الأحد, مايو 26, 2019
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : هانم الشربيني

meiedebrahiim.jpg

أسعى فقط لتطوير ذاتى وجمالياتى الفنية

ما يدفعنى لترجمة كتاب نقدى أو أدبى هو السياق الجماليّ

شاعر كبير، صاحب تجربة خاصة، وهو أحد رواد قصيدة النثر فى مصر، لكنه لم يأخذ قدره الذى يستحقه من الضوء، رغم أنه قدم للمكتبة العربية عشرات الدواوين المهمة، وفضلا عن الشعر فهو صاحب الترجمات المهمة، القصصية والروائية، إنه الشاعر والمترجم الكبير محمد عيد إبراهيم الذى كان لنا معه هذا الحوار.

اولا هل ترى أن أعمالك مهمشة نوعا ما بفعل الإعلام الأدبى المضلل كما تصفه؟

لا أحب أن أوضع موضع المدافع عن تجربتي، أعمالى مطروحة منذ قرابة نصف قرن، ولى جمالياتى الفنية التى أحاول الارتقاء بها يوماً بعد يومٍ، وبجماليات خاصة دائماً، وكنت أول من كتب قصيدة النثر فى جيلي، ولم أدّع أى صلف مطلقاً بشأن نصوصي، أكتب والرزق على مولاى ولا يهمنى إلا تجاوز نفسى والآخرين والمطروح فيما أقرأه هنا وهناك عربياً وغربياً.

 هل تشعر أنه تم التعمية على رؤيتك الشعرية نوعا ما؟

دائماً وفى كلّ جيل ثمة من يتخصصون فى نشر أنفسهم إعلامياً، ولستُ منهم، قلت إننى أسعى فقط لتطوير ذاتى وجمالياتى الفنية، وأدعم نصيّ بترجمة النصوص المشابهة والمناظرة لها فى الآداب الأخرى، حتى يرى الناس أن الكتابة البسيطة ليست هى الوحيدة فى تاريخ الشعر، هناك المزيد دائماً ممن يكتبون بطريقة مركّبة. وللتاريخ الفصل فى النهاية، يستبقى من يريد ويحذف من يريد.

 قدمت لنا  كتاب منعطف ما بعد الحداثة لايهاب حسن ما الدافع لترجمته؟ وهل وجدت صعوبة فى نقل لغته المعقدة؟

نشرته أولاً لدى ناشر أصدر 200 نسخة ولم يرها الناس، فكان أن نشرته فى سلسلة شعبية (كتاب الهلال) ليراه الناس وتعمّ الاستفادة به. ترجمته لأنه من أساسيات ما بعد الحداثة، وإيهاب حسن أول من سك المصطلح، وفيه استيضاح للفروق ما بين الحداثة وما بعد الحداثة، كما يشرح فيه المؤلف المبنى الفلسفى الذى تقوم عليه، وكيف انتشرت فى كل الفنون، وما الفرق بين ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، وغيرها من خلافات نقدية مهمة للقارئ والباحث العربيّ. لغة الرجل صعبة طبعاً كما يحتاج الكتاب إلى هوامش كثيرة لكل فقرة أحياناً، وهو مما حاولت أن أفعله، لعلّى وفقت، وأتمنى أن يستفيد منه الناس.

  هل المترجم العربى اليوم فى مأزق البحث عن مشروع أو مؤسسة لنقل كتب كثيرة للوعى العربى؟

بالنسبة لي، وفقنى الله من البداية إلى مشروع جمالى خاص، يتسق ومقوماتى الفنية، الانتهاك والغموض ورفض السائد وإتقان السرديات الجديدة إلخ. لكل مترجم على ما أظن مشروع خاص، هناك من يترجم أى شيء وكل شيء ابتغاء المقابل المادي، فلا يمكن أن يفيد كثيراً عبر حياته، يسميه البعض (المترجم الكشكول)، صحيح أن الحياة صعبة لكنها على الجميع، وعليه أن يوازن نسبياً بين ما يريد توصيله من جماليات والسعى على اللقمة، وألاّ يخضع دائماً لما تمليه دور النشر، وكثير منها يبتغى البيع فقط مهما كان مستوى الكتاب.

 ما الذى يدفعك لترجمة كتب أو أدب بعينه للمكتبة العربية؟

السياق الجماليّ الذى أعيش به وعليه طيلة عمري، لا أترجم عشوائياً، بل أختار ما أريد مهما كان الكتاب صعباً أو مختلفاً عن السياق السائد، أهم شيء أن يعطينا شكلاً مختلفاً للوعى بالفنون والآداب الجديدة، من أجل توسيع المجال للجماليات الحقة التى ينبغى أن نحتذيها، من دون توصية طبعاً أو فرض شيء على أى مبدع واعٍ.

