الأحد, يناير 26, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : فارس خضر

 

esamstaty.jpg

البطولات الشعبية والنضال الشعبى لم ينصف مصر عبر التاريخ

لولا البطولات الشعبية ما كان لنصر أكتوبر معنى

ما أحوجنا لمن يعيدون إحياء الروح المصرية، ونفض الغبار المتكاثف عليها، بعد أن تسللت إليها تيارات شاذة تحتقر فكرة "الوطن" ولا ترى فيه سوى حفنة من تراب عفن..!! ما أحوج المكتبة المصرية لدراسات الباحث النابه "عصام ستاتي" المهموم بالشخصية المصرية وجذورها، والمشغول بقراءة اللحظة الراهنة بمرجعية تاريخية لا ترى انفصام بين الماضي العريق وعتامة الحاضر .. و"ستاتي" ابن المدينة الباسلة السويس باحث في التراث المصري، وخبير تراث في العديد من المنظمات الدولية، وقد صدر له:"السمسمية بين الواقع والأسطورة" و"شم النسيم" و "مقدمة في الفولكلور القبطي".. وغيرها..      

دراساتك الجادة والمهمة تؤكد على العمق الحضاري للشعب المصري، وتكشف روح التسامح في موروثاته لدى الأقباط المسيحيين والمسلمين، ومع هذا يضج الواقع بالفتن والمنازعات كل فترة، فهل تم تخريب الشخصية المصرية بدرجة ما ..؟

الشخصية المصرية الأصيلة مازالت حية وتنبض بهذا التسامح، فمنذ 25 يناير هناك إلغاء وتأجيل لكل نشاط وممارسة واحتفال، والشيء الوحيد الذي مازال مستمرًا هو الموالد سواء كانت مسيحية أو إسلامية بنفس الروح والمشاركة وطبيعة الاحتفال، رغم ما تم على الجانب غير الشعبي من تطرف وهدم كنائس ومؤسسات ثقافية مثل تفجير المتحف الإسلامي وغيره، وافتعال فتن على المستوى الاجتماعى وتأجيج النار لموضوعات يمكن حلها بشكل قانوني بسهولة، ولكن وجود التطرف هو الذي يصنع هذه الافتعالات، والجانب الشعبي كان متأثرا وحزينا ولم ينسق لكثير من الأحداث بل كان متضامنا ووقف بالصدر العارى يحمى المؤسسات العقائدية للجانب الآخر أثناء احتفالاته، وجثامة ما يحدث من تطرف وقتامته تجعلنا ننظر على الجانب المضىء بشكل جيد مع غياب دور التنوير، ولكن في كل رد شعبي على المتطرفين يثبت ما قدمته فى أبحاثى التى تؤكد أن الميت يمسك بتلابيب الحي، وأن النموذج الحضاري المصري القديم سقى وروى العقائد التي وفدت لمصر، فصنع مسيحية مصرية وإسلاماً مصرياً على المستوى الشعبي الذي لا يعتمد على التراث الدينى الذى به مدارس تدعو للعنف وبغض الآخر، بل تبرر قتله وحرقه وتكوين صورة مشوهة ومن ثم يجب التفكير الجاد نحو النشء والتعليم وطرح قضايا المواطنة والأخلاق، لأنه ثبت بالدراسات أن التطرف بين المتعلمين أعلى من غيرهم وفى كليات معينة ودراسات معينة أعلى من غيرها، لكن القماشة صالحة وتتطلب الحفاظ  عليها والتشجيع على الصورة الشعبية للأديان المستلهمة من النموذج المصري الحضاري مع السماح للتيارات الدينية المستنيرة بالتعبير مع وجود قوانين تحمى أصحاب الفكر المستنير من عدم التعرض للمحاكمات من قضايا يرفعها أشخاص ليسوا ذوي صفة، إننا في حاجة إلى مشاركة فكرية وتنويرية وممارسات شعبية يسمح لها بالانتشار في مواجهة الإرهاب وليس مواجهة أمنية فقط . وما يحدث زوبعة في فنجان ومهما يدور الزمان وتتعاقب التواريخ ستبقى روح مصر العامرة بإيمان فطرى وسيظل نهر محبتها يفيض بالعطاء والنماء على كل أبنائها وهم يبتهلون ويترنمون في مساجد وكنائس وحدتهم تعزف أرواحهم صلاة مشتركة لإله واحد غايته الحب وطريقة العطاء.

الكشف عن الجذور التاريخية للكثير من المعتقدات والعادات والفنون المصرية وإثبات انتمائها للمصريين القدماء، هل هو آلية دفاع نتيجة لهشاشة اللحظة الراهنة بمقارنتها بالماضي العريق..؟

لا.. ولكنه فتح الملف المسكوت عنه نخبوياً ورسميا وفى الثقافة السائدة، بينما الشعب يمارسه ليل نهار، لأننا نعيش ثقافتين ثقافة مغتربة عن جذورها وثقافة نابتة من هذه الأرض، والهشاشة هي البعد عن هذا التماهى الحضارى وأن نرى أنفسنا إما تابعين لخلافة أو قوميات وهمية وغيرها وأننا أى شىء غير أن نكون مصريين.

