الأحد, مايو 26, 2019
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : إبراهيم عبد العزيز

 

naguibmahfouzz.jpg

حول قرار نجيب محفوظ بحسم اختياره بين الأستمرار فى دراسة الفلسفة أو الأدب قال له د. محمود الشنوانى: تجربتك تدخل ضمن أقلية من الناس القادرين على حسم اختياراتهم، بعكس آخرين تضيع حياتهم هباءً، لأنهم لم يحسموا قرارهم رغم قدراتهم، وإذا اتخذوا قراراً يندمون بعد ذلك على اتخاذه.

نجيب: أنا لم أفعل ذلك.

الشنوانى: مشاكلنا كأمة، كشعب، كدولة، أننا لا نحسم اختياراتنا.

نمشى فى طريق العلم ولا نتجاوز الخرافات، نتجه للقطاع العام ولا ننسى الخاص، أو العكس.. لا توجد وقفة صادقة مع النفس تبلور ماذا نريد بالضبط، لذلك ظل الجدل مفتوحا أمام قضايا المفترض أنها حسمت من مائة سنة (كقضايا الحداثة والمعاصرة، حرية المرأة..إلخ) لذلك لم نتقدم، وأهدرنا طاقاتنا فيما لا يجدى ولا يفيد.

نجيب: لا شك فى هذا.

الشنوانى: قرار الأستاذ فى وقت مبكر كان مهماً جداً بالنسبة لعمر الإنسان، لأن الوقت له ثمن.. وبحكم دراستى فى تطور قدرات الأطفال فإننى أعرف متى يتحكم فى البول والبراز، متى يمسك القلم، متى يكوّن جملة مركبة من عدة كلمات.. كأن فيه توقيت مناسب تظهر فيه هذه القدرات إلا لو وجدت أشياء تجعلها لا تظهر، أو أنها تظهر بشكل غير مكتمل أو تتأخر فى الظهور.

سيّر المبدعين تبدأ فى العشرينات حتى الثلاثينات تكون البشائر قد بدأت تظهر، والذكى والصادق والفاهم هو الذى سيلتقط اتجاهه للمستقبل وإلا سيظل متلخبط إذا لم يكتشف فى أى اتجاه يسير فتتبدد طاقته الإبداعية وتضيع حين يتأخر اكتشافها.

عبدالجواد: "فرويد" يقول إن كل الأطفال يولدون أذكياء لكن الضغوط المحيطة بهم تؤثر على مستوى الذكاء، بين مجتمع يساعد على تطور الذكاء ومجتمع يعوقه.

قلت للأستاذ: هل ظروف المجتمع وآراء الناس حولك كان لها تأثير فى اتخاذك لقرارك أم أنه كان قرارا فرديا خالصا نابعا من شخصيتك؟

نجيب: فردى خالص.

الشنوانى: لم تستشر أحدا؟

نجيب: لم يكن يهم أحداً.

قلت: ولكنك توقفت فترة عن الكتابة.. ألم يبعدك هذا عن طريقك وقرارك؟

نجيب: كنت أعمل بالسيناريو وهو عمل فيه رائحة الفن.

قلت: كان أول عمل كتبته بعد فترة التوقف التى طالت هو "أولاد حارتنا" حملها توفيق الحكيم إلى هيكل لنشرها فى "الأهرام".

نجيب: أعطيتها لعلى حمدى الجمال "مدير تحرير الأهرام".

قلت: رواية هيكل لعادل حمودة عن "أولاد حارتنا" مختلفة تماما وهو يحكى عن محاولة ضمك لكتاب "الأهرام"، يقول: "كان د.حسين فوزى أول من نجحنا فى جذبه بعد أزمة تعرض لها فى وزارة الثقافة - حين تجاهله وزير الثقافة ثروت عكاشة وأعطى اختصاصاته لآخر يرتاح إليه - مما حدا بحسين فوزى إلى تقديم استقالته"، ثم كان توفيق الحكيم الذى كان عقده مع "الأهرام" فريداً من نوعه، فقيمة العقد كانت فقط مقابل تواجده فى "الأهرام" على أن يتقاضى أجرا غير المرتب عن كل إبداع أدبى أو فكرى ينشره، وقد كان توفيق الحكيم هو الواسطة بيننا وبين نجيب محفوظ، لكن نجيب محفوظ كان مستعداً فقط لنشر أعماله بالأهرام دون أن ينتقل إليها، كان يريد أن يظل فى وظيفته حتى سن المعاش، وذات يوم جاء توفيق الحكيم يحمل مظروفا كبيرا محشوا بأوراق، وقال: هذه رواية هامة لنجيب محفوظ سيكون نشرها خطوة أولى للتعامل معه.. سألته: قرأتها، قال: تصفحتها- يواصل هيكل شهادته - أخذت الرواية وقرأتها يوم جمعة بعيدا عن القاهرة، ويوم السبت سألت توفيق الحكيم، نجيب عايز يقول إيه؟ قال: ما اعرفش.. فطلبت منه أن يأخذ الرواية ويقرأها۔ وبعد يومين سألته: ماذا وجدت؟ وكعادته رد على السؤال بسؤال وقال: وانت لقيت إيه؟ قلت: أنا حاسس إن نجيب يحاول أن يقول الكثير، وهذا على أى حال حقه، لكن أتصور أن الرواية ستثير مشاكل. قال: هل ستغير رأيك؟ نجيب سيشعر بالقلق. قلت: لا.. أنا أريد نجيب محفوظ بكل ما يكتب.

