الأربعاء, يناير 29, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : د / عزة مازن

jlooll.jpg

ذهبت جائزة "البوليتزر" الأمريكية فى الرواية هذا العام إلى الأمريكى "كولصن وايتهيد" (1969) عن روايته السادسة "السكة الحديدية تحت الأرض" ، وذلك لأنها، كما ذكرت لجنة التحكيم، تمزج بين الواقع والمجاز الذى يجمع بين قسوة العبودية ودراما الهروب، فى أسطورة تعبر عن أمريكا المعاصرة. وفى السيرة الذاتية حصد الجائزة الروائى الليبى المقيم فى أمريكا هشام مطر عن روايته "العودة"، وهى سيرة ذاتية موثقة بإتقان، ومكتوبة بالإنجليزية. وجاء فى تقرير الجائزة أنها مرثية للوطن وللأب، تتفحص الماضى والحاضر لمنطقة من مناطق الأزمات، بمشاعر محكمة..
ترجع قيمة "البوليتزر" إلى أنها من أرفع الجوائز العالمية. فقد تأسست عام 1917 بناء على وصية الأمريكى المجرى "جوزيف بوليتزر"، وتديرها جامعة "كولومبيا" فى نيويورك، ويتم منحها سنويًا للإنجازات المتميزة فى واحد وعشرين تخصصًا، منها الأدب والسيرة الذاتية والصحافة والإبداع الموسيقى، وقيمتها خمسة عشر ألف دولار.
يعود السرد فى رواية "السكة الحديدية تحت الأرض" إلى زمن العبودية وما قبل الحرب الأهلية فى أمريكا، ويدور حول "كورا"، وهى عبدة تعمل فى مزرعة للقطن فى جورجيا. فى ذلك الوقت كانت الحياة جحيما للعبيد، ولكنها كانت أكثر قسوة على "كورا". يصل "كسار" من فرجينيا إلى جورجيا، ويخبرها عن السكة الحديدية تحت الأرض، فيقرر الإثنان القيام بالمغامرة المرعبة والهروب. ولكن لا تسير الأمور وفق رغبتهما. تضطر "كورا" إلى قتل صبى أبيض حاول اغتصابها. ورغم نجاحهما فى الوصول إلى الشمال، يتعرضا للمطاردة ومحاولة القنص. ليست "السكك الحديدية" تعبيرًا مجازيًا فى الرواية – ففى ذلك الوقت كانت هناك بالفعل شبكة سرية من الطرق والأنفاق تحت الأرض فى الجنوب. فى البداية توقف "كسار" و"كورا" فى جنوب "كارولينا"، فى مدينة بدت لهما كالجنة، ولكن سرعان ما كشف القناع الهادئ للمدينة عن مؤامرات دنيئة تُحاك ضد قاطنيها من السود. و كان "ريدج واي"، صائد العبيد الذى لا يعرف الرحمة فى أعقاب "كسار" و"كورا". اضطرت "كورا" إلى الهرب مرة أخرى، وبدأت سلسلة مرعبة من الهروب من ولاية إلى أخرى بحثًا عن حرية حقيقية. فى رحلة الهروب، تكتشف "كورا" عالمًا جديدًا فى كل بلدة تصل إليها. يُشيد بعض النقاد بقدرة "وايتهيد" على تجسيد الرعب الذى عاشه السود فى فترة ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية، ففى سلاسة سردية يروى ذلك الجانب من تاريخ أمريكا منذ جلب الأمريكيون الأفارقة إلى بلادهم، مستخدمين أفظع الأساليب وأكثرها وحشية، وحتى وعود الحاضر للأمريكين السود، والتى لم يتم الإيفاء بها. تجمع الرواية بين مغامرة امرأة ذات إرادة حادة، قررت الهروب من رعب العبودية والبحث عن الحرية، وبين التأمل العميق لتاريخ يتشاركه السود الأمريكيون. وكما ترى "باميلا بول" فى مراجعتها للرواية بجريدة النيورك تايمز، فإن رواية "السكة الحديدية تحت الأرض" تُلامس الرواية التاريخية بينما تروى قصة العبودية.