إن افتخار المصرى والتمسك بمصريته هو الأساس وأى دوائر أخرى هى فى الأساس دبلوماسية وعلاقات لا تدخل في قضية المواطنة والانتماء، نحن في حاجة أن نستمد تراثنا الروحى الحضارى للتقدم والازدهار هكذا فعلت اليابان والصين وتفعل الهند، وهكذا كانت مصر في مطلع القرن العشرين واختلاف أحمد لطفى السيد مع مصطفى كامل، حيث أن مصطفى كامل تم  ارتمائه فى أحضان الخلافة العثمانية، لدرجة التفريط فى أجزاء من الأراضى المصرية، ويرى أنها ضمن أملاك الأتراك؟ وهل مجرد أنّ السلطان العثمانى أنعم عليه برتبة الباشوية (وهو شاب صغير) يُـبرّر موقفة المنحاز للأتراك ضد وطنه (مصر)؟ ولكى أدلل على كلامى أستشهد بموقفه أثناء (أزمة طابا) سنة1906ووصول الباخرة (نور البحر) التابعة لتركيا إلى سيناء لاحتلال طابا. فى هذه الأزمة دافعتْ الحكومة البريطانية عن طابا باعتبارها منطقة تابعة لمصر. فلماذا وقفتْ بريطانيا التى كانت تحتل مصرهذا الموقف؟ بالطبع ليس من أجل سواد عيون شعبنا، وإنما كان دافع الاستعمارالبريطانى ينطلق من رؤية استراتيجية، لتكون (كل) الأراضى المصرية تحت سيطرته، وكذلك إبعاد أي محاولة لاحتلال طابا، حتى لا يسبب هذا الاحتلال أي تهديد لقناة السويس. ولذلك أرسلتْ بريطانيا يوم17فبراير1906 المدرعة البريطانية (دايانا) إلى طابا لمنع القوات التركية من التوغل في سيناء، ولتأمين القوات المصرية التي كانت في (جزيرة فرعون ( كان المُـنتظر من مصطفى كامل الوقوف بجانب مصر، لتأكيد سيادتها على طابا، ولكن ما حدث هو العكس تمامًـا، حيث شنتْ جريدة اللواء (لسان الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل) الهجوم على السياسيين المصريين المُدافعين عن حق مصر في طابا. فنشرتْ عدة مقالات تتهم سلطة الاحتلال البريطاني (بإعداد جزيرة سيناء لأعمال حربية ضد الباب العالي( وبسبب العاطفة الدينية المتحكمة في وجدان شعبنا فقد تأثر بمقالات مصطفى كامل، رغم أنّ الباب العالي العثماني كان يستهدف سلخ سيناء عن مصر.

فكتب لطفى السيد يرد على هذا الوهم (يجب ألاّ نقع مرة ثانية فى حبائل ذلك الوهم الذى كان يُراود أمتنا الوقت بعد الوقت، حيث كان يُقال مرة أنّ فرنسا ستحرر بلادنا (فى إشارة إلى مصطفى كامل) ومرة أنّ الدولة العلية (العثمانية) ستقوى وبحقنا عليها تسفك دماء أبطالها لتخرج الإنجليز من بلادنا. ثم هى بعد ذلك تتركنا لأنفسنا فى بلادنا أحرارًا، نتصرف فيها بما نشاء. (صحيفة الجريدة 2/9/1912) وكتب فى مقال آخر ((إنّ القول بأنّ مصر ليست للمصريين فقط، بل هي وطن لكل مسلم يحل في أراضيها، سواء أكان عثمانيـًـا أم فرنسيـًـا أم إنجليزيـًـا.. إلخ وعلى ذلك تكون القومية المصرية والجنسية المصرية منعدمة. ومتى انعدمتْ القومية فكيف نفهم الاستقلال) (صحيفة الجريدة 1/9/1912)

وتيار أحمد لطفي السيد خلق "جوا جديدا" لروح الوطنية المصرية وأظهر أهم مثقفى مصر طه حسين وسلامه موسى ولويس عوض وظهرت كتب طه حسين وعلى عبد الرازق وقاسم أمين وظهرت قضية حقوق المرأة وظهور سيدات ناضلن في كل المجالات وأثبتن أنهن لا ينقصن  عن الرجال في شيء، ومن هنا يبرز التماهي، انظر لوضع المرأة فى مصر القديمة لندرك استعداد المرأة المصرية لكسر حواجز التخلف، لأنها تملك هذه الجينات الحضارية التى عندما تجد المناخ المناسب تظهر وقس على ذلك فى كل شىء ويجوز التعميمم

وهذا الجو الذى ظهر للوطنية المصرية هو الذى مهد لثورة برمهات مارس 1919 والمطالبة بالاستقلال والدستور  وارتفعت روح المواطنة مع هذا الجو ونجد الشيخ الأزهرى محمد عبد المطلب يقول كلانا على دين يؤمن به .. ولكن خذلان البلاد هو الكفر، ويظهر لنا سينوت حنا الذي تلقى رصاصة الغدر بدلا من النحاس ويظهر حكمة مكرم عبيد، إن السعي لرفع قضية مصر للمصريين لاتتحقق إلاّ بوجود مناخ ثقافى حقيقى يرى فيه المصري مصريته مستلهما ومتماهيًا مع روحه الحضارية .

