الجمعة, تشرين2/نوفمبر 24, 2017

رئيس مجلس الإدارة :حسين زين رئيس التحرير :خالدحنفى

btttttthtj.jpg

فى الحقيقة بدأ يومى عادياً جداً، أفكر فى حياتنا التى تتآكل شيئاً فشيئاً مع ارتفاع الأسعار الجنونى الذى يتحكم فيه ما يطلق عليه الاقتصاد العالمي، وإن كنت لا أؤمن بهذه القضية، فطالما كنت أجد أمى دمياطية الأصل كيف كانت تبدو كأعظم رجل اقتصاد فى العالم، وهى تدير البيت وتوفر لنا حياة كريمة فى ظل دخل محدود، وقت أن كانت سنوات التهجير بعد سنة١٩٦٧ تلقى بظلالها على حياتنا نحن أبنائها الخمسة فى الغربة، بينما أبى فضل أن يبقى على خط النار فى بورسعيد..
وهكذا مر الصباح مثل كل صباح فى أيامنا هذه متوتر كعضلة ملاكم، إلى أن هاتفت الدكتور أحمد المقدم فى سويسرا لأهنئه بالشهر الكريم وأرطب أيامى تلك بالحديث الجميل معه، والمختلف عن ذكرياته مع صديقه عبد الحليم حافظ، ففى جعبته الكثير من الذكريات والأسرار والحكايات، ولمن لا يعرف الدكتور أحمد المقدم أقول: إنه رجل مصرى ترجع أصوله إلى مدينة دمياط، ويعد من أعظم خبراء الاقتصاد فى العالم لدرجه أن" المرأة الحديدية" أو مارجريت تاتشر رئيسة وزراء انجلترا السابقة اختارته ليكون مستشارها للشئون الاقتصادية لإنجلترا العظمي، ويجمعنى به حبنا للمدينة التى عشت فيها طفولتى رأس البر، التى كانت تدعى شاطئ المشاهير مثل أم كلثوم وحليم وعبد الوهاب، فأنا لا أمل من سماع حكاياته عنها أيضاً، فهو موسوعة فنية ثقافية يمتلك روحاً غاية فى الرقة والعذوبة حين يبدأ فى الكلام عن أى موضوع كان، ناهيك عن عشقه لمصر، المهم أن المخبرة الصحفية داخلى لم تفوت الفرصة هذا الصباح، ووجدت نفسى متلبسة بالجرم المشهود أسأل المقدم صاحب الأفكار والنظريات الاقتصادية الرائعة عن وجهة نظره كخبير اقتصادى فى الغلاء وارتفاع الأسعار الذى يعيشه المجتمع المصرى والعربى اليوم، وإذ به يفاجئنى بنظرياته الخارقة عن ماهية الاقتصاد، وكيف اخترع ليخدم الشعوب ويحقق السعادة للبشر، ولكن إذ به يلقى بهم فى عتمة السياسة حين تم الزواج الكاثوليكى بينهما، فى الحقيقة راق لى فكر صديقى المقدم، وبدت كلماته وتشخيصه للحالة التى وصل إليها الاقتصاد المصرى كطبيب يعرف المرض وعلاجه ولكن الصيدلية خربة، فمن وجهة نظر المقدم، أن الاقتصاد هو علم الرفاهية والسعادة وليس اقتصاداً سياسياً كما يدعون الاقتصاد يهدف فى المقام الأول إلى تحقيق الرفاهية للجميع، والتى هى مكون رئيسى للسعادة أيضا للجميع، وليست لفئة دون غيرها، وميكانيكية تحقيق ذلك هى تحقق التوافق- أو مايسمى بالتوازن- بين مطالب الجميع والمتاح للجميع، وباستخدام ما قاله "آدم سميث" مؤسس علم الاقتصاد الحديث كما يقول المقدم، فان تحقيق هذا التوافق أو التوازن يكون عن طريق ما أسماه "اليد الخفية " والتى تستند فقط على قرارات رشيدة للإنسان، وأن هذه اليد الخفية تعمل لتحقيق الرفاهية والسعاده "للجميع"، ولذا كان كتابه الذى هو أساس علم الاقتصاد الحديث اسمه "ثروة الشعوب " وليس ثروة شعب أو جزء من شعب، والسؤال هنا كما يقول المقدم: لماذا لم تتحقق الرفاهية والسعادة للجميع؟
الإجابة المبسطة كما يراها المقدم تكمن فى تحريف اسم هذا العلم ليصبح " الاقتصاد السياسى " والذى يرجع فى الأساس إلى "كارل ماركس" ومحاولة تبرير الحكم الدكتاتورى الماركسي، والذى قام على أكبر خديعة فى تاريخ البشرية، والذى جعل الاقتصاد ملكاً للساسة وللحكم الديكتاتورى الذى دمر الانسان ومازال يدمره، هذا الإنسان الذى خلقه الله حراً
