الأحد, أغسطس 18, 2019
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : إبراهيم عبد العزيز

 

ahmedsaiiisd_3.jpg

  • ·تأخرت مصر فى دخول حرب الإذاعات السرية لرفض عبدالناصر الهبوط بالإعلام المصرى
  • ·أول إذاعة سرية مصرية كانت موجهة إلى إيران بالتعاون مع الثائرين على الشاه
  • ·أطول الحروب الإعلامية العربية بدأت 1963 لمدة 4 سنوات
  • ·الحملة المعادية لعبد الناصر بالاحتماء بقوات الطوارئ الدولية كانت الطريق إلى حرب 67
  • ·"قدر مصر" هو الاسم الآخر لـ "شخصية مصر" التى قدمها جمال حمدان إلى "صوت العرب"  
  • ·الإذاعات السرية شحنت الجماهير من أجل فلسطين فدفعت عبدالناصر إلى حرب يونيو 67

فصل جديد من مذكرات الإعلامى الكبير أحمد سعيد بعنوان: "حرب الإذاعات السرية.. أبواب جنهم 1967"

يبدؤه بهذه الافتتاحية التى يقول فيها: "تشبه العمليات الإعلامية أياً كان مضمونها نبيلاً أو أثيماً: صوت سل سيف من غمده وسط ظلمة غاشية لا يدرك معها أحد ما وراء إشهار السيف.

هل خرج لتحيته أو حمايته ـ أم ـ ارتفع عالياً ليهبط قاطعاً الألسن والأيدى والأعناق.

الأصل فى الإعلام:

إنباء بأحداث.. وطرح لقيم.. وتزويد بمعرفة.. ودعوة إلى حوار..

غير أن هذا الأصل اندرج دوما تحت شعار المثالية المرجوة.. ذلك أن الممارسة الفعلية - وعبر تاريخ البشر – تجاوزت فى الغالب الأقرب إلى الأعم هذه المثالية الطوبانية، وبسعى دءوب يريد غرس قيم وسلوكيات وأهداف وأنماط حياة، وباستخدام للحقائق كاملة أو منقوصة، أو حتى مهترءة، أو منعدمة وصولا إلى الأهداف المعلنة أو الخفية للعمليات الإعلامية..

والنماذج كثيرة فى تاريخ البشر.. بل إن التعمق المجرد فى تفاصيل كثيرة من الرسالات يكشف عن الخلفية الكاملة لعمليات إعلامية يحكم بعضها الباطل بينما يزين الحق بعضها الآخر.. فمن المنظور الإعلامى المجرد مثلا.. ما كانت قصة وسوسة إبليس لآدم وزوجه بادعائه لهما مزايا خلد وقداسة لثمار الشجرة المحرمة فى الجنة، غير إعلام بباطل استهدف به الشيطان إقدامهما على معصية الله سبحانه.. بينما تعكس تفاصيل تفاسير الآيات الأولى من سورة الروم إعلاما بالصبر والاصطبار إيمانا بنصر من الله قريب لكل من يؤمنون يوجود خالق للكون باعث للحساب..

وقد أكدت الأجواء الإعلامية المستهدفة جماهير الأمة العربية: خلال الأعوام التى تلت ثورة يوليو 1952 وإنشاء صوت العرب فى يوليو 1953 وحتى الانتكاسة المدوية للثورة وإعلامها فى أعقاب هزيمة يونيو 1967 ما يمكن وصفه – دون تعسف – أن الحقيقة فى الأجهزة الإعلامية غالبا ما تجئ نسبية حيث يدعيها كل جهاز منها لنفسه بينما ينكرها تماما على غيره حتى جاز القول فى غير تردد أو تزيد بإمكان تصنيف الإعلاميين من واقع أهداف ممارستهم إلى واحد من اثنين:

إما حواريو أنبياء أو أعوان شياطين

وكم جنبت الأهداف المحددة لصوت العرب وأسرته وبرامجه من الانزلاق مع التيار المخالف للحقيقة.. ونأت به كثيرا عن الانغماس فيه بحكم الطابع التثويرى التحريرى الوحدوى لجيمع حملاته الإعلامية وما كانت تفرضه حديتها من صرامة تشخيص للواقع العربى من جهة.. وجدية مطالبة الجماهير بالمصابرة على البذل والتضحية والاستشهاد حتى تحقيق النصر من جهة أخرى.. وحتى ونحن نواجه مأساة الهزيمة المفاجئة المروعة فى يونيو 1967 بكل ما واكبها من فارق السماء والأرض فى البيانات العسكرية الرسمية والزخم التعبوى المطلوب السابق عليها أو المتلازم معها..

وقد شهدت السنوات العشر بين عامى 1957 و 1967 من القرن الميلادى العشرين سلسلة متكاثرة متصاعدة من المواجهات الإعلامية ضاعف على انتشار تأثيرها تطور تقنية البث الهوائى وقدراته المتزايدة على الوصول إلى تجمعات بشرية على بعد آلاف الأميال.. بالإضافة إلى ثورة التلقى السمعى التى أحدثها اختراع الراديو التزانزستور وشيوع تشغيله بالبطاريات..

ورغم أن صوت العرب كان له القدح المعلى فى التأثير النافذ شرقا وغربا تضاءلت معه كثيرا متابعة الجماهير للإذاعات المحلية أو الأجنبية مثل "الشرق الأدنى" من قبرص والـ "BBC" من لندن وصوت أمريكا من واشنطن.. إلا أن نوعا مستجدا من الإذاعات تم إنشاؤها على عجل فى ظل تفاقم الصراعات، اندرج أغلبها تحت المسمى الاصطلاحى العبثى – الإذاعات السرية – رغم انعدام عنصر السرية فيها بحكم سهولة معرفة موقع بثها فنيا وإمكانية تحديد هويتها وأصحابها وكل أهدافها من مضامين خطابها الإعلامى.

وقد كان لهذه الإذاعات دور كبير لا يمكن إنكاره أو تجاهل تصاعد استثارته للجماهير يوما بعد آخر وخاصة فيما يتعلق بالدعم العسكرى المصرى المباشر لثورة اليمن فى مواجهة المعاداة المتزايدة لها من قبل المملكة السعودية.. والمواجهات التى لا تنتهى بين عبدالناصر وحكومات حزب البعث فى سوريا والعراق.. وصولا إلى تجسيد كل ذلك فى موجة ضغط جارف تريد حربا عاجلة لتحرير فلسطين.

ويشير بعض المؤرخين للإعلام إلى أن الألمانى النازى دكتور الفلسفة جوزيف جوبلز وزير الدعاية والثقافة أيام حكم الديكتاتور أدولف هتلر كان أول من ابتدع فكرة الإذاعة السرية عندما أطلق برنامجا يوميا موجها باللغة الانجليزية إلى الشعب البريطانى خلال الحرب العالمية الثانية بصوت عميل اشتهر باسم لورد هاهاو.

كما تعد الإذاعة السرية التى أنشأتها المخابرات البريطانية قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية بنحو ثلاثة أعوام وأطلقت عليها اسم – عملية سفتون دلمار – نسبة إلى مسئولها الأول، من أكثر الإذاعات السرية نجاحا وتأثيرا إذ مارست أكبر عملية خداعية إعلامية عرفها القرن العشرين عندما بدأت إرسالها بخطاب إعلامى يمجد الديكتاتور أدولف هتلر وانتصاراته العسكرية المتتالية مما أكسبها ثقة المتلقين الألمان.. حتى إذا حل يوم بدء العد التنازلى لحملة الحلفاء المعروفة باسم حملة نورماندى لتحرير غرب أوروبا من جيوش النازية أخذت الإذاعة السرية البريطانية المناطقة بالألمانية ومذيعها سفتون دلمار الملقب بالزعيم فى ترديد أنباء تثير القلق عند مستمعيه الألمان بما بدأت تذيعه عن خلافات هتلر مع قواد جيوشه، وتفاصيل جرى تضخيمها عن الهزائم الألمانية فى الجبهة الروسية.

