الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : خالد اسماعيل

ttuukkvgg.jpg

عبدالله غيث، رحمه الله.. فنان كبير أو "مشخصاتى معلم"، ومن أفلامه الجميلة التي ظهرت فيها قدراته فيلم "الرسالة" – قدم دور حمزة بن عبدالمطلب الصحابى الجليل - ورغم الفقر الإنتاجى واختلاف الموضوع فى فيلم "أدهم الشرقاوى"، فقد قدم عبدالله غيث صورة "البطل الشعبى" كما هى مرسومة فى أذهان الفلاحين والعربان فى قرى مصر، فالبطل فى أذهان أهلنا فى الريف والبادية يمتلك خصائص نفسية منها الدفاع عن "الفقير" ونصرة الضعيف، والذكاء والشجاعة. وقد قدم "سعد الدين وهبة" فى سيناريو "أدهم الشرقاوى" صورة البطل الشعبى كما هى موجودة فى "سيرة الظاهر بيبرس" و "سيرة بنى هلال" وغيرهما من السير والمرويات الشعبية، وبالطبع سوف يقول البعض إن "أدهم الشرقاوى" لم يكن بطلا شعبيا، بل إن أحدهم يكره "أدهم" لأنه قتل جده "الفلاح" فى عشرينات القرن الماضى، لكن هذا ليس مجال حديثنا ، فنحن نتحدث عن "عبدالله غيث" الممثل الكبير، الذى ينتمى إلى "المسرح" انتماء كليا، وهذا الانتماء لم يمنعه من النجاح فى السينما والتليفزيون.. عندك مثلا مسلسل "المال والبنون" وهو مسلسل تليفزيونى حقق نجاحا كبيرا، وأعتقد أن دور "عبدالله غيث" كان من الأدوار المميزة فى هذا المسلسل، وكذلك فيلم "السمان والخريف" وفيلم " ثمن الحرية"، وغير ذلك الكثير من الأعمال، كلها رسخت أقدام "عبدالله غيث" فى عالم التمثيل، وفى "الإذاعة" رغم أنها تعتمد على "الأداء الصوتى" وحده، وجميع المسلسلات التى اشترك فيها "عبدالله غيث" برع فى أدائه الصوتى فيها.
وهذا النجاح الفنى الذى حققه ذلك الفنان الكبير الراحل له أسبابه، ومنها الخصائص الجسدية، فهو يمتلك خصائص جسدية تجعله أقرب إلى الشاب "المعجبانى" - أو يونس العجبان الذى أحبته عزيزة فى سيرة بنى هلال - ويمتلك "العلم" والدراسة التى جعلته يجيد فهم "السيناريو" ويتقمص الشخصية بهدوء ونعومة، تجعل المشاهد يقتنع بأدائه. ورغم أنه"ابن المسرح" فإنه كان يعرف الفارق بين السينما والمسرح والتليفزيون، فلم يقع فى فخ "الأفورة" والمبالغة، والسبب الأهم فى نجاح "عبدالله غيث" هو امتلاك "الخبرة" بالشخصيات التى يؤديها، فهو "شرقاوى" عاش شبابه فى كفر "الشلشلمون " مركز "منيا القمح"، ولم يكن "أفندى ولد مدارس" كما يقولون فى الريف، ومن خلال هذه "الخبرات" استطاع أن يحقق معنى "التمثيل" القائم على "الصدق" و"الاندماج"، وهو من "القلة" التى اعتمدت هذا الأسلوب فى مشوارها الفنى، لكنه حقق تميزه الخاص، فهو لم يقع تحت تأثير أى من الرواد "زكى رستم ، محمود المليجى.."، بل صنع شخصيته واستطاع أن يحجز لنفسه مكاناً رغم وجود هؤلاء الكبار ورغم قوة حضورهم. رحم الله الفنان الكبير الأصيل "عبدالله غيث".
الفن الشعبى.. لماذا اختفى من الإذاعة والتليفزيون؟!
عندما نتحدث عن التراث الشعبى خاصة "الفنون الشعبية" وعلاقة هذا التراث أو هذه الفنون بالإعلام، فنحن نتحدث عن "دور" أساسى يجب أن يقوم به "الإعلام الوطنى".. فمن ضمن التعريف الخاص بمعنى "الوطنية" إبراز ثقافة "الوطن" وتقديمها للشعب، حتى تتم عملية "الاتصال الحضارى" أو "التواصل" التى هى ركن أساسى من أركان " الهوية".. فمثلاً عندما نقول إن الشعب المصرى لم يعرف معنى "القطع الحضارى" فنحن نقصد أن فى المكون الثقافى - الحالى - آثارا ومأثورات يعود تاريخ إنتاجها إلى عصر الأسرات الفرعونية وما قبلها.. لكن فى ظل ثورة الاتصالات، وهيمنة "العولمة الأمريكية" على "عقول" الطبقات المثقفة، أصبح هذا "التواصل الحضارى" فى خطر، والحائط الوحيد القادر على صد "الهجمة" العولمية الأمريكية هو حائط "التراث الشعبى".
ولعل إعلام مصر الوطنى تنبه إلى ذلك فى سنوات مضت، فكانت الإذاعة تخصص وقتا أسبوعيا لتقديم فنون الغناء الشعبى، وكان هناك برنامج "السامر" الذى يعده ويكتبه المثقف الوطنى الكبير زكريا الحجاوى، وكان هناك "أنغام من بلدنا" وكان يقدمه سيد على السيد، وكانت إذاعة البرنامج الثانى "الثقافى حاليا" تخصص مساحة ثابتة على خريطتها للفنون الشعبية، وكانت القناة الأولى للتليفزيون المصرى تقدم برنامج الفن الشعبى، وكان يتناوب على تقديمه أكاديميون متخصصون فى الفلكلور، وفجأة، اختفى هذا كله من جميع القنوات والإذاعات، ليصبح "الإعلام المصرى" حاليا من الفنون المصرية، وهذا خلل وخطأ يجب إصلاحه، حتى تستطيع الأجيال الجديدة متابعة هذا الإعلام والثقة فى رسالته، ولعل موقع "يوتيوب" على شبكة "الإنترنت" أصبح هو البديل الذى يحتوى أعمال المبدعين الشعبيين، وهو الموقع الوحيد الذى يقدم هذه الخدمة للراغبين فيها.. لكن ما يهمنا هنا أن يعود الإعلام المصرى - كما كان - إعلاماً وطنى الهوى والهويّة، وهذا لا يعنى الانعزال عن الدنيا، لكن كل ما أرجوه هو أن نعطى ثقافة الشعب المصرى مساحة من وقت الإذاعة والتليفزيون، ومن الواجب على كل إعلامى أن يعتبر الاهتمام بفنون الشعب المصرى جزءاً أصيلاً من رسالته، وقد يقول قائل إن الإذاعة تقدم بعض الأغنيات الشعبية، وكذا وكذا، ولهذا القائل أقول إن موقع "يوتيوب" يقدم ما كانت تقدمه الإذاعة والتليفزيون المصريان فى سنوات مضت، ومن حقنا - نحن المواطنين - أن نتمتع بفنون شعبنا على قنوات وإذاعات الوطن.