الأربعاء, فبراير 26, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : سوسن الدويك

gfhtrhh.jpg

"هو وهى بيرجوليو"، أو "فرنسيس".. بابا الفاتيكان الحاصل على درجة الماجستير فى الكيمياء، ويتحدث ست لغات، بخلاف دراسة العلوم اللاهوتية.. وهو مواطن من دول العالم الثالث من الأرجنتين من أمريكا اللاتينية وربما لهذا السبب، كان كل هذا القبول والحبور لزيارته مواطن من عالم ثالث مثلنا يعلم جيداً أشكال الفقر والحاجة حتى ملامحه ليست "خواجاتى"، بل تحسه شيخاً من زمن قديم من قريتنا.. هو "بابا السلام" بحق.. زيارة يمكن أن تصفها بالتاريخية، بالمهمة، بالناجحة ولكن ربما أكثر الصفات واقعية.. "أنها جاءت فى وقتها" فالزيارة تزامنت بعد أحداث عنف بشعة وتدمير الكنيستين بالإسكندرية وطنطا، وهذا التوقيت مهم للغاية من الناحية الاستراتيجية، خاصة بعد تردى الأوضاع الاقتصادية نتيجة لتراجع السياحة فى مصر، كما أنها تعد صفعة للفتنة الطائفية التى أراد أشعالها الإرهابيون وتحديداً ضد الأقباط خاصة فى أعيادهم وهذا سلوك حقير يليق بهم. الزيارة رسالة للعالم أجمع بأن مصر بلد السلام والتسامح وأنها آمنة.. وإلا كان بابا الفاتيكان ألغى زيارته لها خوفاً على حياته. ولو قمنا بتحليل خطاب الرسالة التى حرص البابا فرنسيس على إيصالها للمصريين وللعالم لوجدنا أنه بطبعه ودود، وينتقى كلماته بعناية، فهو لا يقدم خطاباً رسمياً لاستكمال مراسم الزيارة ولكن من قلبه خرجت الكلمات.. فهو من قال "مصر هى الأرض التى تشعر وكأنها أرضنا جميعا كما تقولون أنتم "أمالدنيا".. وحتى يومنا هذا، ترحب بالملايين من اللاجئين المقبلين من بلدان مختلفة منها السودان وإريتريا، وسوريا، والعراق، لتحاول دمجهم فى مجتمعها عبر جهود تستحق ثناء. وقد لفت انتباهى...  بلاغته حين اختار تعبير "مجاعة المحبة" فالمجاعة دائماً ما تشير إلى البعد الاقتصادى جوع البطون، وليس جوع المشاعر، لكن لأنه إنسان راق أشار إلى المحبة وأشاد بدور مصر فى حربها ضد الإرهاب وحرصها على السلام فى ذات الوقت وأشاد بشعار "الدين لله والوطن للجميع" الذى دعت إليه ثورة 23 يوليو وأن مصر مهد للأديان الثلاثة وأنها بفضل موقعها وتاريخها، تلعب دوراً لا غنى عنه فى الشرق الأوسط. وقد تجلى فى هذه الزيارة معان راقية، عبر عنها بابا الفاتيكان والإمام الأكبر د.أحمد الطبيب شيخ الأزهر، والذى أثبت بكلمته أن الأزهر على مستوى المسئولية والدور المنوط به عبر التاريخ فقد قال: "الأزهر يسعى من أجل التعاون لترسيخ العيش المشترك، واحترام عقائد الآخرين، فلنسعى معاً من أجل المستضعفين والجائعين والأسرى، والمعذبين فى الأرض، دون فرز أو تصنيف ولنقف معاً ضد سياسات الهيمنة، وصراع الحضارات ونهايات التاريخ، ودعوات الالحاد" هكذا تحدث د. أحمد الطيب وكان ذكيا لأنه ركز على المشتركات والتعايش، وأنه لن يستطيع أحد أن يقهر الآخرين، على تغيير دينهم أو مذهبهم ولكن يمكن للجميع التعايش والتوافق والتحاب على أرضية عمران الكون، والتأثير والتأثر الإيجابى.. فقد قال الإمام الأكبر: "رسالة محمد ليست ديناً منفصلاً عن رسالة عيسى، وموسى، وإبراهيم، ونوح عليه السلام، وإنما هى حلقة أخيرة فى سلسلة الدين الالهى الواحد".. وكان د. أحمدالطيب بليغاً، حين أكد "أنه يترتب على حقيقة الاختلاف منطقياً حرية الاعتقاد، والأخيرة تستلزم بالضرورة نفى الاكراه فى الدين".. والتى ربما جاءت رداً جميلا على كلمة بابا السلام فرنسيس: "عظمة أى أمه تتجلى فى الرعاية التى تكرسها للفئات الأكثر ضعفاً فى المجتمع، ولا يمكن بناء الحضارة دون التبرؤ من أيديولوجية الشر والعنف".. وكانت رسائل بابا الفاتيكان فرنسيس، والإمام الأكبر د. أحمدالطيب.. رسائل محبة وسلام تسامح يؤكد عظمة مصر، وأنها ستظل كياناً مختلفاً ومتميزاً.. يجمع بين حضارات العالم القديم، والعالم المعاصر عبر آلاف السنين والزيارة كانت صفعة لكل المتحاملين على الأزهر دون وجه حق، وهذا ليس معناه أنه فى أفصل حالاته، ولكننا أمام إشكالية تتطلب التفهم لواقع معقد ربما يحتاج إلى تطوير وتغيير ولكنه يظل مؤسسة عريقة لها دور تاريخى لا يجوز التنازل عنه أو التفريط فيه.. وقد تلاقت أفكار البابا والإمام فى "جنة الرب" مصر.. كما ذكرها.