صدر العدد الاول من مجلة الاذاعة والتليفزيون في 21 مارس 1935 باسم الراديو المصري
احمد سليم
خالد حنفى
احمد السباعى
رئيس مجلس الإدارة
رئيس التحرير
المشرف العام

عادل سعد صاحب «رمضان المسيحــــــــى» و«البابا مات» كتبت «مشانق البامية الخضراء» لأرد الاعتبار لعشوائيات مصر التى شوهها السبكى !

hqtejtj.jpg

هو حالة استثنائية وفريدة بين كتّاب الرواية فى مصر الآن، فقد بدأ الكتابة الأدبية بعد أن تجاوز الخمسين من عمره، وكان إنتاجه القصصى كثيفا ومتواليا وصادما، ففرض اسمه سريعا، وحقق نجاحات مدهشة لن يكون آخرها ترجمة أعماله إلى اللغة الروسية، وتحويل بعضها إلى سيناريوهات سينمائية، يبدو أنها لن تمر بسهولة من الرقابة وموظفيها..
يعرف الوسط الصحفى "عادل سعد" كاتبا ومحققا ثم مؤسسا لمركز الهلال للتراث بإصداراته اللافتة، وبعد ثلاثين عاما من الأشغال الصحفية الشاقة قرر أن يبدأ فى إنجاز مشروعه الروائى، ليس (نزوة) ولا (مغامرة) ولا بحثا عن شهرة هرب منها كثيرا بكامل إرادته، وإنما كان (مجبرا) على أن يفرغ ما فى قلبه وعقله من شخصيات وحكايات حتى لا يقضى ما تبقى له من عمر فى مستشفى المجانين، فقد كانت الحكايات والتجارب والشخصيات تلح وتضغط وتتقافز فى عقله وتجبره على أن يدونها ويوثقها، فهى ليست ملكه وحده بل شهادة على عصر عاشه وزمن وتجربة تستحق أن تُروى..
أصدر عادل سعد مجموعة قصصية (البابا مات) ثم روايته (رمضان المسيحى) وفى الطريق رواية عن ثورة يناير، وملحمة روائية من ثلاثة أجزاء تحكى تاريخ مدينته أسيوط، ومشروعات أخرى يسابق بها الزمن ويعوض بها العمر الذى ضاع فى بلاط الصحافة..
وعادل سعد حكّاء مدهش، على الورق وعلى الهواء، يعرف كيف يسيطر على محدثه وقارئه، وكيف يجعلك مأخوذا مشدودا لاهث الأنفاس حتى المشهد الأخير والكلمة الأخيرة..
وعندما جلست إليه أستمع إلى تجربته الإبداعية وكيف قرر فى الخمسين من عمره أن يكتب الرواية.. لم يكن عادل سعد يحتاج إلى أسئلتى أو استفساراتى، كانت الإجابة حاضرة والرؤية واضحة والحكاية مكتملة.. فانصتوا معى إلى صاحب (رمضان المسيحى) :
1
تستغرب أن علاقتى بالأدب سبقت الصحافة، ففى سنوات الصبا فى أسيوط بدأت شاعرا، وكنت أشارك فى ندوات وأمسيات نادى الأدب بأسيوط، وكانت قصائدى تحظى بتقدير وكان هناك من يتوقع لى النبوغ كشاعر.. إلى أن جئت إلى القاهرة لأبدأ مشوارى الصحفى، وبالتجربة ثبت أن الصحافة قاتلة للإبداع، وبخاصة الشعر، وكان علىّ أن أتنازل مجبرا عن شعرى، وعن هواية الرسم التى برعت فيها وكانت لى لوحات تثير الإعجاب وبعضها كان يزين جدران المدارس فى أسيوط.. جرفتنى الصحافة.. وكان علىّ أن أدفن أحلامى وإبداعى تحت بلاطها !
وتمر سنين العمر، وأسافر فى الخمسين من العمر للعمل فى سلطنة عمان، وأجد عندى متسعا من الوقت فى ليالى الغربة الطويلة، فعاودنى الحنين إلى الكتابة وبدأت فى مشروعات روائية وقصصية.. ودعنى أصارحك أن كتابة الرواية كانت نوعا من العلاج النفسى بالنسبة لى، فلو لم أكتب ما كتبت لكنت ضحية الآن لتشكيلة من الأمراض النفسية وأعراض الجنون، فقد كنت أعانى من (احتقان) شديد بسبب تلك التجربة الإنسانية الغنية التى عشتها بكل ما تفيض به من مواقف وشخصيات وحكايات، كانت تلح وتضغط لأن أسجلها فى مشروع روائى.. ولم أجد مفرا من الكتابة..
