الأحد, يناير 26, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : عمر شهريار

naguibmahfouzzz.jpg

سعيد شوقي: محفوظ أصبح مثل الراقصات متهما بخدش الحياء

عادل ضرغام: المثقف لم يعد سياسيا والسياسى لم يعد مثقفا

فى 11 ديسمبر من كل عام تحتفل الثقافة المصرية والعربية بذكرى ميلاد أشهر أديب عربي، عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، فهو الروائى المصرى والعربى الأشهر والأهم عالميا، والوحيد فى تاريخ الأدب العربى الحاصل على جائزة نوبل فى الآداب، لكن هذا العام الاحتفال مختلف، وأصبح احتفالا شعبيا وشبايبا، وربما غرائبيا إلى حد بعيد، فقد كانت هناك حملة للدفاع عنه وعن أعماله الأدبية، بعد الهجوم عليه من أحد أعضاء مجلس النواب، الذى قال إن نجيب محفوظ كان يستحق السجن، وأن أعماله الروائية –العظيمة والراقية فى نظر العالم كله- تخدش الحياء، وأن ما منع محفوظ من الحياة خلف قضبان السجون هو أن أحدا لم يحرك ضده دعوى جنائية.

هذه الهجمة البرلمانية من ذلك العضو تسببت فى عاصفة هائلة من السخط حينا، والسخرية حينا، وتصدر مواقع التواصل الاجتماعى هاشتاج "الحرية لنجيب محفوظ"، بل وتطوع عدد كبير من المثقفين فى اقتراح أسماء لأدباء ومفكرين راحلين خادشين للحياء وطالبوا النائب أن يحرك ضدهم دعوى جنائية لسجنهم، فى سخرية مريرة من ذلك العضو البرلماني، وتحول الأمر برمته إلى كوميدياء سوداء، فعندما يتحول البرلمان وأعضاؤه إلى أداة لهدم الرموز المصرية والعربية، ويطالبون بسجن رموز القوة الناعمة المصرية، ولا يقف الأمر عند حدود سجن الأدباء الأحياء فقط، بل والادعاء أن الأدباء الأموات أيضا كانوا يستحقون السجن، عندما يحدث كل هذا فنحن بالفعل أمام كارثة تعصف بالعقل المصري.

الهجمة على عميد الرواية العربية جاءت هذه المرة من أروقة مجلس النواب، وليس من قناة دينية متطرفة، وليس من شريط كاسيت لأحد شيوخ الإرهاب كالمعتاد، جاءت هذه الهجمة من نائب برلماني، وليس من شاب أهوج حاول قتل محفوظ وطعنه بسكين غادر لمجرد أنه سمع أن محفوظ كافر، فالنائب استخدم لسانه بدلا من السكين  لطعن الروائى العربى الأشهر، وقبل ذكرى ميلاده بأيام قليلة، مما دفع عددا من أدباء ومثقفى دمياط، التى ينتمى بها هذا النائب، يكتبون بيانا شديد اللهجة ضد هذه النائب، كنوع من التبرؤ من أقواله، ووقع عليه أكثر من 350 أديبا ومثقفا.

الناقد الأدبى الدكتور محمد عبد الباسط عيد يقول: من المهم أن نضع تصريحات النائب أبو المعاطى مصطفى حول روايات نجيب محفوظ فى إطار أوسع، فهى ليست الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة، وذلك فى ظل تراجع تعليمى واضح، جعل بعض روايات نجيب فى وقت ما موضوعا لفتوى تحرم نشرها وقراءتها، فضلا عن إخراج صاحبها من الملة، وهى الفتوى التى جعلت التخلص من نجيب محفوظ نفسه بالقتل عملا طبيعيا أو متوقعا ليس فقط بحكم الفتوى، وإنما بحكم التوجه الثقافى العام الذى هيمن على كثير من المؤسسات الثقافية والتعليمية منذ السبعينيات وإلى اليوم.

ويضيف عيد: هذا النائب لم يقل جديدًا، ولم يقل ما لم نسمعه من قبل، فقد حدث – بكل أسف – أن ردد أساتذة فى الجامعات المصرية مثل هذا الكلام، فـ"محفوظ" من هذه الزاوية – مجرد حكاء يعمد إلى الإثارة و"يخدش الحياء"...! فإذا كان بعض أساتذة الجامعة وكثير من معلمى اللغة العربية يرون محفوظ من هذا المنظار، فهذا يعنى أن لدينا مشكلة تعليمية تتعلق بالوعى العام وقدرتنا على تذوق الآداب، فضلا عن غيرها من الفنون، وهى مشكلة تفرض علينا أن نتوقف، ونصارح أنفسنا بالوضع المؤسف الذى وصل إليه حال التعليم فى بلادنا فى كل مراحله.

