صدر العدد الاول من مجلة الاذاعة والتليفزيون في 21 مارس 1935 باسم الراديو المصري
احمد سليم
خالد حنفى
احمد السباعى
رئيس مجلس الإدارة
رئيس التحرير
المشرف العام

انفراد: مذكرات أحمد سعيد «12» دستور سوريا هو الأول من نوعـــــــــه الذى ينص على السعى لتحقيق الوحدة العربية

15882_660_DSC05197.JPG

يرى أحمد سعيد أن اتحاد مصر مع السودان أو ليبيا كان الأقرب والأوجب، لكن ما حدث هو الاتجاه إلى سوريا اقتناعا بما سمى فيما بعد "الخصوصية السورية"، حيث تشابهت الأحداث بين القاهرة ودمشق، فقد كان من الطبيعى أن يتعاظم تجاذب النظامين بحكم جذورهما العسكرية وصراعهما مع الأحزاب السياسية، وموقفهما المشترك من النشاط المتزايد لجماعة الإخوان المسلمين فى البلدين.
يواصل الإعلامى الكبير أحمد سعيد تفاصيل مذكراته عن أحداث تلك الفترة، قائلاً:
فى الأسبوع الأخير من مارس 1953 طلب البكباشى كمال عبدالحميد - وكانت قد أضيفت إلى عملى فى ركن الجيش مسئولية إعداد سهرة شهرية عن إنجازات الثورة فيما سبق من شهور- إشراك اثنين من الضباط السوريين ضيوف القاهرة (عبدالحق شحادة وطعمة العودة الله) فى السهرة المحدد إذاعتها على الهواء، بحوار سيديره معهما بشخصه.
وليلتها: كانت الموضوعات طوال السهرة تدور حول قرارات الثورة المصرية منذ قيامها عبر ستة أشهر.. مثل عزل الملك واعتقال المحسوبين على حكمه عسكريين ومدنيين فى مقابل الإفراج عن خصومه المسجونين و المعتقلين السياسيين، وإلغاء دستور 1923 وأحزابه.. وبدء التفكير فى مواصفات تشكيل لجنة لإعداد دستور جديد للبلاد يعكس التوجهات الثورية.. مما دفع المشاركين السوريين "عبدالحق شحادة وطعمة العودة الله" إلى تناول ما وصفاه بقصور العمل السياسى التقليدى عن تحقيق أمانى الشعوب فى الحرية والوحدة والتقدم، مضيفين - مع محاورهما البكباشى كمال عبدالحميد - أن القوات المسلحة مطالبة - بحكم كونها من الشعب وحر ماله- بالإسهام فى تحقيق أمانى الشعب وحماية مصالحه خارجية كانت أو داخلية.. ولينطلق كل من الضابطين السوريين إلى رواية حكايتين تعكسان فى رأيهما إسهام العسكرية السورية الحديثة فى مواجهة الفساد وحماية متطلبات الشعب وحقوقه.
الأولى:
عندما أضربت ثم استقالت الدفعة الأولى من طلبة الكلية الحربية فى حمص ومعها مدرسوها الضباط وقادة بعض الوحدات احتجاجاً على مخالفة أقدم عليها وزير الدفاع وأركانه فى شأن تنفيذ الشروط العلمية التى نظمها القانون للالتحاق بالكلية العسكرية.
والثانية:
يوم أن رفض ضباط من الجيش السورى يقودهم الزعيم حسنى الزعيم عندما كان ضابطاً ناشئاً على رأس كتيبة صغيرة تنفيذ أمر رئيس الوزراء وزير الدفاع بنقل الاحتياطى الذهبى السورى من البنك المركزى إلى خزائن تابعة لمصرف فرنسى.. ولتنتهى سهرة "الثورة فى ستة أشهر" بأمنية أطلقها ليلتها الضابط السورى طعمة العودة الله بأن تضع اللجنة المزمع تشكيلها لوضع دستور مصرى جديد، فى صدر هذا الدستور، نصا شبيها بما نص عليه دستور سوريا القائم منذ عام 1950 بأن سوريا دولة عربية وأن شعبها جزء من الأمة العربية.. فيثنى الضابط السورى الآخر (عبدالحق شحادة) بأن العقيد أديب الشيشكلى يزمع إصدار دستور جديد تتصدر مواده نفس المعنى القومى المؤكد لعروبة سوريا وشعبها، بالإضافة إلى النص على التعهد بالعمل من أجل وحدة جميع بلاد العرب.