 

وتذمر الشعب الألمانى من الخسائر فى الحرب، والتضييق عليه اقتصادياً مما كان له أكبر الأثر فيما أصاب الجماهير النازية من إحباط نال من الروح المعنوية والإصرار الجماعى على مقاتلة الحلفاء ورد غزوهم الكاسح من الغرب والشرق.ahmedsaiiisd_5.jpg

ومن أغرب ما سجله تاريخ الإعلام عن هذه الإذاعة السرية ما واكب إنشاء المخابرات البريطانية لها ومبالغتها فى كتمان أمرها، التعتيم عليها، حتى أنها أخفت أمرها عن الحليف الأكبر "الولايات المتحدة الأمريكية" لبريطانيا فى مقائلة ألمانيا الهتلرية، حتى أنها - المخابرات البريطانية أمضت نحو عام ونصف تشارك بعملائها وأجهزتها الفنية رجال المخابرات الأمريكية فى بحث متصل عن هذه الإذاعة السرية ومكان بثها وهوية من يطلقها ويذيع منها مدحاً فى هتلر بادئ الأمر ثم مشككا من بعد وكأنها ليست المنشئة الراعية لها.. ولعله من الطريف الجدير بالذكر أنه عندما قررت بريطانيا إخبار حليفتها الولايات المتحدة بأمر إذاعة الزعيم سيفتون دلمار قامت بتسريب حقيقتها إلى اثنين من المخابرات الأمريكية بأسلوب بدا عفويا غير رسمى الأمر الذى أغضب أيامها واشنطن.

وقد أخذت المخابرات الأمريكية بفكرة الإذاعات السرية أثناء الحرب الباردة مع جمهوريات الاتحاد السوفيتيى وأيضا مع جمهورية الصين الشعبية وكذلك فيتنام وكوريا الشمالية، وقد حاول الأمريكيون تكرار فكرة إذاعة سفتون دلمار البريطانية فى جنوب شرق آسيا مع تصاعد حربهم مع شعب فيتنام بقيادة هوشى منه.. غيرأن محاولاتها باءت بالفشل مرتين، إذ بادر الثوار إلى شن هجمات مفاجئة على مقر بث الإذاعة الأولى مما حدا بالأمريكيين إلى تجربة اختراع جديد يومها باستخدام مقر متحرك للبث، غيرأن قيادة الثوار لم تلبث أن نجحت فى رصدها متابعة تنقلاتها ونسفها كالأولى بعد مطاردة استمرت ثلاثة شهور فقط قتلت معها جميع حراسها من الأمريكيين والفيتناميين الجنوبيين مما دعا القيادة الأمريكية تحت ضغط الرأى العام الأمريكى إلى الاكتفاء بإذاعة علنية من سايجون وأخرى من فوق سفينة حربية قرب الشاطىء.. ورغم هذا الدرس الدامى فى حرب الإذاعات السرية سعت واشنطن إلى استخدام جزيرة سوان swan بالبحر الكاريبى بالقرب من  شواطئ جزيرة كوبا لإنشاء إذاعة سريةتهاجم الثورة التى يقودها ضد السيطرة الرأسمالية فى كوبا وسائر بلاد أمريكا اللاتينية تشى جيفارا وفيديل كاسترو، ومن الطريف أن اختيار جزيرة سوان بالذات مركزا لبث هذه الإذاعة كان محل تعليقات ساخرة من الإعلام الثورى الكورى اللاتينى الذى استغل طويلا تسمية هذه الجزيرة ـ سوان ـ على اسم قرصان جعلها مركزا لقرصنته فى أواخر القرون الوسطى.\

ahmedsaiiisd.jpg

أما المنطقة العربية:

فقد عرفت الإذاعات السرية لأول مرة على يد فرنسا عام 1955 عندما اشتد عود ثورات بلاد شمال أفريقيا وخاصة ثورتى المغرب والجزائر، وتأكد للاستعمار الفرنسى أن من أهم أسباب ما تحققه الثورات من انتصارات يكمن فيما تلقاه من دعم عسكرى وسياسى وإعلامى ترعاه حكومة ثورة 23 يوليو فى مصر، فقد سعت فرنسا بدءا من عام 1955 إلى بث عدة إذاعات سرية بالتعاون مع بعض الساخطين على انفراد جمال عبدالناصر وعدد من أعضاء مجلس الثورة بتحديد السياسات واتخاذ القرارات مثل عائلة ابوالفتح، وأنشأت إذاعة (مصر الحرة) لمهاجمة حكومة مصر وقادتها ومواقفهم الثورية، وتلتها بريطانيا وحكومة حليفها فى العراق نورى السعيد بإنشاء إذاعة "صوت الحق" والتى كانت تبث برامجها من منزل يمتلكه فى بغداد، وفى عام 1956 وعقب تأميم قناة السويس أضافت فرنسا إلى إذاعة مصر الحرة إذاعة أخرى أسمتها صوت الأحرار" تخصصت فى محاولة القضاء على الروح المعنوية التى فجرها التأميم فى جماهير مصر والعرب وإحلال مكانه قلقا من غضبة غربية عارمة سبقت العدوان الفرنسى البريطانى الإسرائيلى على مصر عام 1956.

وإذ جاء عام 1958.

وتحققت الوحدة بين مصر وسوريا.

تكاثر فى تتابع محموم إنشاء المزيد من الإذاعات المسماة بالسرية الموجهة ضد التوجه الثورى القومى بقيادة جمال عبدالناصر حتى وصل فى الستينات إلى تسع إذاعات سرية ضد مصر، مثل: إذاعة (صوت الإصلاح) التى ادعت كذبا عند إنشائها عام 1957 بأن بثها يتم من الأرض السورية، وعنيت بمهاجمة التقارب السورى المصرى شعبيا وحكوميا وإرهاصات وحدة البلدين عام 1958 وما تلاها حتى الانفصال عام 1961، ومثل إذاعة "صوت لبنان" التى أنشأها رئيس لبنان المعروف بارتباطه مع الغرب كميل شمعون إثر بدء الثورة الشعبية ضده.. كما بدأ الحكم الملكى فى الأردن بث إذاعة حملت اسم صوت  العراق" لمهاجمة الثورة التى قضت على الحكم الهاشمى فى العراق، وشارك حاكم العراق عبدالكريم قاسم إثر انفراده بقياد الثورة ومعاداته للقاهرة، بإنشاء إذاعة "صوت دمشق الحرة" لمهاجمة   وحدة سوريا ومصر وزعامة جمال عبدالناصر، وقد شارك حزب البعث عندما حكم العراق  فى لعبة الإذاعات السرية  إثر فشل مفاوضاته والبعث فى سوريا مع مصر لإنشاء وحدة ثلاثية، فبث بدوره إذاعة سرية حملت اسم (صوت الجماهير) ركزت فقراتها على نقد مواقف جمال عبدالناصر وسياساته العربية بزعم عدم قوميتها وثوريتها.. غير أن أطرف إذاعة سرية تردد بثها فى أثير المنطقة كانت إذاعة سرية فرنسية ناطقة بالعربية أنشأها الحاكم الاستعمارى الأشهر للجزائر أثناء ثورتها الجنرال جاك سوستيل وحملت فى الملفات الفرنسية اسم "محطة كليبر" بينما أطلقت على نفسها اسم "إذاعة صوت العرب - إذاعة الثورة الجزائرية" وكان مسئولوها ومذيعوها يستخدمون شعارات وألحان وأساليب إذاعة صوت العرب القاهرية تتخللها أخبار وتعليقات وبرامج إنهزامية المضامين فى محاولة بائسة يائسة لمواجهة الثقة المتعاظمة التى كانت لصوت العرب عند شعوب شمال أفريقيا وخاصة عند شعبى الجزائر والمغرب.

