الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : د / عبدالناصر عيسوي

tghhhhh.jpg

هذا ديوان بعنوان "إغفاءة الحطاب الأعمى"، للشاعر مؤمن سـمير، وهو الديوان الثالث عشر فى مسيرة إبداعاته؛ فهو يؤكد؛ يومًا بعد يوم؛ خطواته التى قطعها فى قصيدة النثر المصرية، فقد أصدر من قبل اثنى عشر ديوانا، ومونودراما، ومجموعة مسرحية، ومسرحية للأطفال، وكتابا نقديا، وله تحت الطبع ديوانان ومجموعة قصص مترجمة للأطفال، ومجموعة مسرحيات. وشاعرنا من مواليد بنى سويف عام 1975، وتخرج فى كلية الحقوق، ويعمل وكيلاً للنائب العام بمحكمة الفشن فى بنى سويف.
يضم الديوان الذى بين أيدينا خمسة عشر نصًّا نثريًّا، تتكوَّن بعضها من مقاطع. وقد استخدم الشاعر فى هذا الديوان لغة تتراوح بين لغة الاستعمال اليومى وأخرى تحمل الصور البيانية، فيأخذ القارئ معه إلى واقع ينغمس معه فيه. وهذا الواقع اغترابى بامتياز، حيث يشعر الشاعر بالاغتراب على نحو أشد؛ حين يكون منغمسًا فيه وليس بعيدًا عنه.
تقابلنا قصيدة مقطعية بعنوان "حفرة للبكور الأخير"، جاءت فى ثمانية مقاطع معنونة بجملة (صباح الخير يا...) ويتغير المنادى فى كل مقطع. ولننتبه للعنوان؛ حيث "البكور" محاصر بين كلمتين جاءتا من باب الاغتراب هما "حفرة" و"الأخير"، فقد أدخلتنا عتبة العنوان إلى قلب الاغتراب، فعمَّقته لأسفل كلمة "حفرة" وأضفت عليه الرحيل كلمة "الأخير"، فصار البكور يائسًا منذ دخولنا من عتبة العنوان. ثانى مقاطع القصيدة بعنوان "صباح الخير يا صديقي"، فأى خير ننتظر من تلك الحالة التى ألقت بظلها على القصيدة؟! وبقراءة المقطع نجد الإحساس بالضعف والارتعاش، حيث تمزقت هوية الإنسان (تمزَّق الأسلافُ قطعًا داخل ملابسي)، وحيث الانتظار؛ الذى يعنى هنا الأمل الذى يقضى على الاغتراب. وهذا هو المقطع كاملاً ومكتوبًا بشكله النثري:
"شِلْتَني- أذكُرُ- على كتفيكَ كثيرًا.. وتسانَدتُ على هيبتِك قفزتُ سريعًا، من نفس البئر التى اختفَتْ فيها قديمًا؛ لأجلنا؛ نظرتُك.. لكننى اليوم ضعيفٌ فعلاً- صدقني- لدرجة أننى قد أنسى أفضالَك.. حديقتَك التى تُخبِّى فيها البَهِيَّاتِ، ولؤلؤكَ.
تَمَزَّقَ الأسلافُ قِطَعًا داخِلَ ملابسي، وقيل لأنك حائكٌ حاذقٌ؛ تُنقِّيهم من سموم الفَرحةِ وقلة نضجها.. تغسلُهم منَّا وتقولُ المدفأةُ ما غابوا إلا لأن السيدَ يهبطُ الآن.. وهَلْ يليقُ أن يَشمَّ بَريقَهُ أحد..؟/ ومِنْ ساعتِها وأنا أبُصُّ على الباب/ وعلى قلبى المرتعشِ، فريدًا بانتظارِك".
وفى المقطع الرابع يحاول الشاعر العودة إلى الطفولة؛ عن طريق الابن، فجاء المقطع بعنوان "صباح الخير يا ولدي"، حيث إنه محمَّل بذكريات الطفولة التى عششتْ فى الأرواح، وحيث البهاء والملائكية التى تغيرت، فيقول:
"قلَّبتُ فى خَطِّكَ القديم وسطورك المتعرجةِ وبعثتُ النطفة فى البكور الأول.. قلتُ أكونُ أنا أنتَ، وروحَك المخفية خلف التل.. فاعفُ اليومَ.. لم أركض لتماثيلك التى عششتْ فى الأرواح.. أعنى زحَفتُ وحفرتُ الأرضَ تحت أقدامكَ لأنك القمرُ البعيدُ./ ولأنى جبانٌ ورعديدٌ../ أخشى الرياحَ إلا لو كانت زفيرَك.. وتبتَلُّ أيامى من البكاءِ إلا فى حجرك../ أعلَمُ أنكَ أغمَضتَ إغماضَ الظل الأكبر وشِلْتَ عنهم ذهولَهم.. سِبتَهُم يدورون ويدورون حتى يسقطوا بعيدًا.. عن بَهَائِكَ الذى (إن شافَكَ تَعمَى يا ولد..!)./ ثم لم تُسقط صخورَهُم. إلا حيث يضحكُ الملاكُ.. سأقولُ إنك فكرتَ مرةً فى أن تُجربَ إحساسَ المنسِيِّ الضليل.. وشدَدتنى من ياقتى فطِرْتُ/ وانسحبتْ رُوحي/ وحدَّقتَ فى عينى وقلتَ كيلا تنسى../ كيف أنسى وأنتَ الذى لم تُجرِّبْ بهاءَ النسيانِ أبدًا؟!".