التأريخ لنضال السويس وغيرها من مدن المواجهة مع العدو الإسرائيلي، هل أنصف هذه البطولات الشعبية ؟

إن البطولات الشعبية والنضال الشعبى لم ينصف فى مصر عبر التاريخ بل الكل يحاول طمس ذلك من أجل ظهور المصريين خانعين، فهناك سبع ثورات ضد البطالمة من تحدث عنها؟ وهناك ثورات ضد الرومان وفى عصر الولاة العرب أهمها ثورة البشمورى التى استمرت 104 سنه ضد الأمويين ومن بعدهم العباسيين وانتهت بالإبادة وبيع من بقي حيّا في أسواق العبيد، إننا أمة تملك أكبر تاريخ نضالي مسكوت عنه، ومن هذا تاريخ منطقة القناة فالكفاح المسلح ضد الإنجليز في حاجة إلى أبحاث كثيرة تنشر رغم أن مادة البحث متوفرة وكذلك الاستنزاف والعمليات خلف خطوط العدو من أبطال مدنيين تحت إشراف المخابرات أما 24 أكتوبر وحصار المائة يوم فهو فى حاجة إلى المزيد من الدراما والمسرح والأعمال الوثائقية والأبحاث .فهذه البطولات لولاها ما كان لنصر أكتوبر معنى .

التعبيرات الشعبية المتداولة تجتاحها تغيرات كثيرة تفرضها وسائل الاتصال الحديثة، كباحث له منجزة في دراسة اللغة المصرية، كيف ترى مسار هذه اللغة وما يتهددها في الوقت الراهن..؟

اللغة المصرية لغة  تحليلية تستطيع أن تستوعب وتهضم وتُحدَّث دون أي خوف، كم عام احتل الانجليز مصر وكم مصرى جعل الانجليزية لغة حديثه اليومي، والنتيجة صفر، أما وسائل الاتصال فقد صنعت الكثير في جروبات تعلم اللغة المصرية القديمة والكلمات التى نستعملها في لغتنا المصرية الحالية وظهر شباب كثير للقيام بهذه المحاولات بعد ما كان المهتمون بذلك مجموعة قليلة مثلى ومثل المرحوم بيومى قنديل ومحسن لطفى السيد ووسيم السيسى وطلعت رضوان وسامى حرك رغم ما نعانيه من جهات النشر الحكومية ومن الظهور الإعلامى اللائق ومن مدارس أيدلوجية إسلامية وعروبية  تحاربنا على مصريتنا، ولكن أصبح ما نطرحه يلقى اهتماما غير عادى ويضيف مهتمين جدد لأفكارنا وحتى على مستوى الإبداع انظر للشعر المكتوب بالمصرية وكيف كون أعلامًا وأسماءً لم نجدها فى غيره وإذا ذكرت أسماء لا تكفى مساحة الحوار، وأنا مع أصدقاء لي  بصدد عمل مجمع اللغة المصرية وأطلس لهجاتها وهى مؤسسة شعبية قائمة على التطوع ليست فى حاجة لتمويل أحد وخاصة التمويل الأجنبى .

هل أنت راض عن الجهود المبذولة في جمع المأثورات الشعبية المصرية، سواء الجهود الرسمية ممثلة في أطلس الفولكلور أو الجهود الأهلية ممثلة في الجمعيات الفولكلورية وغيرها..؟

لست راض بكل تأكيد وقد قطعت صلتى من بداية عملى فى هذا الاتجاه فنحن فى شبابنا لم يكن موجوداً غير المركز القومي للفنون الشعبية وقد قتلنى الروتين فيه وجهل الإدارة والباحثين والفهم الضيق ومحاولة تحويلك من باحث إلى موظف وأدركت أنه سيتحول لمكان مهجور لا يدخله رواد أو طالبو علم، أما أطلس فمنذ بدايته كان موجه، فكم عام استهلكت فى شلاتين وحلايب وتركت باقى مناطق الجمع، ثم تضيع منه مادة هي أصول وليست نسخ ويضيع مجهود بُذل، إننا نفتقد فكرة الأطلس ونتعامل معها كأنها هى الأكاديمية لأننا لا نحترم أدوار أخرى فى الجمع الميدانى مثل دليل العمل الميدانى والإخبارى والراوى وننظر لهم نظرة فوقية، نظرة المتعلم لغير المتعلم، أما النشاط الأهلي فأغلبه ممول من الخارج وأشك فى نواياه أصلا وآخرها كان إحدى هذه الجمعيات التي تقوم بجمع الهلالية لصالح اليونسكو وأخذوا بالدولار وأعطوا القائمين على العمل بالمصرى وكنت أسمع من كل الأطراف وأبكى حال البلد فهل يمكن عمل دور أهلى غير ممول من الخارج إذا وصلنا لذلك سننجح.