والجدير بالذكر أن مصر لم تلجأ بادئ الأمر إلى أسلوب البث الإذاعى الذى يدعى السرية رغم تكاثره المتصاعد ضدها، مكتفية فى يوليو عام 1959 بإنشاء برنامج ضمن صوت العرب، حمل عنوان "أكاذيب تكشفها حقائق" لم تتجاوز مدته يومياً عشر دقائق، وتتضمن فقراته ما تدعيه هذه الإذاعات والرد على ما فيها من إدعاءات.. غير أن تطور الحرب الإعلامية السرية، من الحكم الملكى فى الأردن، والحكم البعثى فى العراق، وركوب المملكة السعودية موجتها بإنشاء إذاعة سرية فى الجبال المتاخمة لحدودها مع اليمن، لمهاجمة الوجود المصرى فى اليمن دعماً لثورتها، دفع مصر إلى دخول حلبة الإذاعات السرية زماناً، حتى تم إلغاؤها نهائياً، بقرار من جمال عبدالناصر عام 1967.

وقد بدأت قصة الإذاعات السرية المصرية بعدة تقارير متتابعة طالبت فيها المخابرات العامة بأهمية اعتماد فكرة اتباع أسلوب الإذاعات السرية لتنفيذ حملات هجومية مضادة متحررة تماماً من القواعد والضوابط التى تحكم الخطاب الإعلامى لإذاعة "صوت العرب" من حيث المضامين والألفاظ المعبرة عنها، غير أن عبدالناصر أبى زماناً الهبوط بمستوى الإعلام الصادر عن مصر، إلى المستوى الذى كانت الإذاعات السرية المعادية سادرة فيه، طالباً زيادة تركيز "صوت العرب" فى الرد على هذه الحملات وبنفس أسلوبه التثويرى.

غير أن المخابرات العامة عاودت طلبها إثر بدء إذاعة إيران العربية ـ قرب ميناء بو شهر ـ تخصيص أغلب ساعات إرسالها لمهاجمة السياسات التحررية، وكل ما كانت تجسده مواقف عبدالناصر، فصدرت التعليمات بالموافقة على إنشاء إذاعة سرية شريطة أن يكون مذيعوها جميعاً من الإيرانيين المعارضين المقيمين فى الخارج والمطاردين من قبل حكم الشاه.

ولتبدأ مصر ومخابراتها تعاملاً مع ثوار إيران، تجاوز المذيعين إلى تعاون وثيق مع قادتها رغم الطابع الإسلامى المتشدد للملالى.

وعندما استقرت ثورة اليمن وتصاعد الخلاف حولها بين مصر والسعودية، بدأت حرب إعلامية بادرت فيها الرياض بإنشاء إذاعة سرية لأنصار الحكم الإمامى فى اليمن داخل أحد كهوف جيزان على حدود المملكة الجنوبية الغربية، ورفض عبدالناصر زمانا طلبات المخابرات العامة إنشاء إذاعة سرية تختص بالمملكة العربية السعودية، غير أنها لم تلبث بعد سبعة أشهر من بدء الإذاعة الإمامية أن اتهمت خلالها مصر بالشيوعية والإلحاد، وعبدالناصر بالعمالة للاتحاد السوفييتى، بعدها وافق عبدالناصر على إنشاء إذاعة سرية تتجه بخطابها كله إلى شعب المملكة، ويتولى أمرها المناضل السعودى العمالى ناصر السعيد.

وتعاود المخابرات العامة طلب إطلاق يدها فى إنشاء شبكة من الإذاعات السرية تختص كل منها بشئون بلد واحد، وكان أن بثت مصر إذاعة سرية باسم "صوت العراق الحر" رداً على إنشاء حكم البعث العراقى الإذاعة السرية "صوت الجماهير".

غير أن هذه الإذاعات المصرية لم يكتب لها عمر الإذاعات المعادية لمصر، حيث تعددت شكاوى قيادات عربية منها، وبدأ تقييم المخابرات العامة لنتائج أدائها، ينال من جدواها وخاصة عندما جرى اتهام "صوت العرب" بمسئوليته عنها، مما أثار قلقاً رئاسياً فرض إعادة النظر فى جدوى مثل هذا النوع من الإذاعات.

ahmedsaiiisd_2.jpg

وقد شهدت الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1963 وصول الحرب العربية الباردة إلى ذروتها، سواء من حيث عدد إذاعاتها التى تدعى السرية "12 إذاعة" أو من حيث ما صار لها من مستمعين يبحثون عنها ويتأثرون بها، وكان أن عاودت المخابرات العامة، طرح قناعتها بضرورة الرجوع عن قرارها بوقف استخدام هذا الأسلوب، فاشترط عبدالناصر إخضاعها لإشراف مصرى كامل يضمن مع نجاحها أن لا يصدر عنها ما يمكن أن يؤخذ عليها.

وتم اختيار الأديب المذيع السابق العمل له بـ"صوت العرب" فاروق خورشيد، مسئولاً مزوداً بضوابط صارمة، يعاونه اثنان من رجال المخابرات، أحدهما متخصص معرفياً ولغوياً، مشرفاً على الإذاعة الموجهة إلى شعب إيران.

ويجىء سبتمبر من نفس العام 1963 ولتبدأ مع يومه الخامس عشر أشرس وأطول حروب إعلامية عربية، بدأت وتفاقمت إذاعياً على امتداد نحو أربع سنوات، ونجحت فى فرض شحن جماهيرى غالب يطالب بعمل عربى عسكرى من اجل فلسطين، سعى معه عبدالناصر جاهداً إلى ضبط إيقاعه وتحديد أبعاده وأساليبه ومراحله، من خلال مؤتمر للقمة العربية، نجح ظاهرياً فى تهدئة نوعية مؤقتة للحرب الإعلامية التى لم تلبث أن عادت إلى ضراوتها  بين بعض العواصم العربية، تدفع الأحداث إلى أزمة حرية الملاحة فى مياه خليج العقبة، وهزيمة يونيو المروعة عام 1967.

ففى هذا اليوم السبت 15 سبتمبر، وعلى غير المتوقع أو المتقبل عقلانياً وسياسياً تردد إذاعة شاه إيران الناطقة باللغة العربية تعليقاً حاد العبارات تهاجم فيه الوجود المصرى العسكرى فى اليمن، ناعية على جمال عبدالناصر ما وصفته بقهر شعب اليمن لحساب حفنة من الضباط من جهة وخدمة للمطامع الشيوعية من جهة أخرى، بدلاً من حشد الآلاف المؤلفة من الجنود فى شبه جزيرة سيناء دعماً لقضية الإسلام الكبرى واسترداد فلسطين للعرب، مشعلاً ـ بذلك التواجد العسكرى المصرى فى اليمن ـ حرباً عربية ـ عربية، متجاهلاً حقوق العرب فى موطن الإسراء والمعراج، محتمياً بقوات الطوارئ الدولية فى سيناء، تاركاً سفن إسرائيل تبحر ذهاباً وإياباً فى مياه خليج العقبة كيف تشاء.

ولساعات عاشت الأجهزة المصرية المعنية تحلل هذا التعليق الصادر عن الإذاعة العربية الموجهة من شاه إيران، وتناقش تناقضه مع توجهات السياسة الإيرانية آنذاك، والتى تعترف بدولة إسرائيل، وتتبادل معها التمثيل الدبلوماسى وتدعم احتياجاتها من الطاقة بالبترول الإيرانى.

ويتقرر فى البدء:

تجاهل الإعلام المصرى الرسمى مؤقتاً، لمضمون هذا التوجه الإعلامى لشاه إيران، وإعطاء المزيد من حرية الانطلاق للإذاعات السرية فى تناولها للشأن الإيرانى، من خلال بيان موضوعى بتفاصيل العلاقات الوثيقة بين إسرائيل وحكم الشاه، دون ربطها بتواجد الجيش المصرى فى اليمن، والقوات الدولية فى سيناء.

غير أن برقية عاجلة بعثت بها سفارة مصر فى لبنان،ز تلقتها إدارة الملحقين الإعلاميين بمصلحة الاستعلامات فى ساعة مبكرة من صباح اليوم التالى جعلت الأجهزة المعنية فى القاهرة تقرر على الفور إعادة التفكير فى احتمالات تطور الحملة التى بدأتها إذاعة شاه إيران ضد السياسات المصرية، خاصة عندما رددت وكالتا الأنباء "رويتر البريطانية، واسوشيتدبرس الأمريكية" مضمون الحملة على مصر وصداها فى بعض الصحف اللبنانية المعروفة بعلاقاتها بحكومات أجنبية عربية وغير عربية، وأفردت لها إذاعة لندن العربية نصف ساعة من برنامجها عصر ذلك اليوم حملت اسم "حرب الإذاعات العربية".

