الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : وفاء عوض

kkkooou77.jpg

وادى العسل.. بوابة الفرح البرىء المعافي، وعتبة الصحة للمتعبين .. وادى العسل.. آخر وادى عذراء فى الطبيعة..أنا لا أتحدث عن مكان فوق سطح القمر أو فى كوكب المريخ، لكننى أتحدث عن مكان استشفاء من صنع الله تعالى منسى هناك فى جنوب سينا ء المباركة، على بعد ٩ كيلو من مدينة رأس سدر.
لقد ظلت العجوز البدوية سليمانة التى قابلتها فى إحدى غابات رأس سدر ترعى الأغنام فى الغابة المنسية هناك، ظلت تنصحنى بأن أذهب إلى العيون الكبريتية فى وادى العسل، واستحم بها حين لاحظت أننى أشكو من آلام بركبتي، وكعادتى حين يتعلق الأمر بصحتى نسيت الأمر، ولكن حين اشتد بى الألم تذكرت كلمات سليمانة بينما كنت فى رحلة أخيرة إلى رأس سدر التى أعشقها، وفى الصباح كان أول شئ فعلته أن وضعت نفسى داخل سيارتى لأمشى باتجاه المجهول حيث نصحتنى سليمانة بالعين الكبريتية فى وادى العسل.الطريق من مقر إقامتى على ساحل رأس سدر، وحتى العين الكبريتية يبلغ حوالى ١٠ كيلو متر، والسيارة تبحر بى وسط الصحراء فى بحر من الرمال والطوب والزلط ، فالطريق كله مدقات وغير معبد أو مهيأ لأى رحلة آدميه رغم أنه قريب جدا من الطريق الرئيسى لمدينة شرم الشيخ السياحية، وأنت لا تستطيع الوصول إليه دون الاستعانة بدليل من البدو المقيمين فى تلك المنطقة الوعرة المنسية من أى اهتمام من المسئولين وصانعى القرار فى هذا البلد رغم أهميتها، ليس على مستوى السياحة فقط، بل حتى على المستوى الأمني، رغم ما نمر به من ظرف حيث يعشعش فيه الإرهاب فى كل شبر من سيناء!.
المهم، بعد رحلة من العذاب وسط الصحراء القاحلة، ها هو وادى العسل، ينبسط أمامك والمدي، وتفتح لك الأرض الخصبة ذراعيها، ليشير مرافقى إلى مجموعة أشجار تنتصب بعيدا قائلا: هناك عند تلك الأشجار، توجد العين الكبريتية.. تدريجيا تتبدى ملامح البادية، ونحن نمعن اقترابا بصعوبة إلى تلك العين، هاهو بقايا حمام ساونا بعيدا، وأشلاء بيت صغير منصوب فى الأفق، وبقع المياه متفرقة فى المدى الصحراوي، وحين وصلت إلى العين الكبريتية للاستشفاء أدهشنى أنه بالفعل كانت ألسنة الدخان تتصاعد من العين الكبريتية وتتدفق المياه بغزارة قادمة من الأرض لتصنع لنفسها مجرى مائى تتفرع من خلاله إلى بحيرتين صغيرتين أحداهما دافئة والأخرى تصل درجة حرارتها فى بعض الأماكن إلى ٢٠٠ درجة مئوية، كما أن رائحة الكبريت كانت نفاذه إلى درجة أن وصلتنى قبل إن أصل إلى العين بحوالى كيلو متر، كان المشهد خارق للعادة، أشجار وماء ساخن وصحراء وجبال وسماء صافية ورياح تحمل نسمات رقيقة، ما كل هذا البهاء، ولكن ما أحزننى وصدمنى بالفعل أن المكان خارج عن التاريخ والحضارة والنظافه وكل شيئ، الطحالب والطين ومخلفات ما تيسر من بشر يمرون بالمكان تغوص فى مجرى العين، حتى أنه كما رأيت، كانت هناك شاحنه يحاول سائقها الدخول بها لغسلها فى البحيرة الكبريتية، وكان هناك بلدوزر منع الحاج أبو محمود وهو من بدو سيناء ويعيش وأسرته فى قرية أبو صويرة، سائقه من الدخول به إلى البحيرة، ومضى البلدوزر تاركا داخلى حزنا معدنيا ثقيلا جعلنى أتساءل بينما كنت اقف داخل البحيرة للعلاج: لماذا رأس سدر بكل ما تملك من ثروة سياحة استشفائية طبيعية، مظلومة إلى حد أن هذه الثروة السياحية الفريدة تصبح مغسلة سيارات؟