ويجىء النصف الثانى من عام 1953: وتقرر الثورة فى مصر بث "صوت العرب" برنامجا إذاعيا يوميا تعكس فقراته المبادئ القومية بهدف تحرير وتوحيد البلاد العربية وبتفويض يعتمد التثوير منهاجاً وأسلوباً.
وسعينا إلى العالمين بالمنطقة العربية أكاديمياً وتجريبياً باحثين عن زاد ينير لنا الطريق من حيث مضمون برامجنا المختلفة والحرفية الواجبة لها قومياً وإقليمياً.
وكان من بين ما بادرنا به الدكتور أحمد عزت عبدالكريم دراسة وافية عن منشأ الفكر القومى وتطوره فى سوريا.. بالإضافة إلى نسخة من الدستور السورى الجديد الذى أصدره العقيد أديب الشيشكلى وجرى انتخابه فى ظله رئيساً دستورياً للبلاد، والوارد فى نص مادته الأولى ما سبق أن ذكره الضابطان السوريان عبدالحق شحادة وطعمة العودة الله فى سهرة يناير الإذاعية من أن الدولة السورية العربية تتعهد بالسعى فى ظل السيادة والنظام الجمهورى على تحقيق وحدة الأمة العربية.. فنحرص فى صوت العرب على أن تتصدر موضوعات ما نعده من الحلقات الأولى برامج تتناول الدساتير والشرائع الحاكمة للسياسات الحكومية العربية.. مع إبراز خاص للتميز السورى ونصه القومى الصريح فى مادته الأولى بقوله: "سوريا جمهورية عربية ديمقراطية ذات سيادة تامة.. والشعب السورى جزء من الأمة العربية.. وعلى الدولة أن تسعى فى ظل السيادة والنظام الجمهورى لتحقيق وحدة هذه الأمة"، فنقدم فى حلقة صوت العرب الثانية المذاعة مساء الأحد 5 يوليو برنامجاً خاصاً عنه اشترك فيه مع أستاذ التاريخ الدكتور أحمد عزت عبدالكريم زميله أستاذ القانون الدستورى الدكتور عثمان خليل، وقطب حزب الدستور التونسى اللاجئ إلى القاهرة صالح بن يوسف.. حيث أجمع ثلاثتهم على مطالبتهم بتعميم فقرة نص المادة الأولى من الدستور السورى فى شأن أن تسعى كل دولة عربية جمهورية كانت أو ملكية لتحقيق وحدة شعوب أمة العرب وليصبح العمل الإيجابى الدءوب من أجل الأهداف القومية أمراً نافذاً بنص دستورى يعلو جميع القوانين والأوضاع وبما يدين- كما قال الدكتور عثمان خليل- كل مسئول يتقاعس عن أدائه أو يسعى فى إعاقته أو يجمده أو يخرج عليه.
وليلتها.. الأحد 5 يوليو 1953:
طلب مجلس الثورة نص الحوار.. لتتلقى الإذاعة فى اليوم التالى أمراً بإعادة بثه فى حلقة اليوم التالى الاثنين 6 يوليو من "صوت العرب"، بالإضافة إلى إذاعته عقب نشرة الساعة الثامنة والنصف بالبرنامج العام.
وتبادلنا مع إذاعة دمشق العهود والأمنيات، وقد واكبها يوم 10 يوليو من نفس العام انتخاب العقيد أديب الشيشكلى رئيساً دستورياً.. فتصدر التعليمات بتهنئته، وإذاعة خطابه إثر حلفه لليمين، فى تظاهرة إعلامية قومية من منطلق الالتزام القومى الوارد فى نص الدستور السورى وهيمنته على مقاليد السلطة فى سوريا.
ولكن لم يهنأ الشيشكلى طويلاً بانتخابه رئيساً منفرداً بالحكم رغم تحالفاته الجزئية مع بعض النخب السياسية التقليدية.
ففى أوائل ديسمبر من نفس العام، بدأت إذاعات بغداد ولندن العربية والشرق الأدنى من قبرص تردد أنباءً تروج لمشروع اتحادى يضم سوريا إلى العراق تحت مظلة العرش الملكى الهاشمى فى بغداد، زعمت خلالها مشروعية اتساقه مع ميثاق جامعة الدول العربية مؤكدة أنه يحظى بترحيب نخب سورية مختلفة.