وبينما كنا في "صوت العرب" نستعد مغرب يوم 17 سبتمبر لمواجهة هذه الحملة فى البرنامج اليومى "أكاذيب تكشفها الحقائق"، تلتقط مختلف أقسام الاستماع السياسى في الإذاعة والخارجية والمخابرات والاستعلامات ترديد إذاعة دمشق التى يشرف عليها حكم البعث واللواء أمين الحافظ لما نشرته الصحف اللبنانية فى شأن الوجود العسكرى لمصر فى اليمن وانتشار قوات الطوارئ الدولية فى شرم الشيخ وعلى حدود مصر فى سيناء مع إسرائيل.. ولتتضح أمام القاهرة مظاهر حملة إعلامية غريبة وفاجرة تنافست فيها ضد مصر وسياسات عبدالناصر إذاعات الاستعمار والرجعيين مع إذاعات البعثيين التقدميين.

ولتجمع الأجهزة المعنية فى مصر على خطورة شيوع قناعات لدى الجماهير العربية تنال من الإجماع الشعبى على سلامة رؤية القاهرة للعمل القومى تحريراً وتوحيداً، كأساس لأى تحرك مؤثر ومشرف لحل قضية فلسطين.

وتعددت الآراء فى الأجهزة المعنية حول تفسير المشاركة البعثية للإعلام فى إيران والسعودية والأردن، والحديث المستهجن لوجود جيش مصر فى اليمن دعماً لثورتها الجمهورية، وانتشار قوات الطوارئ الدولية على الحدود مع إسرائيل فى سيناء، خاصة عندما أشارت إذاعة لندن فى برنامج لها إلى ما وصفته بانضمام حكام البعث فى سوريا والعراق - الذين وصفتهم بأصدقاء ناصر القدامى - إلى جبهة الحكام العرب الرافضين لسياسات ثورة مصر وقولهم باحتماء عبدالناصر وجيشه بقوات الطوارئ فراراً من المشاركة فى أية مواجهة عربية إسرائيلية.

وقد رأى البعض فى هذه الحملة تحالفاً بين الأضداد، تستهدف مصر ومواقفها القومية، بينما رأى البعض الآخر مجرد التقاء خصوم الأمس على هدف جزئى مشترك يتمثل فى الزعامة الجارفة لعبدالناصر، مستنداً فى ذلك إلى أن مشاركة البعث فى هذه الحملة، جاءت تالية لرفض عبدالناصر المضى مع البعثيين فى دمشق وبغداد فى مشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق، إثر الغدر البعثى بالقياداكت القومية الناصرية فى البلدين.

وبينما كانت الأجهزة المعنية تفكر فى أبعاد هذه الحملة المعادية وأساليب مواجهتها فاجأها عبدالناصر وهو يقود - وبشخصه - ما ارتآه يومها سبيلاً للرد على ادعاءاتها.

ففى يوم الجمعة 4 أكتوبر من نفس العام 1963 أجاب على سؤال تشارك فى توجيهه إليه وفدا بريطانيا والولايات المتحدة فى مؤتمر دولى كان منعقداً بالقاهرة فى قاعة مجلس الأمة "النواب حالياً" ودار حول ما يتردد من رغبة للعرب فى إلقاء يهود إسرائيل فى البحر، أجاب قائلاً:

الشعب الفلسطينى كان يمثل أكثر من 90% من سكان فلسطين وتحالف الاستعمار مع الصهيونية على طرد شعب فلسطين.. اللى بيسأل من بريطانيا ومن أمريكا، لو جت دولة جابت ناس أغراب من انجلترا أو إذا ولاية كاليفورنيا حصل فيها نفس الشىء، لوجت الصهيونية وأخذت كاليفورنيا.. فهل تقبلوا بهذا الوضع؟ هل تقبلوا بالأمر الواقع؟ وهل يمكن أن يعتبر هذا عدل؟ أنا فى رأييى هذه المشكلة لن تنتهى أبداً إلا إذا تحقق العدل.. إزاى هايتحقق العدل؟ أنا على ثقة أن الأمة العربية لن تقبل بأى حال من الأحوال.. وفى القرن الثانى عشر وفى القرن الثالث عشر، تعرضت هذه المنطقة إلى حملات استعمارية باسم الحملات الصليبية واحتلت مناطق فى فلسطين ومناطق فى لبنان ومناطق فى مصر ومناطق فى سوريا.. وقعدوا العرب يحاربوها سبعين سنة حتى استطاعوا أن يتخلصوا كلية من هذا الاستعمار اللى اتخذ اسم الصليبية.. وأنا على ثقة أن العرب لن يقبلوا أبداً أن يترك شعب فلسطين ويحرم من حقه فى بلده وحقه فى أرضه.. والعرب صمموا على أن يعود شعب فلسطين فى بلده وفى وطنه".

وتصدر التعليمات فى أعقاب تصريح عبدالناصر بأن تأخذ هذه الحملة فى شأن فلسطين طابعاً قومياً يدعو إلى ضرورة قيام وحدة عربية حقيقية تحشد كل الإمكانيات والقدرات فى مواجهة إسرائيل، ومن وراء إسرائيل من عواصم عالمية.

فعلى الرغم من أن عبدالناصر اعتبر المشاركة البعثية فى الحملة على الوجود العسكرى المصرى فى اليمن، دعماً لثورتها التحررية، طعنة أخرى من طعنات البعثيين، غير أنه أصدر توجيهاً مشدداً بعدم تجاوز الحملة الإعلامية حدود مضامين انتقاداته لهم.. طالباً التركيز فى هذه المرحلة على ما وصفته التعليمات بتأمين السبل الواقعية الحقيقية لنجاح أى نضال عربى شامل من أجل فلسطين.. وكان أن أعتمد "صوت العرب" ثلاثة أبعاد لبرامجه المواجهة للحملات على مصر وعبدالناصر.. أولها: أن تعيش حية دوماً جهود مصر وتضحيات عربها، تتقافز مشتعلة بثورية النضال الحق فى العقل الواعى أو التأملى عند المتلقين.

وثانيها: أن الممارسات القتالية السابقة من أجل فلسطين، لقيت هزائم متعددة، بسبب تخاذل الكثيرين من الحكام العرب المعروفين بتبعيتهم للغرب صانع إسرائيل وحاميها، مما يفرض بداهة منطق عبدالناصر الذى سجله فى "فلسفة الثورة" والقائل فيه إن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير العواصم العربية.

وثالثها: أن اتفاق الكتلتين الشيوعية والرأسمالية رغم ما بينهما من تناقضات وصراعات على قيام إسرائيل فى الأرض العربية ـ فلسطين ـ يتطلب تكتلاً وحدوياً ثورياً قادراً على التأثير فى قرارات عواصم هاتين الكتلتين.

وقد اعتمد "صوت العرب" فى مواجهة الحملة على أسلوب المفاجأة فى إيحائها بجرأة التناول، واستثارتها لفكرة الرأى والرأى الآخر، بجدليتها العقلانية.. وذلك عندما أعاد بث كل ما ردده أطراف الحملة المعادية ـ وبأصواتهم المسجلة من قبل أجهزة الاستماع المصرية ـ فى سابقة إعلامية كانت لغرابتها المفاجئة آثارها السريعة الناجحة، بما كان يتبعها من تعقيبات صيغت كل عباراتها الدالة بجمل قصيرة ذات إيقاع سمعى تحمل مدلولاً يتكرر، وليرسخ مستقراً ثابتاً فى الوعى.