  هل شهرتك كمترجم تطغى على شهرتك كشاعر وإلى أى مدى ساعد المترجم الشاعر بداخلك والعكس؟

لا أظن، فشهرتى كشاعر توازى شهرتى كمترجم، حين يهبنى الله قصيدة أترك خلفها أى شيء وأتفرغ لها تماماً، فالشعر لا يأتى كل يوم. أما الترجمة فهى عمل شبه يوميّ، أقرب للوظيفة، لكنه بروح المبدع طبعاً. وقد ساعدت الترجمة فعلياً فى تغيير جمالياتى الشعرية مرة بعد مرة، والتطور لازم وضروريّ طبعاً، لأنى أترجم ما هو فى سياق جمالياتى الفنية، والمطروح حديثاً فى العالم من جماليات جديدة، أتمنى أن يطّلع عليها المبدع المصريّ والعربيّ عموماً. كذلك ساعدنى شعرى فى اختيار القيم الجمالية المناهضة للسائد فى الترجمة، وكلٌّ منهما يصبّ فى سياق الآخر فى النهاية.

ـ  لك رأى يقول أنه لم يعد فى مصر نقاد كبار حدثنا عن ذلك؟

لم أقل هذا بالضبط، قلت إن لدينا فى مصر الآن مجموعة نقّاد معظمهم يتعاون مع بعضهم البعض فى نشر الشللية وإضفاء المشروعية على بعض من المبدعين متوسطى القيمة (وأحياناً ضعاف القيمة، أو معدومها) وإبداء أنه ليس أبدع مما كان، وفى هذا خطر كبير على الذائقة النقدية، كما يوجد فى مصر نقص واضح فى تعلّم اللغات، لا اللغات الأجنبية، وهو شرط لازم لقراءة الجديد، فليس كل جديد مترجَم، ولا حتى جماليات اللغة العربية، وهو مما يؤسف له، لكن يظهر بين الحين والحين ثلة من النقّاد الشبّان، ضدّ مبدأ (المافيا) النقدية السائدة إلى حدّ ما وسط النقّاد، وفيهم الأمل الكبير معقود على نواصيهم.

  وكيف ترى الفرق بين قصيدة الحداثة وما بعدها؟

قصيدة الحداثة أقرب إلى الرمزية، الشكلانية، العقلانية، التركيبية، الدلالية، السردية، النمطية، المتسامية. أما قصيدة ما بعد الحداثة فهى أقرب إلى السيكلوجية، اللاشكلانية، المتناقضة، المشتتة، اللاسردية، اللاحتمية، الساخرة أو المتهكمة. وقد تجتمع سمات من الحداثة مع سمات مما بعد الحداثة معاً فى قصيدة واحدة، فلا يكتب المبدع على (نمط) واحد فى دماغه بشكل آليّ أبداً.

  قدمت كتابا حول أنماط قصيدة النثر هل هو دفاع عن القصيدة وجماليتها؟

كتابى الذى ترجمته هو (مقدمة لقصيدة النثر) وقد صدر فى أمريكا 2010 وصدر فى مصر 2014 بعد بحث بين الناشرين فترة، وهو ردّ على كتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر الصادر فى خمسينات القرن العشرين، وهو لا يضع قوانين كما فعلت برنار، بل يستقى أنماطاً مما يُشاع بين شعراء قصيدة النثر فى العالم الآن.

 ترجمت رباعيات مولانا جلال الدين الرومى هل الهدف من ترجمته كان شخصياً خاصة أن هناك محاولات عدة قدمت له فى المكتبة العربية؟

قدمت بعضاً من رباعيات مولانا جلال الدين الروميّ عام 1992 كأول من قام إلى ترجمتها للغة العربية، بعدها ترجمها المرحوم دسوقى شتا كاملة عن الفارسية، ومن ثم تنتشر الآن ترجمات للرباعيات فقد صار مولانا أشبه بموضة فنية، لكن ينسى المجتمع الأدبيّ أنى أول من ترجمها للعربية. وكان الهدف هو استنطاق النصّ الصوفيّ فى لغات أخرى، ومحاولة إضفاء المعرفيّ المختلف فيها غير النصوص العربية، الباهرة طبعاً.