ويتلاشى المشهد الحزين، وأنسى منظر البلدوزر بسرعة ويبدو لى المشهد طالعا من أحشاء التاريخ وحكايا العرب البدو القديمة، وها أنا أحاول أن أستمتع بهذا البهاء الكونى الرائع من حولي، ففى وادى العسل يستقبلك النسيان، يمسح عن قلبك كدماته، وعن جسدك آلامه وعناء السنيين، فى صحراء خرافيه الجمال، بدائية الطابع وبكر، لدرجة أن يقف الإنسان حائرا، متسائلا: من أين تأتى كل تلك المياه التى تصنع لنفسها مجري، وتصب فى بحيرات صغيرة وتفوح منها رائحة الكبريت النفاذة، وتتصاعد منها الأدخنة، فالمياه تسير بعد خروجها فى قناة حفرتها لنفسها طولها 100متر حتى تستقر فى منخفض عمقه حوالى 2 متر ومساحته لا تقل عن 150 مترا، ويمثل حمام سباحة طبيعى درجة حرارته تتدرج من الساخن جداً إلى الساخن إلى الدافئ، وتتراوح كمية المياه التى تخرج من العين بـ 20 مترا مكعبا من المياه يومياً، ويقول عم محمود الذى يستقبل الزائرين منذ أكثر من ١٥ عاما، أن الاستحمام فى العين صيفاً متعة حيث تقل تيارات الهواء التى لا يحجزها عن هذا المكان شتاءً أى حواجز، وذلك لعدم وجود أى مصدات هواء حول العين لذلك تم زرع سور شجرى كثيف حول المساحة المستغلة بأشجار مختلفة الكثافة والأطوال لتقليل التيارات الهوائية ومنعها فى الشتاء .
ويغلبك فضولك الإنسانى فتقرر أن تغوص مثلى فى تلك المياه، وحين تفعل يصدر الزمان عنك عفوا عاما، ويغفر لك أحزانك ولوعاتك، ويزين جراح نفسك وجسدك، بينما اصوات الطبيعة التى نسيتها منذ زمن بعيد توقظ فى أعماقى أشياء مبهمة منسية وأحاسيس غامضة، وقد ارتدت قناعا مائيا لتغادر البحيرة الكبريتية دون أن تختنق، بل أنك تحس براحة عجيبة وكأن هناك آلاف الكائنات غير المرئيه التى تمتص من بين مسام جسدك كل ما يلهبه.
وحين تستلقى فوق العشب الأخضر تحت الشجر بينما العجوز البدوى أبو محمود، يبدأ فى إشعال موقده بالحطب ليقدم إليك ألذ شاى فى الدنيا، يبدأ الحزن يحوم حولك كالشبح، فإذا بالغروب يطارده بعيدا ليختفى مع قرص الشمس فى الأفق، أما إذا طاردتك الذكريات الحزينة بينما أنت ممدد مثلى بين البحيرة والأشجار، أحرقتها كل تلك الأدخنة المنبعثة من المياه من حولك.
كنت أجلس بجانب أبو محمود الذى أخذ يحكى لى بحسرة عن حمام السونا الرائع الذى تم هدمه بالكامل ولم يتبق منه غير أثره، وعن رواد العين الذين كفوا عن زيارة العين منذ زمن بعدما صدرت أوامر بانهاء حفلات السمر الليلية ورحلات الكامب حول العين، وتم هجرها تماما لتصبح مغسلة للشاحنات المارة.
فهل يعقل أن جزءاً من سيناء أرض الفيروز، التى حباها الله بأن تكون أفضل منطقة فى العالم بما تمتلكه من كنوز بيئية تؤهلها لتكون أغنى مدينة على وجه الأرض، إن يصل إهمال الدولة لها إلى هذا الحد، بينما الاهتمام كله يولى وجهه إلى مدينة شرم الشيخ، ويهمش باقى المدن التى تضمها سيناء، ومنها رأس سدر والتى سمى الطريق المؤدى إليها"طريق الموت" لتعدد حوادث الطرق عليه لعدم وجود أى خدمات على الطريق، وأيضا عدم ازدواجية الطريق وافتقار المنطقة لمطار يساعد على الحركة السياحة الأجنبية والداخلية أيضا إلى جانب مطالب واحتياجات أخرى للمنطقة لتؤهلها إلى وضعها وبقوة على الخريطة السياحية.
ومرت الساعات وجفت ملابسى تماما، ولم يعد بها غير رائحة اليود، وجلست بجانب عم محمود أحتسى الشاى بالنعناع السعودى - على حد قوله- بينما كانت هناك كائنات الوادى تشاركنى رقصة الامتنان للحياة حتى غابت الشمس، واحتل الهلال مكانه فى السماء، ورحلت أنا من جديد إلى رأس سدر، يصاحبنى الصبى محمود، لأنام منهكة بعد يوم طويل، سبحت فيه فى العين الكبريتية ساكبة على جلدى إنهار العسل الكاوية والدفء.
نبضة مسافرة
ماترحل البحار بحثا عن موجود هنا.
« هوراس »