الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : محمد الغيطي

grgr55.jpg

منذ فترة طويلة لم أشاهد عملاً فنياً يخرجني من حالة الملل حتى شاهدت مسرحية "يوم أن قتلوا الغناء" على مسرح الطليعة، هذا العمل الثري فنياً وفكرياً يجعلك تحلق في آفاق خارج اللحظة، رغم أنه يفجرها ويعيد صياغتها برؤية جديدة، إنه يسحبك لمنطقة  الدهشة التي تجدد خلايا الروح وتشحن العقل والقلب، المسرحية انتاج مسرح الطليعة تحت إدارة الفنان شادي سرور وتأليف الكاتب الموهوب محمود جمال وإخراج تامر كرم ،النص يبدو غريباً على قماشة التأليف المسرحي المصري لدرجة أنني تصورت أنه مترجم حتى صوب لي الأمر شادي سرور وذلك لأننا لم نعتد في تاريخ المسرح المصري هذا الشكل في الكتابة الذي يبدو متأثراً بأجواء وأسماء شبه إغريقية، وهذه ميزه للنص لأن المحتوى والمضمون يَصْب في منحى مصري شرقي محض بحت، المضمون يتناول فكرة الإله والدين والعقيدة وعلاقتها بالبشر،  وهي فكرة تم تناولها كثيراً من قبل، لكن الطرح هنا يتماس مع مانعانيه من مناخ الاستقطاب والتطرف وفكر الإرهاب، النص /العرض يثبت وينطلق من زاوية أن المجتمع ينساق خلف فكرة تسلطية تعد بالجنة والحريّة بعد الموت، بينما هي تبيع الوهم، لأن إله المتعصب والمتطرف ليس إلها حقيقياً ولاعلاقة له بجوهر الدين الحقيقي الذي أنزله الإله الحقيقي الذي أنزل الأديان السماوية، بل هناك أوصياء هم من يبيعون ويسوقون إلههم الذي لا وجود له حتى يضمنون السيطرة على المؤمنين  المخدوعين، والغريب أن الوصي الأول وهو هنا الفنان علاء قوقة شقيق المؤمن الحقيقي ياسر صادق وكأن الكاتب أراد أن يقول لنا إن الوهم وتاجر الدين هو شقيق الآخر الحقيقى من بطن واحدة، والاختلاف في العقول ومرسل الرسالة، وللأمانة العرض يحمل رسائل عدة وهو مناسب جداً لمواجهة فكر الإرهاب الآن، والأجمل أن كل ذلك طرح في إطار فني ممتع وبلغة عربية بسيطة إطارها العام يحمل فكرة بسيطة هي أن الدين الذي يمنع الغناء ويعتبره تجديفاً وكفراً ليس بدين رباني، لأن الله خلق الطبيعة والبشر بفطرة الغناء وحب الحياة، العرض يستحق عرضه في كل أنحاء مصر لتوصيل الرسالة على أكبر مساحة من الجمهور في الأقاليم والمدارس ويستحق التحية لصناعه الكاتب محمود جمال، والمخرج تامر كرم، ومخرج الحركة عمرو باتريك، والديكور للدكتور محمد سعد وتأليف موسيقي أحمد نبيل وأداء تمثيلي رائع لكل فريق العمل خصوصاً ياسر صادق وعلاء قوقه والشباب الواعد طارق صبري وهند عبد الحليم ومحمد ناصر مع ميرنا الأمين وباسم الجندي وأحمد عبد الفتاح وأحمد الجوهري وكريم.