قلت لمحدثي: ولكن ما بين سميث وماركس عاشت الشعوب أكثر من سبعين عاماً، فكيف تحققت لهم السعادة اقتصادياً من خلال تلك اليد الخفية إن كان وتحققت؟ ثم جاء ماركس بنظرياته التى تقف فى صف العمال من خلال شعاره"ياعمال العالم اتحدوا"، فكيف أضاعت تلك النظريات حق الشعوب فى السعادة، وماذا إذا كان عصرنا يشهد المتاح ولكن ليس للجميع، وهنا تكمن المشكلة أن الاقتصاد بات يخدم شعب وليس كل الشعوب، فأى شعب يخدمه الاقتصاد بعدما سيسوه؟
يقول المقدم: كتابى آدم سميث الأول"ثروة الشعوب ١٧٧٦،وكتاب ماركس"البيان الشيوعى ١٨٤٨، تم اختيارهما فى الواقع، الأول أدى إلى حكم ديمقراطي، وإن كان إمبريالياً وإقتصاداً متقدماً، والعكس فى التطبيق الماركسى الفاشل، أما الاشتراكية فهى كالراقصة التى ترقص على السلالم ولا يراها أحد، ولذا أنا أدعو إلى نظام رأسمالى ذى ضمير مجتمعي، قلت لمحدثي: وكيف تضمن أن يكون هناك ضمير في" الرأس ـ مالية" ؟
الضمير المجتمعى كما خلقنا الله سبحانه وتعالى هو الأصل والعكس هو الاستثناء ويتطلب فى المقام الأول مناخاً من الحرية
قلت لمحدثي: ولكن مع الوضع الاقتصادى الحالى للعامة من الشعب وغياب ضمير الرأسمالية الحرة مما جعل المواطن يدفع الثمن، ترى أين المخرج؟
الحرية هى البداية، ومعها الحكم الرشيد واحترام القيم الإنسانية والأخلاقية، كيف التنفيذ؟ هذا هو التحدى انتهى الحوار مع د. أحمد المقدم لأنزوى أنا فى ركن من بيتى أفكر على طريقة السلاطين القدماء:"من عنده طريقة لتخفيض الأسعار خلال أشهر ثلاثة فليتقدم، إذا نجح سأعينه وزيراً، وإذا أخفق سأقتله"..هكذا على طريقة السلاطين القدماء، جاء أيضا اعلان "سوكارنو" أول رئيس لإندونسيا فى الستينيات من القرن الماضي، عندما تفاقمت مشكلة ارتفاع الأسعار، وبعدما أعيته الحلول التقدمية وغيرها لحل مشكلة الغلاء، وبعد أن اقتنع أن المسئولين فى الدولة يمارسون الحكم للحكم، فراح يبحث عن أى انسان يعينه وزيراً دون أن يشترط فى المتقدم للوظيفة أية كفاءة من الكفاءات العصرية الحديثة، كالمهارة الحزبية، أو المكر السياسى لا شئ سوى أن يكون لديه الحل لخدمة الشعب وانقاذه من الغلاء، وعلى طريقة السلاطين القديمة من نجح استحق أن يحكم، ومن فشل قتل، وربما بالشنق فى ميدان عام ليكون عبرة لغيره ونحن فى مصر أو أى دولة عربية ممن تكوى شعوبها نار الأسعار والغلاء، وقد أعيتنا الحلول التى تزيد التاجر الفاحش ثراءً، وتعبنا من التنظيرات الاقتصادية، وتحليلات خبراء الاقتصاد فى برامج التوك شو التى لا تقدم حلولاً ولا تغنى عن جوع، ترى أى صدى يثير هذا الحل"السلطاني" فى نفوسنا إذا ما أعلنه الحاكم؟
ترى ماذا يحدث لو صمم المواطن على أن يكون له عيد حقيقى يحتفل فيه بجلاء الغلاء وخفض الأسعار، عيد يأكل فيه اللحم بسعر معقول ولو على طريقة السلاطين القدماء، فنحن من جديد على أبواب شهر كريم وعيد، ومن بعده عيد الأضحي، ومن جديد يخرج علينا المسئولون بالوعود، لا شئ سوى الوعود والأمنيات، واحتفالات ومهرجانات وتجمعات، ثم لا شئ، الكبش الوحيد الذى سيذبح مع العيد هو المواطن الغلبان.
نبضة مسافر
كل مواطن مسؤول عن الظلم الذي يصيب أي مواطن آخر في الجماعة
« أناتول فرانس »