كذلك لجأ "صوت العرب" إلى إعادة إذاعة تسجيلات لكثيرين من القادة العرب يشيدون فيها بالبذل المصرى الثورى من أجل العرب وتحررهم مثل ملك المغرب محمد الخامس ورئيس الجزائر أحمد بن بله، وزعماء شمال أفريقا علال الفاسى والمهدى بن بركة والحسن البصرى وعبدالرحمن اليوسفى وكريم بلقاسم وهوارى بومدين والحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف.. وكذلك الملك سعود وولى عهده فيصل، والأمير طلال.. بالإضافة إلى تسجيلات لمنشئ حزب البعث وأقطابه فى سوريا والأردن والعراق: ميشيل عفلق وأكرم الحوارنى وصلاح البيطار وعبدالله الريمارى وكمال ناصر وفؤاد الركابى وأحمد حسن البكر، بكل ما كان بداخلها من تقدير لعبدالناصر ومواقفه القومية.

ولكن بينما كان هذا الاستعراض الإعلامى يفسد الحملة المعادية، يحدث أن ترد فى مقال نشرته المجلة المصرية "روز اليوسف" حول رؤية عبدالناصر للصراع مع إسرائيل عبارة تقول إن الجمهورية العربية المتحدة لن تزج بنفسها فى معركة مع إسرائيل قبل أن تتحقق وحدة شاملة بين العرب، فتبادر إذاعة بغداد التى يسيطر عليها حزب البعث العراقى إلى اجتزاء شرط الوحدة وما يوفره من قوى النصر، عملاً بالضلالة التى تمتنع عن ذكر بقية آية القرآن الكريم فى شأن الصلاة فى حالة السكر قبل التحريم النهائى لشرب الخمر "ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" فتزعم أن شروط عبدالناصر لخوض معركة التحرير الفلسطينى ذات خبئ خبيث تعطى إسرائيل فرصاً للتجذر فى الأرض والبقاء على حساب عروبة فلسطين.

وتلتقط صحيفة البعث السورى التضليل البعثى العراقى وتنشر فى عدد يوم 19 أكتوبر مقالاً زعمت فيه أن المجلة المصرية وما تمثله ارتكبت جريمة قومية لم يجرؤ على ارتكابها عملاء الاستعمار والحكام الرجعيون.

ومرة أخرى يقرر عبدالناصر أن يتصدر بشخصه العملية الإعلامية المضادة.

ففى يوم الثلاثاء 22 أكتوبر 1963 وقف عبدالناصر وسط جنود لواء من الجيش المصرى العائدين من اليمن، بعد أن أسهموا فى حماية ثورة اليمن من أعدائها البريطانيين فى الجنوب والإماميين والسعوديين فى الشمال، يتحدث إليهم عن حرب الإذاعات السرية ضد مصر وسياساتها التحررية القومية معلناً بصوت تشوبه المرارة توحد أهداف البعثيين مع الاستعمار والرجعية وإسرائيل ضد ثورة مصر، قائلاً: محطة سرية بتذيع ضد نظام الحكم فى الجمهورية العربية المتحدة.. بريطانيا كان لها محطات سرية، وفرنسا.. وكان فيه محطات سرية بتذيع من تركيا ومن العراق، دون أن تؤثر أى تأثير.. لماذا؟ لأن الشعب يعرف ما هى أهداف الاستعمار وأعوان الاستعمار، فإذا كان حزب البعثيين اليوم يقيم محطة سرية فى بغداد لتهاجمنا هنا فى الجمهورية العربية المتحدة فإننا نقول لهم.. لقد حاول الاستعمار قبلكم وحاول امثالكم من قبل مثل نورى السعيد عميل الاستعمار.. وأن هذا العمل إنما يدل على أن هناك فى حزب البعثيين من هم عملاء للاستعمار، باعوا شرفهم، باعوا عروبتهم وباعوا وطنهم.. وتآمروا مع الاستعمار حتى يتصدوا للمبادئ التى قاومنا فى سبيلها أكثر من 12 سنة.. المبادئ التى آمنتم والتى آمنت بها الأمة العربية.. ونحن نتعرض لأننا نتحمل هذه المسئوليات، نتعرض لأساليب مختلفة، إسرائيل مثلاً مابتهاجمش أبداً حزب البعثيين.. اللى بيسمع إذاعة إسرائيل أو بيقرا لها.. كل الهجوم هنا على الجمهورية العربية المتحدة.. على شعب الجمهورية العربية المتحدة، على الجيش المصرى، على القوات المسلحة المصرية.. أما حزب البعثيين.. راديو إسرائيل بيدافع عنه، لأن طبعاً راديو إسرائيل بيوجه كل عدائه لنا.. حزب البعثيين بيوجه كل عدائه لنا.. وكل واحد فيهم بيقول عدو عدوى صديقى".

ويذكر عبدالناصر الجنود العائدين من اليمن بهتافهم فى الباخرة وهى ترسو فى ميناء السويس: فلسطين فلسطين، قائلاً: ده النداء اللى بينادى به كل عربى.. المحاولات مركزة ضد مصر.. علشان رحنا ساعدنا اليمن، ولكننا سنسير فى طريقنا، سنتحمل مسئوليتنا على أساس إن سلامة الثورة العربية لا تتجزأ، وأن ضرب أى ثورة عربية متحررة معناه ضرب باقى الثورات العربية المتحررة.. لابد من عودة حقوق شعب فلسطين.. هذا هو هو نداء رفعه العالم العربى دائماً مهما مضى الوقت.

ونلتقط يومها فى "صوت العرب" من ترديد عبدالناصر للمثل المعروف "عدو عدوى صديقى" ومن افتخاره بجنوده العائدين من اليمن "فلسطين.. فلسطين" فكرتين لبرنامجين أذعنا كلا منها مساء نفس اليوم، جاعلين نص المثل "عدو عدوى صديقى" اسماً لأحدهما، وعرضنا فيه فقرات من تسجيلات قسم الاستماع لإذاعة إسرائيل، ومقالات من أعداد صحفها الأخيرة، تعكس جميعها ترحيبها وسعادتها، بخلاف حزبى البعث فى سوريا والعراق مع عبدالناصر وهجوم إعلامهما عليه.. بينما اخترنا للبرنامج الثانى صيحة الجنود المصريين العائدين من اليمن "فلسطين.. فلسطين" تضمنت فقراته ليلتها مختارات بصوت عبدالناصر تعكس إيمانه وشعب مصر بعروبة فلسطين وحقوق شعبها وحتمية استردادها.. تتخللها صيحات الجنود العائدين من اليمن "فلسطين .. فلسطين"

وتثير التظاهرة الإعلامية التى يقودها عبدالناصر، جنون الأقطاب البعثيين فتتصدر صحيفتهم فى سوريا يوم 23 أكتوبر وما تلاه من أيام حملة مسعورة استنكرها أحرار سوريا قبل الملايين العربية فى كل مكان عندما شبهت شخص عبدالناصر بالماريشال هنرى فيليب بيتان بطل فرنسا القومى فى معركة "فيرون" الذى أدانه شعبها وحكم عليه بالإعدام ثم بالسجن المؤبد لاستسلامه للغزاة الألمان وتعاونه معهم رغم احتلالهم لفرنسا فى يونيو 1940 خلال الحرب العالمية الثانية.. ويستهوى القطب البعثى العراقى على صالح السعدى وزير الاستعلامات والإرشاد القومى، تشبيه إذاعة البعث السورى لعبد الناصر بالماريشال الفرنسى "بيتان".. فيعمد إلى ترديده بصوته ضمن بيان تكررت إذاعته من بغداد.. ولنفاجأ فى "صوت العرب" باستدعاء عاجل إلى مبنى إدارة المخابرات العامة ولقاء مديرها صلاح نصر وطلبه أن أتجاهل خلال الأيام القادمة من شهر نوفمبر 1963 مشاركة الإذاعة البعثية العراقية للإذاعة البعثية السورية مهاجمتها لمصر وشخص عبدالناصر، مبرراً ذلك بأن ثمة أمل فى أحداث قريبة يشهدها العراق يقودها الرئيس العراقى عبدالسلام عارف وحفنة من القيادات العسكرية القومية والبعثية ضد الأقطاب المتطرفين فى السلطة والحزب وسياساتهم المعادية لمصر وعبدالناصر.. طارحاً الاستزادة من مضامين خطابنا الإعلامى فى هذا الشأن، والتى كانت تطالب حكماء البعث وقواعده بأن تلزم قياداته بأن ترعى العروبة ووحدة القوى القومية والتقدمية فى خلافاتها التى تخدم تفاقماتها الاستعمار وإسرائيل والرجعية.

