الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : خالد اسماعيل

i86ooo.jpg

الإذاعة المصرية عاشت مرحلة ازدهار درامى فى القرن الماضى، وهى التى دخلت حياة الشعب المصرى فى 31 مايو 1934، وكانت تسمى الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية، ومن دلائل الازدهار الدرامى مسلسل "على الزيبق" من تأليف الإذاعى "فاروق خورشيد"، أحد البارزين فى مجال "الأدب الشعبى"، وتولى موقع مدير "إذاعة الشعب" قبل أن تلغى وتحل محلها عشر محطات إذاعية موزعة على أقاليم مصر. و"على الزيبق" قصة أعدها للإذاعة الكاتب المسرحى "ميخائيل رومان"، وأخرجها "إسماعيل العادلى"، وهنا نحن لا نسعى إلى إثبات حقيقة وجود شخصية "على الزيبق" فى التاريخ، بل نسعى إلى فهم هذا النص الإبداعى المستند إلى وقائع من حياة الشعب المصرى فى ظل دولة المماليك الثانية ودولة "المماليك والعثمانيين" التى ظهرت إلى الوجود عقب مقتل السلطان المملوكى "قنصوه الغورى" ثم مقتل "طومان باى" فى بداية القرن السادس عشر الميلادى، وتلك الحقبة تميزت بالقمع الشديد من جانب هؤلاء الحكام الأغراب للفلاح المصرى، وتميزت فى الوقت ذاته بالمقاومة السلبية من جانب المصريين، والمقاومة السلبية تعنى إطلاق النكات وتقديم تمثيليات خيال الظل، واستنطاق "الأراجوز" بكلمات نقد ضد هؤلاء القتلة اللصوص السفاحين، ولما أدرك المماليك ومن بعدهم العثمانيون خطورة هذه المقاومة السلبية، حاولوا تجريم "خيال الظل"، وهو نوع من الفن المسرحى البدائى وحاولوا مطاردة لاعبى الأراجوز أو "القراقوز" ولم تفلح محاولاتهم. و"على الزيبق" لا يختلف كثيرا عن "عتمان بن الحِبلَة" الذى ظهر فى السيرة الشعبية "الظاهر بيبرس"، وهى واحدة من السير الشعبية عظيمة القدر فى الأدب الشعبى المصرى، وقد اخترعها الشعب اختراعا ليقدس بها ذكرى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدراى أحد أبطال التصدى للمغول والصليبيين تحت قيادة "سيف الدين قطز"، وهو الذى قتل "قطز" - رغم انتصاراته الحربية. والشعب المصرى اختار "بيبرس" وجعله رمزا للبطولة فى السيرة المعروفة باسمه، وهؤلاء الأبطال "دليلة والزيبق وبيبرس" تجمعهم صفة العدل، فالمصرى الذكى "على الزيبق" هو الذى قاوم جور الشراكسة وقائدهم "صلاح الدين الكلبى"، وفعل به الأفاعيل وحوله من أمير مهيب الطلعة إلى "مملوك مسخرة"، لأن "الكلبى" حسب ما رواه فاروق خورشيد هو قاتل "حسن راس الغول" والد "على الزيبق". والمسلسل الإذاعى المأخوذ عن هذه القصة قام ببطولته عدد من فنانى ذلك الزمان، من بينهم "زوزو نبيل" صاحبة "النبرة" المميزة، والإعداد للإذاعة الذى كتبه "ميخائيل رومان" كان متميزا من حيث الوعى بخصوصية وثقافة كل شخصية. و"رومان" كاتب مسرحى ظهر فى فترة ازدهار المسرح المصرى وله مسرحيات مهمة مطبوعة فى كتب، والإخراج لـ"إسماعيل العادلى" كان راقى المستوى، من حيث إدراك أن الصوت والموسيقى هما فقط كل ما يملكه المخرج والممثل الإذاعى، وقد استطاع المخرج "إسماعيل العادلى" أن يجعلنا نعيش فى "العصر المملوكى"، أما الفنان المسرحى الكبير "عبدالرحمن أبوزهرة" فقد قدم واحدا من أهم أدواره فى حياته الفنية الطويلة، وكان مقنعا فى تقديمه كل "المسامع" التى شاء بها المؤلف والمخرج رسم شخصية "البطل الشعبى" ابن البلد على الزيبق، وفى اعتقادى أن هذا المسلسل الإذاعى تفوق من حيث القيمة الفنية على المسلسل التليفزيونى المأخوذ عن القصة ذاتها، وقام ببطولته فاروق الفيشاوى.