تركنى الحكيم.. كنت أمام اختيارين: إما المتاعب المتوقعة، أو إحباط روائى كبير.. وأسعدنى جدا أن أنشر الرواية، وكان كل همى ألا تنجح المتاعب فى إيقاف النشر قبل أن نكمل الرواية.. وكانت حساباتى أن المتاعب تأخذ عادة وقتا حتى تصل إلى الذروة.. وهكذا قررت نشر الرواية مسلسلة يوميا، وهذا لم يحدث فى صحيفة من قبل.. كنت مؤمنا بحق نجيب محفوظ فى أن يقول ما عنده، وأنا مؤمن أن الإسلام أباح الشك فى كل شىء، وأن الإيمان لا يستقر بالوراثة وإنما بالمساءلة، ويجب أن نستوثق منه بالعقل.

بدأ النشر يوم الاثنين 21 سبتمبر 1959، لكن قبلها بأسبوع بدأنا فى نشر أخبار الرواية فى الصفحة الأولى، فى يوم 14 سبتمبر 1959 نشرت الأهرام الخبر التالى:

"الأهرام" ينشر قصة نجيب محفوظ الجديدة

اتفق "الأهرام" مع نجيب محفوظ كاتب القصة الكبير على أن ينشر له تباعا قصته الجيدة الطويلة.. إن نجيب محفوظ هو الكاتب الذى استطاع أن يصور الحياة المصرية تصوير فنان مقتدر مبدع، لذلك فإن قصصه كانت حدثا أدبيا فى تاريخ النهضة الفكرية فى السنوات الأخيرة، ولقد وقّع الأهرام مع نجيب محفوظ عقدا يصبح للأهرام بمقتضاه حق النشر الصحفى لقصة جديدة مقابل ألف جنيه، والأهرام لا يذكر هذا الرقم، وهو أكبر رقم دفع فى الصحافة العربية لقصة واحدة – تفاخرا أو ادعاءً – وإنما يذكره ليسجل بدء عهد جديد فى تقدير الإنتاج الأدبى". وقبل النشر بيوم واحد كان الخبر التالى:

قصة نجيب محفوظ ستبدأ فى "الأهرام" غدا

تبدأ "الأهرام" فى نشر قصة نجيب محفوظ "أولاد حارتنا" ولقد اختار الأهرام الفنان الكبير الأستاذ الحسينى فوزى ليرسم القصة، وإذا كان نجيب محفوظ ينتزع مشاعره وانفعالاته، ويستلهم وحيه من صميم حياتنا، فإن خطوط الحسينى فوزى تخرج من نفس المصادر".

بعد أسبوع واحد من النشر بدأت المشاكل فى صورة نقد جاء مباشرة أو فى خطابات حملها البريد، وبعد شهر بدأت الأصوات ترتفع، وبعد شهر ونصف الشهر وجدت جمال عبدالناصر يكلمنى فى التليفون وقال: "إن الأزهر أو وزاة الأوقاف "غير متأكد" كلمونى عن الرواية. سألته: هل قرأتها؟ قال: قراءة الأعمال الأدبية مسلسلة لا تريحنى، سأقرأها عندما تكتمل فى كتاب".

ولأننى أردت أن أكسب وقتا لاستكمال النشر، قلت لعبدالناصر: "خليهم يعملوا لجنة من رجال الأزهر ويفحصوا الرواية".

كان محزنا أن نوقف النشر، وقد جاء قرار اللجنة بالمنع قبل عشرة أيام من انتهاء النشر، لكن النشر استمر حتى نهاية الرواية، وحرصت على أن أختم بعبارة: "انتهت الرواية".. بعد "أولاد حارتنا" التى كانت أول ما نشرته "الأهرام" لنجيب محفوظ، نشرنا باقى أعماله، وكثير منها أثار مشاكل من نوع آخر، فقد احتج الاتحاد الاشتراكى مثلا على "ثرثرة فوق النيل"، وغضب غيره من "اللص والكلاب".