ويجىء يوم الإثنين 11 نوفمبر حاملاً إلى القاهرة أنباء أحداث وصدامات فى العراق تم خلالها بعد صراعات دموية قاتلة تصفية القطب البعثى على صالح السعدى ونفيه إلى إسبانيا، واستقرار الأمر للفريق عبدالسلام عارف ومعه حفنة من عقلاء العسكريين القوميين والبعثيين، ولتتوقف زمانا حملات البعث العراقى العلنية والسرية ضد مصر وسياسات عبدالناصر اعتباراً من يوم الاثنين التالى 18 نوفمبر، ويصيب متطرفى حزب البعث فى سوريا سعار من أحداث العراق وما تلاها من تقارب سريع مع مصر فتندفع أجهزة الإعلام البعثية فى دمشق إلى اتهام شخص الرئيس عبدالسلام عارف بالعمالة لمصر والبعثيين المعتدلين بتنفيذ مخطط مزعوم للمخابرات المصرية.

وتشهد بقية أيام نوفمبر نفس العام 1963 تسابقاً بين أجهزة الإعلام البعثية فى سوريا ومثيلاتها فى الأنظمة الرجعية فى الأردن والسعودية مع إعلام إسرائيل وبريطانيا وأمريكا وشاه إيران فى مهاجمة مصر وإنكار بذلها من أجل فلسطين والإدعاء على عبدالناصر بالتخلى عن مواجهة عسكرية مع إسرائيل، حتى إذا ما جاء يوم الجمعة 13 ديسمبر وقف خطيباً فى تونس يحتفل معها بتصفية القاعدة العسكرية البحرية الفرنسية فى بنزرت، ولتتصاعد نداءات العرب التوانسة تذكره بفلسطين، فيجيب على نداءاتها برؤيته فى ضرورة قيام وحدة عربية شاملة سبيلاً وحيداً لقوة العرب وطريقاً آمناً إلى فلسطين قائلاً: واليوم.. وأنا أسمعكم أيها الأخوة تنادون: فلسطين.. فلسطين" كنت أشعر بنفس الشعور الذى لمسته فى كل زيارة لى فى أنحاء العالم العربى.. فلسطين أيها الإخوة.. فلسطين تستدعى منا أن ندافع عن قوميتنا العربية، وفلسطين تستدعى منا أن نقضى على الآثار التى أقامها الاستعمار ليفرق بيننا ويقسمنا إلى شعوب متفرقة، فلسطين تستدعى الدفاع عن القومية العربية، وتستدعى الوحدة العربية.

ويحدث أن رأى البعض المصرى المشارك لعبد الناصر فى نداءات ومقاطعات الجماهير بتصفية القاعدة البحرية العسكرية الفرنسية فى بنزرت واتمام الجلاء الاستعمارى عن تونس فيثير هواجسه إثر عودته إلى القاهرة، من خلال تقرير غلبت على عباراته معانى الرفض وصيغ الاستفزاز، ولتتسع دائرة التفكير فى الأمر من منطلقات سادها الأسف والضيق، تجاوزت سريعا نطاقا محدودا من المسئولين إلى قيادات مستويات مختلفة فى الاتحاد الاشتراكى ومنظمة الشباب، وليتوزع الحديث بين قلة تتزايد تستهجن، وأغلبية تتناقص ترى النداءات من أجل فلسطين أمرا طبيعيا مقبولا وواجبا مطلوبا ومرغوبا.

ثم:

لا يلبث أن يعم الجدل مصر عندما طرحت للنقاش أكثر من مجلة وصحيفة مصرية موضوع الشخصية المصرية ومفردات مكوناتها الفرعونية القبطية العربية الإسلامية، وسط زعم القلة بانتمائها الفرعونى الإفريقى، تلاه تساءل عما تجنيه مصر من سياساتها العربية.

ويفرض من هذا الجدل أن يتحرك "صوت العرب" وبسرعة فى اتجاهين لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، أولهما: إضافة مضمون عروبة مصر قدرا وتكوينا ومصيرا إلى مضامين الخطاب الإعلامى الذى كان أيامها مستغرقاً فى حرب الإذاعات السرية، والوجود المصرى فى اليمن وانتشار قوات الطوارىء الدولية على حدود إسرائيل فى سيناء.

وثانيهما:

ترسيخ حقائق الأمن القومى مصيريا بتجاوز حدود مصر شرقا وغربا، وحياتياً بامتداده إفريقيا حيث منابع وبلاد مجرى نهر النيل.

ويحرص صوت العرب فى هذه المرحلة على أن يستعين بدراسات العديد من العلماء والخبراء، فيقدم لنا د.جمال حمدان أوراق أبحاثه الأولى حول "شخصية مصر" – والتى كان يسميها لنا بادىء الأمر "قدر مصر"، والتى قدمناها ضمن برامج خاصة تحت هذا المسمى، قبل أن يطلق عليها فيما بعد "شخصية مصر".

ويعرض د.محمد أنيس مراجعة موثقة تؤكد ارتباط مصر عربيا وإفريقيا وإسلاميا، والنتائج الإيجابية لحركتها القومية التحررية الثورية ، بينما زودنا د.سامى عزيز جيد بتاريخ مصر منذ أيام الفراعنة بكل تفاعلاته مع ما حولها من بلاد، وما عاد عليها منه عبر قرون الزمان.

ويضيف د.عبد المنعم البنا بعدا عصريا على المسألة المصرية من خلال بحث تناول فيه اتجاه الدول رغم اختلاف قومياتها ولغاتها إلى الدخول معا فى تكتلات اقتصادية وعسكرية وسياسية أيضا مثل بعض دول غرب أوروبا وإنشائها للسوق العربية المشتركة.

كذلك أثرت صوت العرب فى تأكيد حملة عروبة مصر، عدة أبحاث ودراسات عربية إسلامية ومسيحية، بما وفرته لنا من عناصر وثائقية، بما ضمته من أصول معاملات وعلاقات مصرية تجاوزت أطرافها وأحداثها حدود مصر عبر مئات السنين، مثل الدراسة الموسوعية للأستاذ أنيس صايغ عن جذور عروبة مصر المعاصرة، ومثل مذكرات الأستاذ وليم الصورى عن الحروب الصليبية، وكذلك البحث الذى أهداه لصوت العرب العالم الجزائرى مالك بن نبى عن دور الأزهر وخريجيه فى توريث الأجيال المصرية فكرة المسئولية العربية الإسلامية.

وبينما كانت تتابع برامج "صوت العرب" وسائر أجهزة الإعلام المصرية، تبدد عند الرأى العام العربي عامة والمصرى خاصة آثار الجدل حول انعزال مصر عن عروبتها، نشرت المجلة المصرية "روز اليوسف" مقالا عن مراحل التاريخ المكونة للشخصية المصرية العربية المعاصرة، أشادت فيه بالحقيقة التاريخية المعروفة بشأن الجذور الفرعونية للشعب المصرى ، وعلاقاتها المتراكمة بما حولها من شعوب فى آسيا وإفريقيا، فتنتاب إذاعة حزب البعث السورى فى دمشق نوبة سعار هيستيرى تندب عروبة مصر وتهاجم قيادتها وتجاهر باتهامها ببيع قضية فلسطين، متجاهلة كل الجهد القومى لـ "صوت العرب" وصحف ومجلات مصرية عربية فى التأكيد على العروبة وحمل أمانة المسئوليات القومية.

