الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : وفاء عوض

frhtthh.jpg

حين قرأت هذه اليافطة التى تتصدر صدر مارين لوبان المرشحة لرئاسة الجمهورية الفرنسية حتى ولو كانت فوتو شوب، خنقنى قرف حقيقى وأنا أرى المسلمين والعرب الذين تطاردهم نظرات وتصريحات لوبان العنصرية يستعيدون إنسانيتهم فى عيونها فقط، وقت حاجتها إلى أصواتهم فى الانتخابات، فهذه ليست المرة الأولى التى تهنئ فيها لوبان المسلمين الفرنسيين بحلول شهر رمضان، فقد سبق لها أثناء حملتها الانتخابية فى ٢٠١٢ أن ذهبت إلى مدينه "جرينوبل" الفرنسية التى تقطنها جالية كبيرة من العرب والمسلمين، وقامت بتهنئتهم بالشهر الكريم فى سابقة لم تحدث مع حزبها اليمينى المتطرف لكسب أصوات المسلمين فى فرنسا. ماذا يحدث؟ هل تنازل كبرياء العنصرية الغول الأسطورى الأعمى؟ ألم يشبع رأسها الأشقر وهى التى طالما توعدت ورجمت أصحاب الحضارات بتصريحاتها النارية، وتوعدتهم فى برنامجها الانتخابى هذا بالطرد ودفع الإتاوة؟
لقد عاصرت بنفسى تلك الأحداث، ورأيت بأم عينى كيف أشعلت لوبان فتيل العنصرية فى فرنسا حينما حاربت صلاة المسلمين فى باريس فيما سمته "صلاة الشوارع"، وعلى الرغم من أن المسئولين فى باريس كانوا يحمون صلاة المسلمين فى الشارع أمنياً، فإنه كانت هناك حرب شعواء تندلع نيرانها بين الأحزاب، وكان المسلمين وقوداً لها، فحين وصلت إلى باريس فى أواخر ٢٠١٠ كانت الحرب على أشدها ضد "مارين لوبان" رئيسة حزب اليمين المتطرف والتى أثارت فضيحة بعدما شبّهت "صلوات الشارع" التى يؤديها المسلمون بالاحتلال النازى، مما أثارت استنكار الطبقة السياسية الفرنسية بأسرها، فقد استغلت مارى لوبان التى تهنئ المسلمين اليوم بشهر مضان وتزور الأزهر، ظاهرة صلاة المسلمين فى شوارع باريس نظراً لقلة المساجد وعدم استيعابها لأعداد المصلين فى الترويج لحملتها الحزبية لرئاسة الجبهة الوطنية فى ليون، منددة بـ"صلوات الشارع" التى يؤديها المسلمون فى أنحاء شوارع فرنسا، وقالت وقتها "جاء الحجاب منذ خمسة عشر عاماً، وأصبح يتكاثر شيئا فشيئا، ثم جاء النّقاب وكثر شيئاً فشيئاً، ثم أصبحت الصلاة تؤدى فى الشارع العام، هناك حالياً ما بين عشرة وخمسة عشر مكاناً عاماً، يحتكره المسلمون لأداء الصلاة بصورة منتظمة؟ أنا آسفة لكن بالنسبة إلى الذين يحبون التحدث كثيراً عن الحرب العالمية الثانية، فإذا كان الأمر يتعلق بالحديث عن الاحتلال فيمكننا الحديث عنه، لأن هذا احتلال للأرض، إنه احتلال لأجزاء من الأراضى، لأحياء تطبق فيها الشريعة.. إنه احتلال. بالتأكيد ليست هناك مدرعات ولا جنود، لكنه احتلال فى ذاته وهو يلقى بثقله على السكان".