 نريد أن نعرف أهم الشعراء الذين أثروا فى تكوينك الأدبى؟

لا يوجد شاعر لم يتأثر بمن سبقه من الشعراء، كلنا نكتب ونحن نقف على أكتاف السابقين، لا نمشى كما يُفترض بجانبهم بل نحاول أن نجاوزهم، كلنا كتابة محو على محو، كالطرس القديم الذى كان كتابةً فوق كتابة، المهم ألا نكتب تقليداً لأحد، بل نستفيد ونهضم الجميع حتى يظهر لنا شكل خاص نبنيه على مدار السنين. وطبعاً كان أهم من تأثرت بهم بعض من مدرسة "شعر" اللبنانية وشعراء التمرد على مستوى العالم قدر ما وصلت إليه يدي.

  أنشأت سلسلة آفاق الترجمة فكيف ترى حال السلاسل التى تقدم الأعمال المترجمة وهل نحن بحاجة إلى تطوير هذه السلاسل؟

قدمت فى (آفاق الترجمة) قرابة ستين عملاً لمترجمين مصريين وعرب، وقد أدت فى تلك الفترة من نهاية القرن العشرين دوراً هاماً، حيث كانت الترجمة شبه منعدمة فى مصر ذلك الوقت، أدت دورها، وجاء بعدها من يتمم الدور. نحن فى حاجة إلى مزيد من الترجمة وسلاسل الترجمة، فهناك آلاف من الكتب المفروض نقلها للعربية شرقاً وغرباً، لكن المهم أن تكون بشروط أفضل بالنسبة للمترجم، خاصة المصريّ، فهو أضعف الحلقات مادياً وسط الحلقات المشابهة عربياً.

 فى ديوانك الأخير "مجنون الصنم" لماذا كان التباين فى القصائد ما بين طويلة وأخرى قصيرة.. مثلما حدث فى ديوانك السابق "عيد النساج"؟

فى "عيد النساج" كانت هناك قصائد قصيرة، لكن أقل مما فى "مجنون الصنم"، والأمر يرجع للحالة التى تنتاب الشاعر وسط كتابته، قد تكون طبعاً حالة مجازية لها شروط إبداعية يستلهمها القارئ، وأنا لى ولعٌ بالقصائد القصيرة من زمان، فى أول دواوينى كتبت قصائد سطراً وسطرين وأكثر، على الناقد أن يرى التجاوز فيها أو عدمه. كما أن "عيد النساج" كان سيرة جمالية عبارة عن قصائد مترادفة، أما "مجنون الصنم" فهو رؤية لمناحى الموت التى نعيشها يومياً، وبالتالى فالداعى الجمالى مختلف بين ديوان وآخر.

  أشعارك تبدو وكأنها قصص قصيرة أو حدوته فى شكل قصيدة؟

السرد فى قصائدى قد يأتى على شكل قصة وما هو بقصة، هو قصيدة، فلا يوجد التنامى الدرامى وحتى إن وجد فهو فى سياق شعريّ لا سرديّ، تستفيد منه قصيدتى بالمفهوم الواسع لقصيدة النثر، حيث صارت مزيجاً من كافة الفنون ضمن قالب شعرى فضفاض يمكنه أن يشتمل على أى نوع أدبى الآن: الشعر، القصة، الحكاية، السيناريو، الحوار المسرحي، المقالة، الرسالة، إلخ

 وهل يمكن أن يكون لقصيدة النثر شكل شعرى محدد ؟

لا يوجد لأى نوع أدبيّ شكل محدد، لا فى الرواية ولا فى المسرح ولا فى قصيدة النثر، يكتب الكاتب وبعدئذ يأتى الناقد ليضع القواعد، لكن ليس شرطاً أن يلتزم الكاتب بما يوضع من قواعد، فالكاتب هو خالق تلك القواعد أصلاً.

 البعض يقول إن قصيدة النثر ماتت جماهيريا حقيقة.. فكيف ترى ذلك؟

هذا كلام أقلّ ما يقال عنه أنه (فارغ)، بالعكس، قصيدة النثر سعت وتسعى دائماً لتقريب الفجوة بين الشاعر والقارئ، هناك مئات بل آلاف المحاولات، تبقى الموهبة دائماً هى الفارق وهى المعوّل على إحداث مثل هذا التأثير، مع العلم بأن مسألة (الجماهير) خرافة، فهى نسبية، فهناك قارئ للقصيدة البسيطة، كما هناك قارئ للقصيدة المركّبة، ولكلّ منهما ذائقة وتابعون وقراء إلخ.