فيصدر حزب البعث الذى كان أقطابه "ميشيل عفلق، وأكرم الحورانى، وصلاح البيطار.. قد عادوا من المنفى" بياناً يرفض إخضاع سوريا المستقلة لعرش أوجده الاستعمار فى سوريا، ثم من بعد فى العراق والأردن حيث يحتل الجيش البريطانى أراضى البلدين.
ويطلع الرئيس العقيد الشيشكلى على الشعب عبر إذاعة دمشق فى حديث غاضب أكد فيه حرصه على سوريا الجمهورية كاملة الاستقلال، مرددا فى نفس الوقت أن سوريا شعبا ودستورا تؤمن بالوحدة وتعمل لها تماما مثل بروسيا التى قادت الإمارات الناطقة بالألمانية إلى إقامة دولة عظمى واحدة.
ولكن لم يشفع للشيشكلى بيانه وحماسه، فقد ترددت فى العواصم الغربية والعربية، خاصة فى واشنطن ولندن وبغداد ودمشق وبيروت وعمان والقاهرة، شائعات عن اجتماعات سرية متتالية للرئيس الأمريكى لشركة أنابيب البترول المعروفة باسم "التابلاين" بالعقيد أديب الشيشكلى ولقائه ببعض النخب السورية التقليدية مثل فارس الخورى وخالد العظم وصبرى العسلى ترويجا للاتحاد مع العراق فى إطار منظومة يجرى الإعداد لها، تمهيداً لقيام تحالف عربى وغربى للدفاع عن المشرق العربى ضد احتمالات أخطار تهدد المنطقة من قبل الاتحاد السوفييتى.
وتشهد سوريا مظاهرات جمعت لأول مرة الأضداد من أطياف العمل السياسى منددة بما وصفته باتحاد العملاء والتحالف مع الاستعمار حيث التقى فيها الإخوان المسلمون والشيوعيون مع أعضاء حزب البعث العربى الاشتراكى.. لم تلبث أن فرضت على المناخ السياسى السورى مناقشة مخاطر عسكرية النظام والانفراد بالسلطة والقرار وصولا إلى استمرار شخص الشيشكلى رئيسا للبلاد.
ونعرف أيامها فى "صوت العرب" مشاق تنفيذ ذلك المستحيل الذى تعكسه كلمات المثل الشعرى القائل:
"ألقاه فى اليم مكتوفا وقال له: إياك.. إياك أن تبتل بالماء".
فقد تلقينا توجيها صريحاً بسرعة مواجهة المشروع العراقى، والتحالف المقترح شريطة ألا نشير ولو من بعيد إلى العراق وحكومته والشيشكلى وبيانه وما يتردد عن اللقاءات السرية والعلنية لرئيس خطوط أنابيب البترول "التابلاين" الأمريكى الجنسية مع الرئيس السورى ونفر من أقطاب الأحزاب السياسية التقليدية.
ويوفر لنا التاريخ الحديث لبلاد المشرق العربى- سوريا متفجر فيه - مضمونا ثريا بتفاصيل خطاب إعلامى يؤكد - فى حدود المطلوب والمحظور- وعى السوريين بالممارسات الاستعمارية من خلال برنامج حمل اسم "حتى لا ننسى" تكشف حلقاته فى تتابع حرفى شيق بالوثائق الرسمية والأجنبية تفاصيل خداع دول الاستعمار الغربى للعرب وأجيالهم، خلال النصف الأول من القرن العشرين.. مثل غدر بريطانيا بالذات بعهدها لأمير مكة الشريف حسين بقيام دولة عربية مستقلة فى أقاليم المشرق العربى الآسيوى مقابل قتالهم معها لدولة الخلافة التركية العثمانية خلال سنوات الحرب العالمية ألأولى (1914 – 1918) ومقاسمتها فرنسا بلاد العرب وفق اتفاقية مارك سايكس وجورج بيكو "سايكس بيكو" فى شهر مارس 1916.. وكذلك العهد الذى سلمت به فلسطين دولة لليهود الصهاينة على أشلاء العرب وحقوقهم فى البلاد.
فقد بادرت الإذاعتان إلى الرد على حملات "صوت العرب" وفضحه للسياسات الاستعمارية البريطانية من خلال تحليلات وتعليقات توحى للمستمعين العرب بميول شيوعية لدى قادة ثورة مصر، فى إشارة فجة إلى قرار مجلس الثورة فى سبتمبر 1952 بتحديد الملكية الزراعية للأسرة الواحدة بمائتى فدان فقط، والزعم بمخالفة ذلك لأحكام الشريعة الإسلامية.

Please publish modules in offcanvas position.