وكان تعليق نجيب محفوظ أن على حمدى الجمال وليس توفيق الحكيم هو الذى اتصل به وطلب منه الكتابة فى "الأهرام" وأن أول ما كتبه كان "أولاد حارتنا" وأعطاها لعلى حمدى الجمال وليس لتوفيق الحكيم، لكن يمكن على حمدى الجمال أعطاها للحكيم.

(حين جرى الحديث حول هذا الموضوع مرة أخرى فى "شبرد" علق الكفراوى أن هيكل لا يريد نسبة القصة إلى توفيق الحكيم إلا أن يسلب على حمدى الجمال حقه، لأنه رأى أن دخول الحكيم فى القصة أكثر إثارة من دخول الجمال).

الشنوانى: من الذى لفت الأنظار إلى "أولاد حارتنا" وبيّن خطورتها؟

نجيب: كاتب فى جريدة "الجمهورية" قال إن القصة المنشورة فى "الأهرام" ليست حارة، ولا فتوات نجيب محفوظ، ولكنها قصة عن الأنبياء.

الشنوانى: من هو هذا الكاتب؟

نجيب: أحمد عباس صالح، فلفت الأنظار.

الشنوانى: من كان له دور فى التنبيه؟

نجيب: الشيخ أبو زهرة كان يحتج.

الشنوانى: التقوا بك أم أنهم كانوا فقط يمارسون التهييج.

نجيب: كنت أياميها فى الرقابة الفنية، حينما جاءنى حسن صبرى الخولى المسئول عن رقابة الصحف، وقال لى: هل أنت مستعد لمقابلتهم؟ فأكدت له أننى مستعد، فقال: سيأتيك بعض رجال التربية والأزهر، أمامى هنا فى حجرتى، وأعطانى موعدا، جئت فى الموعد، فقال لى: لم يحضر أحد، ولكننا على اتصال، إن حضروا سأخبرك، ولكن مضت السنين ولم يحضر أحد.

وقال لى حسن صبرى الخولى: نحن لا نريد طبعها هنا، حتى لا نتحدى الأزهر، تريد أن تطبعها فى الخارج، اطبعها.

سألت الأستاذ: وأنت تكتب "أولاد حارتنا" هل توقعت أنها يمكن أن تثير هذه الضجة حولها؟

فأجابنى: لم أتوقع ذلك، ولكن بلغ بى الأمر حتى لا يقرؤها الناس كحارة، قلت أكتب لهم تمهيدا إنها ليست حارة.. تصور.

الشنوانى: فـ"صحصحوا، أكثر من اللازم.

عبدالجواد: الرواية فعلا فيها تمهيد، إنه أنا من أواخر الأجيال فقررت أن أروى حكايات منذ أن كنت صغيرا فى حارتنا قبل أن تنسى.

نجيب: فى صلب الرواية.

عبدالجواد: ما هو رد فعلك على رد الفعل؟

نجيب: لا أتذكر، إنما لازم اتضايقت.

عزيزة: رغم الضجة التى وقعت، إنما لإدراكك بما كتبته، ممكن كنت تتصور إن الضجة ممكن تكون أكبر مما حدث، لأنها رواية غير عادية، فكان من الطبيعى كمؤلف إنك تتوقع رد فعل ضخم.

نجيب: رد الفعل الذى حدث كان بالفعل أكثر مما تصورت.

عبدالجواد: لاشك بوجود جانب آخر لهذه الضجة، تمثل فى إعجاب الأدباء، فما هو حجم هذا الإعجاب بين الأدباء كسند معنوى؟

نجيب: كانوا ممنوعين من التعبير عن آرائهم، لمنع نشر أى شىء عن الرواية.

الشنوانى: ممنوعين على الملأ، لكن على المستوى الشخصى.. كيف كان رد الفعل؟

نجيب: كنا نتكلم عنها فى الندوة.

عبدالجواد: عندى شريط مسجل عليه فرحة شاب بأدب نجيب محفوظ، وهو داخل على "عمر عبدالرحمن" – مفتى الجماعات المتطرفة – فقال له: قبل أن تفرح عليك أولاً أن تعرف إيه الحكاية، وحكى له عما وراء "أولاد حارتنا"، وعمل للشاب غسيل مخ.

وإلى هنا التفت الأستاذ نجيب محفوظ إلى مرافقه د.فتحى هاشم وقال له: هُبة يا باشا – إيذانا بالانصراف.

(سوفيتيل المعادى – 8/9/2004)