وفى تجربتى الإبداعية أعترف أننى كنت واقعا تحت تأثير شخصيتين أتاحت لى المقادير أن أقترب منهما وتربطنى بهما علاقة إنسانية ممتدة، أولهما بلدياتى وحبيبى القاص البارع محمد مستجاب رحمه الله، فقد قابلته فى ظرف غريب، حيث وجدته إلى جوارى بالصدفة فى سيارة ميكروباص متجهة إلى الهرم، ودفعت له الأجرة فأصر أن يعزمنى على الغداء فى بيته، ومن يومها صرنا أصدقاء واعتبرنى من أهل بيته.. وكان يشرفنى أن أقرأ مخطوطات أعماله ويستأنس برأيى قبل أن يدفع بها إلى النشر.. وكنت وما زلت متيما بعالمه الروائى الفريد والمدهش..
والثانى هو عمى أحمد فؤاد نجم، وكان لقائى الأول به فى ظرف إنسانى غريب أيضا، فقد ذهبت إلى بيته لأتعرف به وأبدى له إعجابى بما يكتب وأجرى معه حوارا، فوجدته يحمل صينية بطاطس ويتولى بنفسه تقشيرها، وعرفته بنفسى ورحت أتغزل فى شعره فإذا به ينهرنى بطريقته الآسرة ويصيح فى : "اتنيل على عينك وتعال ساعدنى فى تقشير البطاطس!".
ومن يومها صرنا أصدقاء، وأجريت معه حوارا مطولا نشر على ثلاثين حلقة فى جريدة خليجية، وكان نواة لكتابى عنه (الهجّاء النبيل) الذى صدر فى ذكرى رحيله الأولى، وحقق نجاحا لافتا شجعنى على إصدار مجموعتى القصصية الأولى (البابا مات )، والتى لم أتوقع أن تحدث كل هذا الصدى ويكون لها وقع الصدمة.. ولا أنسى اتصالا بعد منتصف الليل من كاتبنا الكبير محفوظ عبد الرحمن، وفوجئت به يقول : أنت بوظت لى دماغى.. أنا قاعد من 3 أيام أقرأ فى (البابا مات) ومذهول من حكاياتها وأساليبها.. وفوجئت كذلك بدراسات نقدية موسعة وفى كبريات الصحف المصرية والعربية عن المجموعة، وبالطبع لا تفوتنى الإشارة إلى ما كتبته د.سناء أنس الوجود رحمها الله وصديقنا د.أسامة أبو طالب.. ومن جديد تشجعت على إصدار روايتى الأولى (رمضان المسيحى) التى تُرجمت إلى الروسية على يد المترجم الشاب البارع (نيكولاى فيدوروف) من معهد اللغات الشرقية بموسكو..
2
و(رمضان المسيحى) هى رواية واقعية فى مجملها، عشت أحداثها وعرفت أبطالها، وهى محصلة رحلة قمت بها إلى اليونان فى عام 1979 واستمرت سنة ونصف السنة، وقابلت خلالها نماذج مدهشة من البشر والتفاصيل والمواقف، كان من بينهم شباب – منهم رمضان الذى تحمل الرواية اسمه – اضطروا لتغيير ديانتهم على الورق للحصول على الجنسية اليونانية..
كانت أحداث الرواية وأبطالها وأجواؤها تبدو حميمية وواقعية لدرجة أن كاتبنا الكبير علاء الديب رحمه الله وصفها بأنها تحقيق صحفى طويل، وهو وصف ظالم وغير دقيق، واتصلت به وقتها أوضّح وأصحّح وأقول له إن نصف الرواية حقيقى ونصفها من خيالى، لكننى سعيد أن جعلتك لا تعرف الحقيقة من الخيال !
ونبهتنى صديقتنا الروائية الكبيرة سلوى بكر إلى زاوية فى الرواية لم يلتفت إليها كثيرون، وهى أن الرواية بمثابة تصادم يحدث لأول مرة بين قاع المجتمع المصرى وقاع المجتمع الأوروبى، ففى الروايات التى تناولت المجتمع الغربى بأقلام عربية مثل (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم و(موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح كانت غالبا تقدم رؤية طالب بعثة عربى يسافر إلى أوروبا ويقع فى غرام الحضارة الغربية ويصف ما تعرض له من صدمة حضارية نتيجة الفارق الهائل بين الثقافتين والمجتمعين.. فى (رمضان المسيحى) الأمر مختلف، إذ تحكى عن تجربة شباب صعيدى من قاع المجتمع المصرى يسافرون إلى اليونان بحثا عن فرصة عمل ويصطدمون بقاع المجتمع الأوروبى فى صدام حضارى غير مسبوق ولا مطروق فى الرواية العربية على حد وصف أديبة بحجم سلوى بكر!