يجمع تاريخ الاضطهاد والبحث عن الحرية بين رواية الأمريكى وايتهيد "السكة الحديدية تحت الأرض" وبين رواية "العودة: الآباء والأبناء وبينهم الأرض" للروائى الليبى، المقيم فى أمريكا، "هشام مطر". فى روايته يروى "مطر" قصة عودته إلى ليبيا عام 2012، بعد سقوط القذافى، وتفاصيل تلك العودة، بحثًا عن حقيقة مصير والده، الذى كان من أبرز معارضى القذافى، وذلك بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا من اختطافه على يد قوات الأمن الليبية الخاصة. يعود السرد إلى عام 1979، عندما فر "جاب الله مطر" بأسرته إلى مصر، متخذاً من القاهرة منفاه، بعد أن أفصح عن معارضته للقذافي. بعدها بعشر سنوات اختطفته قوات الأمن الليبى واحتجزته فى سجن "أبو سليم" فى طرابلس، ومن وقتها لم تسمع أسرته عنه شيئًا، وكان الكاتب فى التاسعة عشرة من عمره آنذاك. لم يعرف "مطر" أبدًا ما حدث لوالده، فلم يخبره أحد ما إذا كان بين السجناء الذين تم قتلهم رميًا بالرصاص فى التاسع والعشرين من يونيو عام 1996، فى واحدة من أكبر المذابح فى عهد القذافى، وبلغ عددهم 1270 سجينًا. تعزز الأمل لديه فى ذلك المزج بين الإشاعات والمعلومات المغلوطة أن والده لازال حيًا، مفقودًا فى غياهب السجن، حتى بعد ثورة 2011، عندما تحطمت أسوار سجن "أبو سالم" وخرج عشرات الرجال يتعثرون وتضطرب عيونهم فى ضوء الحرية. عاد "مطر" إلى ليبيا بحثًا عن حريته بمعرفة الحقيقة، فقد أراد أن يصل إلى اليقين ويتحرر من الأمل المراوغ الذى ظل حيًا به طوال تلك السنوات. فى النهاية يصل الكاتب إلى اليقين بأن والده قُتل بالفعل فى مذبحة 1996.
يروى "مطر" مشاهداته فى موطنه الذى عاد إليه بعد كل هذه السنوات، فيتضمن السرد تأملات حصيفة فى التاريخ والسياسة والفن، ويقدم صورة تفصيلية لدولة وشعب على طريق التغيير، ووصفًا لاذعًا لميراث من السلطة المطلقة يقطر وحشية. والرواية، فوق ذلك، كما يراها كثير من النقاد، قصة كونية عن الفقد والحب وحياة أسرة لا تعرف مصير عائلها. يطرح "مطر" السؤال المفزع: كيف يستطيع إنسان مواصلة الحياة وهو يجهل مصير أحد أحبائه؟ تتخذ الرواية بنية سردية معقدة، تتحرك بين الماضى والحاضر والمستقبل، فى موجات متقطعة من المد والجزر. فالكاتب، مثله مثل كل البشر، يقيس حياته بمحطات فارقة، اختصرها فى المنفى، حين تركت أسرته ليبيا إلى مصر عام 1979، وعمره ثمانى سنوات؛ والخطف، حين تم اختطاف والده من القاهرة ونقله إلى طرابلس عام 1990؛ ثم تلك المذبحة فى سجن "أبو سالم" فى طرابلس والتى راح ضحيتها 1270 قتيلًا، كان الاحتمال قائمًا أن يكون والده من بينهم.
ولد "هشام مطر" فى مدينة نيويورك لأبويين ليبيين، وقضى طفولته بين القاهرة وطرابلس. فازت روايته الأولى "فى بلد الرجال" بست جوائز أدبية عالمية وتُرجمت إلى ثمانية وعشرين لغة، وتحكى قصة صبى ليبى يعيش مع أب من أبرز معارضى القذافي. وهو يعيش الآن بين لندن ونيويورك حيث يقوم بالتدريس فى إحدى جامعاتها.