وقد أثارت هذه التصريحات العنصرية وقتها ردود أفعال كثيرة فى صفوف الطبقة السياسية من اليسار إلى اليمين لإدانة تصريحات ابنة زعيم اليمين المتطرف جان مارى لوبان صاحب التصريحات المثيرة للجدل، بعد أن كشف الحزب الذى سبق أن تعامل مع النازية عن وجهه القبيح من خلال الابنة لوبان التى تتودد حالياً للمسلمين بكل بجاحة لتنهل من أصواتهم وهى تعلم أنهم كُثروا بعد أن زينت حملتها الانتخابية بـ١٤٤ بنداً أعلنت فيها عداءها الكامل للعرب وتفريغ فرنسا من الإسلام والمسلمين باعتبارهم إرهابيين وبسبب هذه التصريحات للوبان. كانت النيابة العامة أيضاً قد أجرت فى ليون تحقيقا أوليا بحق لوبان بتهمة التحريض على الحقد العنصرى، كما أثارت أقوالها استنكار الجمعيات المناهضة للعنصرية، وأدت إلى رفع شكوى من جانب رابطات مناهضة للعنصرية ومناهضة لمعاداة الإسلام وأغلق التحقيق بدون نتيجة فى سبتمبر 2011، لكن إحدى الجمعيات رفعت القضية إلى كبير قضاة التحقيق فى ليون وفتح تحقيق قضائى فى يناير 2012.
وكان البرلمان الأوروبى بتصويته فى ٢ يوليو 2013 على رفع الحصانة البرلمانية عن مارين لوبان فتح الطريق أمام توجيه الاتهام لها فى العاشر من يوليو 2014، وفى 11 سبتمبر التالى طلبت النيابة العامة إحالتها إلى محكمة الجنح، وكانت هذه هى المرة الأولى التى تمثل فيها مارين لوبان أمام القضاء بتهمة التحريض على الكراهية بعد تسلمها رئاسة حزب الجبهة الوطنية، ولكن ها هو القضاء الفرنسى يبرئ لوبان العنصرية التى ترفض التعايش الذى نادى به كومبو فنان الشوارع فى باريس.
ولكن ليس المسلمين أو المهاجرين فقط هم الورقة الرابحة التى تحاول لوبان اليوم أن تكسبها لتدخل إلى قصر الإليزيه، فهناك أيضاً المرأة الفرنسية التى تحاول لوبان أن تكسب تعاطفها معها، فأخيراً التقطت لها عدسة المصورين صورة فى مكتبها، بينما هى تجلس فوق مكتبها مرتدية بلوزة وجيبة قصيرة من اللون الأزرق الملكى، التى تكشف عن جزء من ساقها فى مشهد أنثوى رقيق، بينما فى الخلفية مكتبتها الضخمة التى تضم العديد من الكتب. الصورة طبعاً ذات مغزى، إذ تغازل بها لوبان المرأة الفرنسية المثقفة المتحررة البعيدة عن صورة المرأة المسلمة أو المسيحية أو حتى اليهودية المتحفظة.. هى من جهة تحاول أن تكسب تعاطف المرأة الفرنسية مؤكدة على حقها فى التحرر، وتضرب من جهة أخرى الحجاب فى فرنسا، مؤكدة على يمينها المتطرف الذى يخشى من حكمه الكثيرون فى فرنسا وإن كانوا يتعاطفون مع لوبين سراً، وحتى العرب المجنسون منهم الذين يصومون رمضان، باعتبار أن هناك العديد من البنود فى برنامجها الانتخابى تحارب الهجرة والمهاجرين الذين من وجهة نظرها ونظر مؤيديها من المهاجرين والفرنسيين يشوهون وجه فرنسا النقى وصورته السياحية، ويسهمون بشكل أو بآخر فى تضخم مشكلة البطالة، فقد أكدت الاستطلاعات الأخيرة أن ٣٣٪ من الفرنسيين يؤيدون مارين لوبان كرئيسة لفرنسا ويرون أنها تحمل حلولاً جذرية لأزمة فرنسا، كما أن ٣٩٪ من الفرنسيين يرون فى لوبان أنها تتفهم مشاكل الشباب الفرنسيين، كذلك ٤٠٪ يرون أنها تلتزم بالقيم الديمقراطية، بينما نحو ٦٨٪ من الشعب الفرنسى يرون أن لوبان تمثل فكراً انعزالياً منغلقاً، ونحو ٥٥٪ يشعرون بالخوف من وصولها للحكم.
لكن غداً لناظره لقريب، غداً تحسم المباراة ونرى إن كانت صاحبة الثوب الأزرق ستذهب إلى قصر الليزيه، أم ستصيبها لعنة أبيها الذى حاولت على مدى تاريخها أن تحسن من صورته وتجمل من قواعد ومبادئ حزبه.
نبضة مسافر
سمعت أن الشيطان قال للمرأة:
أنتِ نصف جندى.. وأنتِ سهمى الذى أرمى به فلا أخطئ
«هنرييتا تياركس»