ويواصل عيد تحليل هذه الظاهرة المؤسفة قائلا: هذا النائب المسكين ابن لهذه المؤسسات التعليمية، التى ارتضت لنفسها أن تقوم بدور مانح الشهادة وليس بناء الإنسان عقلا وجسدا، ولهذا فليس لنا أن نستنكر ما قاله النائب، هذا النائب بالتأكيد لم يقرأ سطرا لنجيب محفوظ، وحتى لو قرأ، فهو لم يتعلم إطلاقًا كيف يمكنه أن يقرأ فنا أو أدبا، لأن مؤسساتنا توقفت منذ عقود عن ممارسة هذا الدور، هذا النائب إذن صادق فى دعواه، وحريص على حماية ما يقول إنه :"الحياء"... !

ويختتم عيد حديثه قائلا: فى غياب الوعي، ولا وعى بلا تعليم حقيقي، فمن الطبيعى أن تختل الأولويات لدى الناخب، ليأتى بمثل هذا النائب، وأن تختل الأولويات عند هذا النائب الذى لم ينشغل بأزماتنا الاجتماعية والتعليمية وراح يتحدث عن شيء لا يعرفه، ولا يمكنه أن يعرفه، وهو الأدب فى ذروته البلاغية عند نجيب محفوظ...! فما  يمكننا استخلاصه فى جملة واحدة: أنه لم يعد من المقبول إطلاقًا أن يترك التعليم هكذا.

الدكتور عادل ضرغام، أستاذ النقد الأدبى بكلية دار العلوم جامعة الفيوم يقول: إن يدور هذا الكلام فى سياق مناقشة موضوع فى لجنة من لجان مجلس النواب، يشير إلى أن هناك تحولات فارقة أصابت العقل المصري، والنخبة السياسية المصرية، التى كانت فى لحظات زمنية سابقة تتدثر وتحمى نفسها بثقافة عميقة، وتستند إلى معرفة مبنية على معايشة السياقات الحياتية والفكرية، ولا تكتفى بإصدار أحكام مسبقة مبنية على السماع أو على مشاهدة رؤية أو مقاربة أو وجهة نظر أو اختيار من خلال عمل سينمائي، يختار جزئيات محددة من العمل الأدبي، ومشدود فى سياقه إلى تقديم إعادة قراءة النص الأدبى .

ويضيف ضرغام: لقد فقد المصريون فنا كانوا يجيدونه بشكل لافت للنظر فى النصف الأول من القرن العشرين، وهو فن صناعة النموذج، فى كل المجالات، فى الفن والأدب والغناء، ولكننا فى اللحظة الآنية لم نفقد هذا الفن فقط، بل أصبحنا نجيد فن تحطيم نماذجنا، التى شهد العالم بفضلها وقيمتها، وإن تأخر هذا الاعتراف ثلاثين عاما على الأقل.نحطم هذه النماذج من خلال إساءة القراءة، فيفقد الفن من خلال هذه الإساءة صيرورته الحضارية، فالفنون والآداب بشكل عام تحتاج إلى تفعيل وتخصيب، ومن خلال هذين النسقين تتولد الصيرورة الحضارية فى انفتاح النصوص على الخارج، بحيث تكون الفاعلية قائمة بينهما على الأخذ والعطاء، فتتولد الحضارة من خلال سلوك البشر وردود أفعالهم.

ويختتم ضرغام حديثه قائلا: ما قاله النائب عن خدش روايات نجيب محفوظ للحياء يفتح الباب لإدراك تحول ما، يتمثل فى التحول التدريجى للمثقف والسياسي، فالمثقف لم يعد سياسيا، والسياسى لم يعد مثقفا، وهذا تحول تولد نتيجة لمتغيرات عاصفة، مارست تأثيرها على الحياة المصرية فى العقود الأخيرة، فالدولة لطبيعتها الخاصة حاولت أن تجرد المثقفين من قيمتهم الحقيقية أو نموهم الطبيعى داخل هذا الإطار، فتولد لديهم الاهتمام بالثقافة دون أن يهتموا بوجود صدى وصيرورة وأثر لثقافتهم.أما التحولات الخاصة بوصول سياسيين غير مثقفين فهذا ربما يعود فى وجه من وجوهه إلى تغول التيارات الدينية، التى تملك مقاييس أو سننا مغايرة للمقاييس المعهودة فى ذلك السياق.