والحق أننى كنت واعيا لهذه الملاحظة، لأننى فى المجمل لا أحب الكتابة عن مجتمع الصفوة، وأجدنى مأخوذا بمجتمع العشوائيات والطبقات المهمشة التى أعرفها، وبالمناسبة روايتى الجاهزة للصدور تتناول الحياة فى العشوائيات، اسمها (مشانق البامية الخضرا )، وهى اسم على مسمى، وأردت من خلالها أن أقول إن مصائر هؤلاء البشر الذين يعيشون هناك لا تختلف كثيرا عن قرون البامية التى تُعلق فى خيوط أشبه بالمشنقة إلى أن تجف ولا يبقى منها إلا الشكل والرائحة !
وعندما أكتب عن العشوائيات فأنا أكتب كتابة من عاش فيها وأختلط وعرف، فقد سكنت فى فترة من حياتى فى منطقة عشوائية، وما أحكيه فى الرواية حدث بالفعل، بل لم أقل الحقيقة تامة ولم أنقل الصورة كاملة، ونقلت ما عرفت وعشت وعايشت، وتبدو الأحداث شديدة القسوة، لكنها قسوة طبيعية وليست مصنوعة على طريقة أفلام السبكى بكل ما فيها من سنج وسيوف ودماء..
وقمت بتحويل الرواية إلى سيناريو سينمائى اخترت له اسم (المنتقب)، لأن بطل الرواية، وهو أخ من بين 13 مات أبوهم وهم صغار وتركهم يواجهون قسوة الحياة فى ذلك العالم الذى لا يعرف الرحمة، وكان هذا البطل يستخدم النقاب فى نزواته النسائية، إلى أن تقوده أحد المواقف الصعبة إلى الهروب فى سيارة ميكروباص يكتشف أنها تابعة لمباحث أمن الدولة، ويظنونه إرهابيا ويخضعونه لاستجواب قاسٍ فيحكى لهم حكايته بكل عذاباتها..
والسيناريو موجود فى الرقابة ولا أظن أنه سيمر بسهولة!
3
وأعكف على رواية استنزفتنى كثيرا فى السنين الأخيرة، وهى ليست رواية عادية، بل ملحمة روائية فى ثلاثة أجزاء تحمل أسماء : عبيد درب الأربعين، خالتى بطة الحشاشة، صلاة العقارب.. وهى تحكى تاريخ محافظة أسيوط والتقلبات الحادة التى عاشتها من زمن محمد على باشا حين كانت هى المعبر الوحيد الذى يربطنا بأفريقيا عبر درب الأربعين، وكيف جعل منها عزيز باشا أباظة مدينة حديثة تضارع أحدث المدن فى العالم حضارة وتقدما ورقيا، إلى أن سقطت فى يد الجماعات الإرهابية وتحولت إلى مدينة سلفية رجعية متخلفة..
وفى أدراج مكتبى عديد من المشروعات الروائية الأخرى.. عندى رواية عن ثورة يناير.. ورواية عن كواليس الصحافة المصرية والشخصيات والأحداث التى مرت بها فى الثلاثين عاما الماضية، وهى شخصيات تبدو إلى جانبها (زينب والعرش) رائعة فتحى غانم الشهيرة فى غاية السذاجة والطيبة.. وعندى مشروع رواية عن شخصية حقيقية عن شاعر سكندرى أعرفه، عاش تجربة فريدة فى غرابتها، فقد دخل السجن من أيام الملك فؤاد الأول ولم يخرج منه إلا فى عصر مبارك.. وخرج سجين كل العصور من زنزانته دون أن يعرف لماذا سُجن ولا لماذا أفرجوا عنه.. مشروعات تحتاج إلى أن أتفرغ لها عشر سنوات لكتابتها، ولكنه حلم صعب المنال، فكتابة الأدب فى مصر لا تفتح بيتا ولا تحقق دخلا!
نجيب محفوظ بكل شهرته وإنتاجه لم يترك الوظيفة التى ينفق منها على أسرته.. وربما كان نجيب محفوظ أكثر حظا من أجيال لاحقة من المبدعين دهستهم لقمة العيش.. ولا أبالغ إذا قلت إن لدينا الآن نحو 12 روائيا شابا لا يقلون موهبة عن نجيب محفوظ بل إن بعضهم تجاوزه على مستوى البناء والشكل.. وللأسف لا يجدون من يرعاهم.. لا الدولة تهتم بهم ولا دور النشر الخاصة التى تجرى وراء الربح لا القيمة..!

Please publish modules in offcanvas position.