ويمر أقل من يوم أمضيناه مع الأجهزة المعنية نتدبر أمرنا مع هذه الجرأة المتزايدة من إذاعة البعث، وخاصة عندما تناقلت وكالات الأنباء الأجنبية خبرا من واشنطن عن اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية مبلغ خمسين مليون دولار يجرى تخصيصها لدراسات إسرائيلية عالمية لتحويل بعض مجارى منابع نهر الأردن تمهيدا لاستيعاب إسرائيل للمزيد من المستوطنين تنفيذا لمخطط صهيونى استعمارى يستهدف زيادة عدذ اليهود فى فلسطين إلى خمسة ملايين بحلول سنة 1970.

ويومها:

كانت آخر التعليمات تقضى بأن نبتعد عن الحدة فى فى أى تناول لنا لموقف أمريكى يتصل بالعرب منذ أن بادرت حكومة الولايات المتحدة إلى الاعتراف بالثورة اليمنية وحكومتها الجمهورية، الأمر الذى فرض أن نطلب رأى الأجهزة المعنية فى شأن التعامل مع نبأ تحويل مجارى منابع نهر الأردن، فتصدر التعليمات بشن حملة نطالب من خلالها الأنظمة العربية وثيقة الصلة بالولايات المتحدة الأمريكية بالضغط بسلاح البترول على عملية صناعة القرار فى واشنطن.

ونفاجأ:

بأن الإذاعات السرية والعلنى المعادية لمصر وسياساتها القومية والثورية، وكذلك الصحف اللبنانية المعروفة بارتباطاتها المالية بالمملكة السعودية والعواصم الغربية، تتسابق مع إذاعة البعث السورى – بدلا من تأييد مطلبنا باستخدام سلاح البترول العربى – إلى مهاجمة "صوت العرب" ناعية عليه ارتباطه بالمخابرات المصرية، وما وصفته بأطماع توسعية لعبد الناصر تستهدف بلاد حقول البترول.. زاعمة أن وجود قواته فى اليمن خطوة لاحتلال "عدن" والسيطرة على كل شبه الجزيرة العربية وبترول الخليج، بينما هو – أى عبد الناصر – لا يسيطر على حدوده مع إسرائيل ، ويحتمى منها خلف قوات الطوارىء الدولية المرابطة فى سيناء.

وتمر ساعات ليل الأحد 22 ديسمبر، ويجىء الاثنين 23 حاملا معه مناسبة العيد السابع للنصر على قوات العدوان الثلاثى الفرنسى البريطانى الإسرائيلى عام 1956.

ويمضى عبد الناصر نهاره فى منطقة قناة السويس يستقبل جنود الفوج العاشر من جيش مصر العائدين من اليمن وهم يهتفون  به "فلسطين يا ريس" وإذ جاء المساء:

وقف عبد الناصر وسط شعب بورسعيد يحدثه والملايين عن صلابة مصر والعرب فى مواجهة المعتدين، بالوحدة والشجاعة والفداء، وليفاجأ بالجماهير تقاطعه فى حماس وإصرار تذكره بفلسطين وتحثه للحديث عنها، فيستجيب لحظات فى بادىء الأمر راويا كيف استقبله الجنود العائدين من اليمن صباح نفس اليوم بهتاف "من اليمن إلى فلسطين" معقبا برؤيته لمشكلة فلسطين قائلا:

"معركتكم فى اليمن هى معركة فى الطريق إلى فلسطين.. المعركة ضد الرجعية هى معركة فى الطريق إلى فلسطين".

وبعدها:

خصص عبد الناصر ثلثى خطابه لحديث صريح عما تلقاه حركة التحرر القومى من مؤامرات حكام وعبث مزايدين، بعبارات عكست معانيها، ونبرات صوته فى النطق بها مشاعر ضيق وأسف ومرارة ، تزايدت تباعا كلما أوغل فى عرضه لمعوقات العمل العربي المشترك، معلنا فى نهاية خطابه استعداده من أجل فلسطين لتناسى غدر بعض الحكام، موجها دعوة مفاجئة إلى عقد مؤتمر عاجل يجمع الملوك والرؤساء العرب.

وليلتها:

داخلنا فى "صوت العرب" الكثير من الحيرة بشأن هذا الخطاب وكيفية التعامل معه بكل احتمالات ردود أفعال عباراته واتهاماته من ناحية ، والدعوة التى واكبتها وبدت جزءا محوريا أصيلا فى صياغتها من جهة أخرى.

وأسرعنا نستحضر مع النص المكتوب الذى دونه قسم الاستماع، والشريط المسجل عليه الخطاب المرتجل، نتدارس بعقولنا هجمات عبد الناصر على حكام السعودية والأردن والبعث فى سوريا، ونتأمل بأسماعنا نبرات صوته، ومشاعر سخطه ورفضه بل وإدانته الصريحة بالخيانة لبعض الحكام، ثم نقف طويلا وقد نازع حيرتنا يقين من أن عبد الناصر يضع حكام العرب – الخصوم بالذات – أمام امتحان صعب وجارح يجردهم فيه من ادعاءاتهم ومزايداتهم وما يتوهمونه لديهم من أسلحة.

فمثلا:

تناول عبد الناصر فى خطابه المملكة السعودية وعداء حكامها لسياسات القاهرة الصورية قائلاً: "إحنا لما رحنا اليمن لكى ننصر شعب اليمن، وصممنا على أن نتصدى لأى عدوان، الإنجليز بيروحوا يتفقوا مع سعود ويدوله سلاح، وباعتين له بعثة عسكرية من 27 ضابط عشان تنظم له الجيش، بعدما كانت العلاقات مقطوعة، اتفقوا مع بعض وبقت العلاقات بينهم كويسة خالص، والنهارده الإنجليز والملك سعود – أو السعودية حلفاء ضد مصر واليمن".

وكذلك:

ذكر عبد الناصر الجماهير بما عاناه فى تعامله مع البعثيين وخاصة السوريين قائلا: "ودخلنا فى تجارب مع البعثيين، ولكن ثبت إن أساليبهم اللاأخلاقية لا تمكن أى واحد من إنه يثق فيهم، رغم هذا لما قالوا إنهم عايزين يتكلموا على الوحدة قابلنا هذا الكلام بصدر مفتوح، ولكن قاتل الله الغرور، وظهر بعد كده إن كل الكلام عن الوحدة ده كان مناورة، والغرض منها إنهم يكسبوا وقت، إذا كانت قضية الوحدة تصل إلى أن تستخدم كمناورة علشان يكسبوا وقت. إذن مفيش مبادىء ولا مثل ولا أخلاق"

ثم:

يحدث عبد الناصر الجماهير عما عايشه شخصيا من محنة خيانة ملك الأردن عبد الله للجيش المصرى وهو يقاتل فى فلسطين عام 1948 دفاعا عن عروبتها: "فى سنة 48 أما تخلى عنا الكل وقفنا وحاربنا.. قعدنا نحارب باستمرار علشان هذه الحرب شرف العرب وشرفنا.. شرف بلدنا وشرف جيشنا.. ومصر على استعداد أن تقوم بواجبها كاملا.. قواتنا اللى فى اليمن بنجيبهم.. بنعوز قوات تانية بنعمل.. والشعب العربي واعى وعارف مين القوة اللى بتحارب".

وأخيرا:

يصل عبد الناصر إلى ذورة خطابه وختامه عندما فاجأ الجماهير بالحديث فيما يتهمه به خصومه من أنه لن يحارب إسرائيل، معلنا وسط كل هذه الاتهامات دعوتهم وسائر الحكام العرب، رغم كل ما لقيه من البلاوى والقرف والغدر – على حد تعبيره – لبحث مشكلة تحويل مجرى منابع نهر الأردن، مؤكدا فى صلب دعوته التزامه بالصدق مع الجماهير فى غير مزايدات خادعة كاذبة، وهو يردد بصيغ مختلفة أكثر من مرة معنى واحدا.