ثم نجد أن قمة الاغتراب تكمن فى قاع الهاوية، فى المقطع السادس بعنوان "صباح الخير يا أبتي"؛ وقد عبَّر فيه الشاعر عن التمزق بتفتت اللحم وسقوط الوجه والاحتراق من الداخل فى مواجهة شبح أبيه، وهو يعرف النجاة من مطاردة هذا الشبح، فإما أن يتجسد الشبح ويصير جسدًا حقيقيًّا أو فليغادر بدلاً من أن يطارده، حيث يقول:
"صحوتُ اليومَ ونادَيْتُ على الجبل وقلتُ أنا الواسعُ بحقٍّ، أنا الحفرةُ التى تَفُحُّ من النَّهَمِ/ وأنتَ... ما أنتَ إلاَّ../ والْتَصَقَ الشَّبَحُ بلحمي.. حوَّمَت الغمامةُ فانفلتَتْ ذراعى وساقى غادرتني.. أظلَمَت الهاويةُ/ ولم يَطِرْ طيرٌ فوق الغمر.. لحمى يتفتت وعمودُ اللهب يَفجُّ، من أول خطوتى وحتى الحلْقِ../ وجهى يسقطُ.. فارفعْ يمينَكَ../ أوْ أَشِحْ بوَجْهِكَ../ حتى أنجو..".
أما المقطع الختامى (الثامن)؛ فقد جاء بعنوان "صباح الخير يا حبيبي"، ومن هذا العنوان ندرك محاولة القضاء على الاغتراب عن طريق الحب والجمال والنور والروح، لكننا نجد الشاعر فى جدلية بين الحزن والحب، ويتقلب بينهما؛ فلا يستطيع الانغماس فى الحب وهو حزين يقول:
"لَـمَّا تَسمَعْني، قبلَ أن أنطِقَ.. كعادتِك../ أقولُ أنا حزينٌ.. ابتَسِمْ/ ما أجملَ ثغرَكَ وما أرَقَّ طلعتَكْ../ فاخلَعني.. ولو ساعةً.. من نوركَ/ الذى يُلوِّنُ الأحلامَ../ فأحبَّكَ ساعتها أكثر../ ولكن من بعيدْ..".
وقد يبدو التكثيف بشكل واضح فى القصائد القصيرة، كما فى قصيدة بعنوان "أمسكتُ بنا"، وفيها- أيضًا- يبدو استعمال الألفاظ بمعناها المتداول فى لغة الحياة اليومية، حيث الفعل (شالَ) بمعنى رفع، والفعل (سابَ) بمعنى تركَ. وفيها نجد الحب أو البعث فى داخل جُحر، مما يوجِدُ توترًا دراميًّا أو حالة جدلية بين الانحدار والبعث، بين الضيق ورحابة الحب، بين هروب المحبوب والاتحاد به، بين المحق داخل جُحر والكينونة، فهو يختم قصيدته بقوله (حيث كنَّا). وهذه هى القصيدة، حيث يقول:
"شِلْتُ عيني/ جوارَ نارٍ/ وصُقورٍ،/ وأحضانٍ ترتعدُ../ كيْ أُخَبِّى انطفائى داخِلَ الحكاية../ وسِبْتُ ظِلاًّ طويلاً/ مِنْ هروبكِ../ كيْ أُمسِكَ بي،/ وأقُصَّ على الشجرةِ/ قيامتى فى الجُحرِ../ يومَ كُنَّا..".
وعلى نفس المنوال؛ نجد قصيدة بعنوان "مُستَوفيًا لكوابيسي"؛ حيث الفعل (أبُصُّ) أو (أشوفُ)، كما نجد الروح مكبلة (كوابيسي) منذ عنوان القصيدة، كما نجد الخوف، ونجد الإنسان تمثالاً فاقدًا للشعور، يقول الشاعر:
"أسندُ ظهرى على خوفى وأبُصُّ/ فأجدُ الرمالَ تَشُدُّ عَزمَها../ تلصقُ عينًا/ وبطنًا/ وذكرياتٍ ومقبرةً../ ثم الرملُ أسندُهُ على شهقتِهِ/ فأجدُنى بلا صيفٍ/ ولا بحر/ ولا سِكَّةٍ تلفُّ حولَ أريجِها../ أشُوفُنى أهبِطُ وأهبطُ/ ثم تهلُّ من العلبةِ الرِّيحُ/ فأصعَد/ خفيفًا/ مستَوفِيًا لكوَابيسي/ وأُشبِهُ ابتسامةً/ واسعةً/ تليقُ بضربة سكين/ فى قلب تمثالكِ/ العتيقْ".
لقد صار الإنسان فى حياته عُرضة للتشيؤ، وإذا أراد أن يبتسم فإنه يبتسم من وجع أو طعن، ولابد أن يخرج من كل هذه المظاهر الاغترابية لتعود للإنسان إنسانيته.