الدكتور سعيد شوقي، أستاذ النقد الأدبى بكلية الآداب جامعة المنوفية، يقول: عندما يتحول المجتمع إلى كومة من التراب يصير أعلاه مثل أسفله وأسفله مثل أعلاه ويسهل حينئذ تقليبه دون شعور بتغير قيمة. عندها يصير نجيب محفوظ مثل الراقصتين برديس وشاكيرا متهما بخدش الحياء. محفوظ الذى قدم اللغة العربية على نفسه بوصفها الفائز الأول بنوبل حين قال "أرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثى إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم، ولكنها هى الفائز الحقيقى بالجائزة فمن الواجب أن تسبح أنغامها فى واحتكم الحضارية لأول مرة يصبح خادشا للحياء". محفوظ الذى قال "أنا ابن حضارتين تزوجتا فى عصر من عصور التاريخ زواجا موفقا؛ أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهى الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهى الحضارة الإسلامية" يصبح خادشا للحياء . محفوظ الذى كتب عنه د. محمد حسن عبد الله كتابه "الإسلامية والروحية فى أدب نجيب محفوظ" يصبح خادشا للحياء . محفوظ الذى طالب د. رجاء عيد بأن تؤخذ قواعد النحو من رواياته يصبح خادشا للحياء.

ويضيف شوقى قائلا: إن ما أصاب محفوظ لم يكن من محفوظ ذاته، ولكن من جلدنا لذواتنا وتتبعنا لغريزتنا القاتلة التى ستودى بنا حتما. الخادش للحياء حقا هو من يرى نجيب محفوظ خادشا للحياء. لذا توجب علينا أن نعيد تثمين القمم عاليا، ووضعهم فى المكان المستحق، وأتمنى من الدولة أن تسارع بإعظام متحف نجيب محفوظ.

أما الشاعرة الدكتورة نجاة علي، الذى كان نجيب محفوظ محور دراستها الأكاديمية فتقول: من الواضح من تصريحات النائب أبو المعاطى مصطفى أنه لا علاقة له بروايات أو أدب نجيب محفوظ بشكل عام، فالرجل بالكاد يعرف أسماء بعض رواياته التى تحولت لروايات سينمائية، وبإمكانكم أن تسألوه مباشرة ، وسوف تصابون بالصدمة وبخيبة الأمل، حين تتأكدون أن هذا النائب  مجرد نسخة من السلفيين والإخوان فى أفكارهم وفى علاقتهم بالأدب والجمال. فهم لم يتلقوا التربية الجمالية التى تؤهلهم لقراءة الأدب وتأويله. لذلك لا تسمع منهم غير الكلام الأخلاقى البعيد عن روح الفن.

وتضيف نجاة: الشيء المؤسف بالنسبة لى حقا أن هذا الشخص الذى أساء لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ هو نائب بالبرلمان المصري، الذى من مهامه الدفاع عن حرية التعبير، فى وقت نشهد فيه هجمة شرسة  لعلها الأسوأ فى تاريخ مصر على الإطلاق على  حرية الكلمة. وذلك بعد صدور عدد من الأحكام القضائية ضد بعض الكتاب والمبدعين. الشيء المؤكد لى أن هناك تربصا  دائما  من جانب بعض التيارات الإسلامية بنجيب محفوظ حيا وميتا، فقد  كفروه وحاولوا اغتياله أثناء حياته، ولم يتمكنوا من نسيانه حتى بعد أن مات وترك لهم الحياة. أعتقد أن كراهيتهم لنجيب محفوظ مبنية عما أشيع  من تأويلات خاطئة لرواية نجيب محفوظ إلى جانب أن محفوظ  فضح  فى كتابته الروائية تعصب وزيف الإخوان والمتمسحين فى الدين.

وتختتم نجاة كلامها قائلة: نجيب محفوظ هذا الهرم الكبير الذى نباهى به الأمم ويفتخر به كل عربي، فهو أكبر مشروع روائى عربى على الإطلاق حتى الآن، ولا يستحق منا أن نهينه هكذا.. وأين؟ تحت قبة البرلمان المصري. وأرى ضرورة أن يحاسب هذا النائب عن إساءته لنجيب محفوظ حتى لا يُترك الأمر هكذا.. وتصبح الموضة من وقت إلى آخر هى التهجم على  محفوظ من أجل الحصول على شهرة سريعة.