يقول: "مش عيب نطلع نقول والله إحنا ما نقدرش أبدا نستخدم القوة لأن ظروفنا لا تناسب.. ووالله لو قادرين إذا حولوا نهر الأردن حنمنع التحويل بالقوة، ولكل جيش مننا يكون له واجب، مستعدين إن إحنا نقوم بواجبنا كاملاً، وأنا لا أستحى أبدا إذا كنت ما أقدرش أحارب، إن أنا آجى أقول لكم ما أقدرش أحارب.. معركة فلسطين ممكن تكون مستمرة،..ومعركة نهر الأردن جزء من معركة فلسطين".

وهكذا:

وجد نام أنفسنا فى "صوت العرب" أمام احتمالات أكثر من خطاب إعلامى، قد نسهم بإحداها فى إملاء الأحداث، أو قد تصيبنا فى الآخر لعنة مواجهة صناعة غيرنا للأحداث، خاصة وأن عبد الناصر – بكل إيجابيات سياساته – حرص يومها على أن ينهى خطابه بفقرة مثيرة للهواجس المتسائلة التى قال فيها بالحرف الواحد: "وأنا مابازايدش فى هذا الموضوع، مستعدين إن احنا نقوم بواجبنا كامل، بنتناسي كل البلاوى وكل القرف اللى حصلت شفناه فى الكام سنة اللى فاتت دى، والخناقات اللى حصلت والغدر اللى حصل،  وبنقول إحنا مستعدين أو مش مستعدين، يجب أن يعالج موضوع نهر الأردن باجتماع يضم أكبر مسئولين فى كل بلد من البلاد العربية، لأن القضية مش قضية صغيرة، القضية قضية مصير، وده موقفنا من قضية نهر الأردن النهارده، وإن شاء الله بعد فترة ييجى الوقت علشان نقول لكم موقفنا من قضية فلسطين ومن اغتصاب إسرائيل لفلسطين" كانت القاعدة عندنا فى التعامل الإذاعى مع خطب الرئيس ذات بعدين: أولهما أن نتبادل فى "صوت العرب" مع "البرنامج العام" إعادة بثها مرة أخرى بالتبادل فى مواعيد مختلفة.

وثانيهما أن نسترشد بمضامينها فى عملنا من منطلق كون خطبه تعكس سياسة الدولة، غير أن مزج عبد الناصر دعوته إلى مؤتمر للحكام العرب باتهامات كرر خلالها وصف بعضهم بالغدر والعمالة والخيانة، جعلنا نتردد فى التعامل التقليدى مع خطابه.

فقد توقع البعض منا بادىء الأمر أن يرفض ملكا السعودية والأردن، والمجلس العسكرى البعثى الحاكم فى سوريا، حضور المؤتمر ، وتوقع البعض أن تختلف مواقف بقية الحكام العرب من الدعوة، بين مرحب بها بل وبحدتها مثل ثوار الجزائر واليمن، وبين متخوف بجوارح الكلم مثل حكام تونس وليبيا، وبين محرج من ملايين الجماهير بأن عبد الناصر سوف ينأى بمصر بعيدا عن أمتها العربية وقضاياها، فنقرر الإقدام على تنفيد حملة سريعة مكثفة أحاطت اتهاماته الصريحة، باسترجاعه لنضال مصر العربي، وتأكيداته بالتزاماتها القومية بما فى ذلك الحرب التى وصفها شرفا للعرب وشرفا لمصر وجيشها۔

ونتلقى من بورسعيد – مع منتصف الليل – فور إذاعة هذا البرنامج طلبا بتكرار إذاعته ، وجعل مضمونه الجامع بين الاتهامات بالغدر والممارسات الثورية أساسا لخطاب إعلامى يترقب ردود أفعال تلك الصياغة الحادة بل ربما الجارحة لدعوة عبد الناصر إلى قمة عربية عاجلة۔

ومن عجب:

وعلى عكس ما توقعه الكثير من المراقبين العرب وغير العرب:

جاء فى صدارة من لبى دعوة عبد الناصر حكام سوريا والسعودية والأردن وقبل غيرهم من الحكام۔

ففى عصر اليوم التالى للخطاب 24 ديسمبر قطعت إذاعة دمشق إرسال برامجها المعتادة، ورددت نص بيان صادر عن القيادة البعثية الحاكمة تعلن فيه استجابتها الفورية للدعوة من منطلق قومى، بعبارات تعتب على مزج الدعوة باتهامات، آملة فى نهاية البيان وقفا للحملات الإعلامية۔ ومع غروب شمس نفس اليوم أعلنت المملكة السعودية تلبية الدعوة فى بيان قصير اكتفت فيه بعبارات ترجو بها أن يتيح لقاء الحكام العرب فرصا لإزالة أسباب التوتر القائم، أما المملكة الأردنية فقد ختمت بيان موافقتها بتأكيد ثقتها على حكمة الرئيس جمال عبد الناصر فى تهيئة كل عناصر النجاح للمؤتمر.

وبينما كان يتوالى توقف الحملات بين الأجهزة الإعلامية العلنية والسرية فى مصر وسورياوالسعودية والأردن، كنا "صوت العرب" قد انتهينا من وضع تصور لجميع أبعاد واحتمالات التعامل مع الجماهير فى ظل القرارات التى يمكن أن يسفر عنها مؤتمر للقمة العربية وقيام تصالح وتعاون بين الأنظمة الحاكمة المتصادمة فى المبادىء والسياسات.

أولا:

وجدنا أن حرب الإذاعات فرضت هذه الدعوة التى يلتقى فيها الصالح بالطالح والثائر مع الرجعى والمتحزب مع القومى، بما قد يؤدى إلى تقديم الأضداد لتنازلات سيكون مردودها فى الغالب الأعم بالسلب على الثوريين والتقدميين أكثر من غيرهم، بحكم ما تؤكده التجارب والوثائق من وجود أنظمة حاكمة تنفذ سرا وعلانية مخططات الاستعمار الغربي فى الوطن العربى.

وثانيا:

أن قوى العمل القومى الثورى قد تجد نفسها محاصرة دون الدعم العلنى الإعلامى على الأقل، ما قد يؤثر على نضالها وصلابتها، وما أحرزته وترجو أن تحرزه من انتصارات۔

وثالثا:

أن احتمالات اتفاق القمة العربية على حد أدنى من التعاون المشترك يمس – وفى الصميم – صدق الحملة الإعلامية المصرية السابقة عليه، والتى شارك فيها عبد الناصر بشخصه فى أكثر من خطاب، وكان آخرها عندما وجه الدعوة وسط اتهامات بالغدر والعداء والخيانة۔

ورابعا:

أن العداء السعودى لثورة اليمن الجمهورية، ووجود جيش مصرى يدعمها فى مواجهة متسللين يمنيين إماميين ومرتزقة أردنيين وأمريكيين وبريطانيين، يفرض استمرار "صوت العرب" فى مساندة شعب اليمن ومواجهة حملات الإذاعة السرية اتى تبث برامجها وتدعو للإمام المخلوع تحت إشراف سعودى من كهف على الحدود الشمالية مع اليمن.

وخامسا:

أنه فى حالة فشل القمة فى إقامة حد أدنى من التعاون بين الأنظمة العربية، قد يؤدى إلى مزيد من الحملات ضد مصر وسياسات ثورتها، وخاصة أن خطاب عبد الناصر الذى دعا فيه إلى مؤتمر للحكام العرب تضمن عبارات توحى باحتمالات تعذر تحقيق انتصار عسكرى للعرب فى أية مواجهة حربية فورية مع إسرائيل ودول الغرب التى أنشأتها وتسلحها وتحميها.. وهو ما يدعو  إلى أن يقف "صوت العرب" مع الدعوة إلى القمة وانعقادها وقراراتها، موقفا إخباريا بالسلب المتوجس، الأمر الذى أكسبنا مرونة فى التعامل مع مؤتمرات القمة بدءا من مؤتمرها الأول فى القاهرة – يناير 1964 – وصولا إلى مؤتمرها فى العاصمة المغربية "الرباط" – سبتمبر 1965 – والتى أخذت تؤكد تباعا مشاق الطريق إلى استرداد فلسطين، بل واستحالة المضى فيه دون وحدة عربية حقيقية شاملة، يفرض مجرد قيامها متحررة، احترام عواصم الغرب والشرق على حد سواء.