نجم وإمام.. هدية الإذاعة المصرية للشعوب العربية
عقب وقوع هزيمة "5 يونيو 1967"، ظهر الثنائى "الشيخ إمام وفؤاد نجم"، وكان ظهورهما ردة فعل على "الهزيمة" القاسية التى راح ضحيتها الآلاف من "شبان" الجيش المصرى. وقد لا يعلم الكثيرون أن الكاتب الصحفى والناقد الأدبى "رجاء النقاش" هو من قدم "إمام ونجم" لمستمعى "صوت العرب" فى ذلك الزمان، من خلال "لقاءات" ومقابلات عبر أثير إذاعة "العرب" التى ظهرت فى عام "1953" على هيئة برنامج يحمل اسم "صوت العرب"، ثم رأت القيادة السياسية إمكانية توظيف هذه الإذاعة فى خدمة قضية القومية العربية، وهى القضية التى عاش من أجلها "عبدالناصر" وتنازع حولها وحول شعاراتها مع "حزب البعث" الذى رفع الشعار ذاته، وكان ظهور هذا الحزب ثمرة لنظرية وضعها المفكر القومى "ميشيل عفلق" فى سوريا، ثم انطلقت إلى العراق، وظهر "عبدالناصر" بنظرية لا تختلف كثيرا عما طرحه "البعثيون". ونعود إلى"إمام ونجم" و"رجاء النقاش" لنقول إن ظهور "رجاء النقاش" كان فى زمن ازدهار الجامعة المصرية، جامعة طه حسين وأمين الخولى ومحمد مندور ومحمد خلف الله وسهير القلماوى وبنت الشاطئ، وكان رجاء متفوقا فى دراسته، وهذا التفوق فتح أمامه أبواب جريدة "الجمهورية" التى صدر العدد الأول منها فى عام "1953"، وهو العام ذاته الذى ظهرت فيه إذاعة "صوت العرب". وكان رجاء موهوبا فى صناعة الصحف والنقد الأدبى، وكان من عشاق رعاية الموهوبين بكل ما يملك، وهو فى اعتقادى من أهم نقاد الأدب العربى، فهو الذى قدم لنا الأديب السودانى الكبير "الطيب صالح" والشاعر الفلسطينى "محمود درويش"، وهو أول من قدم "إمام ونجم" فأخرجهما من جو السهرات الخاصة إلى عالم الإذاعة الرحب، حيث "الجماهير" تقدر بالملايين، وانطلق الثنائى الفنى وقدم أروع الألحان الوطنية والثورية التى انتصرت على كل الحواجز والقيود التى حاول "السادات" وضعها فى طريقهما. ورغم أن "الشيخ إمام" حظى باعتراف "أسطوات" التلحين فى عصره، ورغم انتمائه إلى مدرسة السيد درويش، فإنه لم يتألق إلا مع كلمات "أحمد فؤاد نجم"، وكذلك "نجم"، كتب أغنيات لملحنين ومطربين آخرين غير "الشيخ إمام" لكن "جوهرة" مشواره الإبداعى تركزت فى سنوات التعاون مع الشيخ الملحن الضرير الثائر. وقد وقع الخلاف بين الشاعر والملحن، وتحول الخلاف إلى "خبر" تناقله الصحافيون والنقاد فى كل مكان، ولا ندرى السبب الذى فجر الخلاف بينهما، لكن ما يهمنا هنا أن نشير إلى دور "الإذاعة المصرية" من خلال الناقد رجاء النقاش، فهى التى عرفت الناس بهما فى العواصم العربية. ورغم أن "الإذاعة لم تعد تهتم بإنجاز هذين المبدعين، فإنها فى ذكرى "حرب العبور" من كل عام تقدم أغنية "دولا مين.. دولا عساكر فلاحين"، التى كتبها الشاعر "أحمد فؤاد نجم" وتغنيها "سعاد حسنى"، وكانت "إذاعة الأغانى" قد اهتمت بألحان الشيخ إمام، وسرعان ما اختفى اسم الرجل من خريطتهما، وسوف يبقى الفضل الأول للراحل "رجاء النقاش" فهو الذى كان أول من ربط بين جمهور الإذاعة وتجربة "نجم وإمام".