرسيم ودودة القطن، وأما شقيقى الأوسط فاختار مهنة التدريس، وكنت أنا فرصتها الأخيرة،، فالتحقت بكلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول فى عام 1949 وتخرجت فيها عام 1954 وقد تغير اسمها إلى جامعة القاهرة بعد قيام الثورة المباركة!
واشتغلت مهندسا لمدة أربع سنوات، وعندما توفيت أمى قررت أن أتقبل العزاء فيها وفى الهندسة معا، فقد حملت لقب مهندس رغما عني، ولو تُرك لى الخيار لكانت الهندسة فى ذيل قائمة هواياتي، وكان على رأسها دراسة الطيران وأن التحق بقواتنا الجوية طيارا مقاتلا، وربما سيطرت عليّ الفكرة بسبب السنوات التى عشتها فى بلبيس حيث يوجد مطار عسكرى..
لكن مقادير الله كانت تدفعنى دفعا إلى المهنة التى سيطرت عليّ فعشقتها وأعطيتها عمرى بحيث لا أتصوره بدونها.. وحبى للكتابة بدأ معى طفلا، فكنت متيما بمتابعة مجلة للأطفال يعرفها أبناء جيلى اسمها "البلبل" وكان ثمنها 5 مليمات ورئيس تحريرها هو الأستاذ محمد عودة، وشاركت مرة فى مسابقة أجرتها وكنت الفائز الوحيد وكانت جائزتها عبارة عن كاميرا كوداك ثمنها 95 قرشا، وهو أمر لو تعلمون عظيم..!
ولما ذهبت لأتسلم جائزتى من السيدة إجلال حافظ صاحبة "البلبل" أعجبها حماسى وأسلوبى فى الكتابة فعرضت عليّ أن أتدرب فى مجلتها خلال أجازتى المدرسية، وخصصت لى مكافأة شهرية قدرها جنيه كامل..!
كانت "البلبل" تتبع دار "الجيب" التى كانت تصدر مجلة "مسامرات الجيب"، وكان يوسف السباعى يكتب فيها قصة أسبوعية، ووقتها كان لا يزال ضابطا بسلاح الفرسان، ويأتى كل أسبوع فى يوم محدد ويركن سيارته الجيب العسكرية أمام باب المجلة بشارع فاروق "شارع الجيش الآن" ويدخل إلى مكاتب المحررين ويخلع جاكت بدلته الميرى الأنيقة ذات السلاسل الذهبية ويجلس ليكتب قصته الأسبوعية وينصرف، ويأتى ليقبض مكافأته الشهرية وقدرها 6 جنيهات، وكان يتصادف أن أقف وراءه أمام الخزينة، هو بقامته العملاقة وأنا التلميذ الصغير النحيل منتظرا دورى لأقبض الجنيه.. وظل السباعى يتذكرنى إلى أن احترفت الصحافة وعملت معه فى مجلة رأس تحريرها.. وتلك قصة أخرى سيأتى أوانها فى حينها وسياقها!

bhhjiii.jpg

2
عاودنى الحنين إلى الصحافة بعد وفاة أمي، وكانت مقادير الله ومشيئته لها الكلمة العليا، فقد كنت أتردد وقتها على صديقى ورفيق شبابى نبيل عصمت، الذى لمع اسمه واشتهر بالباب الذى كان يحرره "أبو نضارة"، ووقتها كان نبيل – الذى تخرج قبلى بعامين فى كلية الحقوق – يعمل محررا فى جريدة الجمهورية، وكنت أصحبه أحيانا وهو ينفذ تحقيقاته الصحفية، ولما كان يعرف شغفى بالصحافة فقد فوجئت به يوما يأخذنى من يدى ويدخل بى إلى مكتب الأستاذ عبد العزيز صادق رئيس تحرير مجلة "التحرير" التى كانت تصدر عن المؤسسة نفسها، وقدمنى له: الجدع ده محسوب غلط على نقابة المهندسين.. أنا شايف إنه صحفى كويس!
وفوجئت برئيس تحرير "التحرير" يجرى لى اختبارا عمليا على الهواء، وكانت المفاجأة الأكبر عندما قال لى بعده بحسم: اطلع الدور اللى فوقنا ح تلاقى صالة تحرير واسعة فى آخرها ح تلاقى: 3 مكاتب فاضية.. اختر لك واحداً منها وخد مفتاحه.. ده مكتبك.. واطلع من هنا قدم استقالتك فى الهندسة وسلم نفسك للصحافة..ومش ح تندم!
وفى نفس اليوم ونفس الأسبوع كنا خمسة محررين جددا نبدأ العمل فى مجلة "التحرير": حمدى قنديل "المذيع اللامع فيما بعد"، محمد العزبى "رئيس تحرير الإجبشيان جازيت فيما بعد"، صبرى موسى "الأديب الكبير فيما بعد"، مفيد فوزى "المحاور الشهير".. وأنا!
وتولى مهمة تدريبنا الأستاذ محمود سالم سكرتير تحرير المجلة وكان يكبرنا بعامين فقط، ومع ذلك كان معلما حقيقيا شربنا منه أصول المهنة، ولكن المجلة أغلقت أبوابها بعد عام واحد من التحاقى بها، فانتقلت للعمل فى مجلة "الاثنين" التى كانت تصدر عن دار الهلال ويرأس تحريرها الشاعر صالح جودت، وحدث أن عملت تحقيقا عن خمس شقيقات فلسطينيات كن يعملن جميعا كمذيعات فى محطة الشرق الأدنى التى تبث من قبرص، ولما اشتعلت معركة العدوان الثلاثى عام 1956 رفضت الشقيقات الخمس بالإجماع موقف المحطة المعادى لمصر، ورفضن إذاعة البيانات الصادرة عن دول العدوان، فتقرر فصلهن نهائيا، ولما عرف الرئيس عبد الناصر بقصتهن أصدر قرارا بتعيينهن جميعا فى الإذاعة المصرية!
ووجدت أن التحقيق الذى أجريته معهن يليق بمجلة "الإذاعة" "ولم يكن التليفزيون المصرى قد ولد بعد" فذهبت إلى رئيس تحريرها حلمى سلام، فتحمس له ونشره بشكل بارز، ولما ذهبت لأتقاضى مكافأتى عن النشر وكانت 3 جنيهات، فوجئت بالأستاذ حلمى سلام يسألنى: ح تجيب لنا إيه للعدد الجاى ؟ّ!..وأدهشنى سؤاله فقد كنت أظن أنها مرة ولن تتكرر، فسألته أنا باستغراب: حضرتك عايز منى موضوعات تانى ؟!..ورد ببساطة : أنا عايزك كلك على بعضك كده..روح قدم استقالتك من دار الهلال وتعال اشتغل معنا فى "الإذاعة"..وقد كان!
وبعد 8 شهور من العمل الشاق والنجاح اللافت فى مجلة "الإذاعة" صدر قرار بفصلى لأغرب سبب يمكن تخيله..رفدونى لأنى "حبيت"!
وتلك قصة مليئة بالتفاصيل المثيرة..فإلى الحلقة القادمة!

 

 

 

 

Please publish modules in offcanvas position.