الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : أحمد سليم

dgzjj.jpg

فى الذاكرة العميقة تسكن العديد من المشاهد عندما تمر أمامى وأقارن بينها وبين ما يحدث اليوم.. أتوقف كثيراً.. ماذا فعلنا بأبنائنا.. كيف كانت طفولتنا وكيف يعيش أحفادنا طفولتهم.. أذكر مشهد الأصدقاء فى قريتى وهم فى طريقهم إلى كتاب الشيخ مصيلحى أو كتاب الشيخ سليم المرسى.. خوف من الشيخ، يقابله إحساس بالسعادة عند العودة بعد أن أثنى عليهم شيخهم.. وكيف كان الآباء يتعاونون فى دفع أطفالهم إلى حفظ القرآن الكريم.. أتذكر حصة التربية الدينية للشيخ مغاورى القاضى.. أذكر حرص أساتذتنا على أن نصلى فى المدرسة.. هذا كان حال التعليم الابتدائى فى مدرسة بقرية شبرا قاص بالغربية.. أذكر مدرستنا الصغيرة وكيف تخرج فيها مئات من أساتذة الجامعات ولواءات الشرطة والقضاة وكبار الأطباء.. أذكر كثافة مدرسة فى قرية صغيرة كان بها مدرس للموسيقى وغرفة للموسيقى وتدريب على الآلات.. كان بها ملعب نمارس فيه حصة رياضية أسبوعية أو أكثر.. أقول لكم كانت تُدرّس لنا الرياضة مدرسة ترتدى زياً رياضياً فى مدرسة ريفية.. أزيدكم؛ كان لدينا فرقة مسرح تقدم عروضاً مسرحية وفنوناً شعبية وكان عمدة القرية وكبار رجال عائلاتها يحضرون حفلات المدرسة فى نهاية العام.. كان لدينا أستاذ علّمنا بالفعل.. أذكر بإجلال واحترام أستاذى الشيخ فهيم عامر، علّمنا أشياء كثيرة.. أتذكر أستاذى عبد الله العبد وهو يعطى الدروس الخصوصية للطلبة مجاناً غالباً.. كان لدينا حصص للتربية الفنية تعلمنا فيها الرسم ، تعلمنا الخطابة والسياسة.. نعم السياسة، فقد كنا نحفظ خطب عبد الناصرأو أجزاء منها لنلقيها فى طوابير الصباح.. أتذكر كيف خرجنا ونحن فى المرحلة الابتدائية لنؤيد فى مسيرات بيان 30 مارس وكيف عرفنا الميثاق.. كان لدينا حصص للتربية الوطنية تعلمنا فيها كيف نحب الوطن.. هذا الجيل يا سادة بكى يوم حدثت النكسة، لكنه خرج ثانى يوم ليشارك فى حملات مقاومة دودة القطن وتكونت منه فرق الكشافة التى جابت المحافظات تجمع قليلاً من المال والهدايا لتقديمها للمجهود الحربى.. هؤلاء الأطفال كيف يجلون جيشهم وهو مهزوم ويقفون فى انتظار السيارات العائدة من الجبهة ليقدموا لهم الخبز وبعض الطعام.. هؤلاء الأطفال هم الذين وقفوا ساعات ليشاركوا فى استقبال أطفال المهجرين من محافظات القناة.. جيل تعلم بصدق فى مدارس بسيطة لكنها كانت تعلّم علماً وخلقاً وديناً..
وأترك لكم حرية المقارنة والتعليق على ما يحدث لأبنائنا فى مدارسهم الآن.. آلاف الدولارات ثمناً لعام دراسى فى مدارس دولية تخرج طلاباً لا يتحدثون العربية ومائة طالب فى فصل واحد بمدرسة حكومية.. مدرّس يلهث بين جدول دروسه الخصوصية تاركاً فصولاً خاوية بالمدارس.. واقع رائع عشناه فى ستينات القرن وواقع قاتل بحياة أطفالنا.
ذكريات أعادت لى ماضٍ عشته فى قريتى.. مدرستنا لم تخرج إرهابياً ولا متطرفاً وكنا نعيش جميعاً ظروفاً أقرب إلى الصعوبة ــ تلقينا تعليماً حكومياً وعشنا مع مسئولين بالتعليم كان يهمهم نظافة الطفل جسداً ويحرصون على ثقافته عقلاً.. كنا نحصل على تغذية مدرسية لم يصب طالب فيها بالتسمم وكنا نسافر فى رحلات شهرية لم ينقلب بنا الأتوبيس ولم تضل بنا السيارة الطريق..
أقارن بين جيلنا وأحفادنا.. مسئولون فقدوا ضميرهم المهنى والإنسانى ورئيس يحاول أن يزرع الأمل ويصنع المستقبل فيأتى من يدمر ذلك من أجل مكسب صغير أو كبير.. رئيس وبعض المسئولين يحاولون وآخرون يدمرون.. أقارن بين جيل تعلم القراءة وأحبها وجيل أدمن المحمول وعاش عليه.. جيل علموه حب الوطن وجيل زرعوا فيه الأنانية..
هذه الذكريات أعادها لى مشهد لفيديو لأشبال مركز شباب قريتى وهم يقدمون عرضاً مسرحياً فى الصالة المغطاة.. فأعادوا لى الأمل فى صنع شباب يعشق الثقافة والأدب والفنون.. وهؤلاء لن يحملوا سلاحاً ضد أبناء وطنهم ولن يتحولوا إلى انتحاريين.. هؤلاء هم الذين سيزرعون الأمل فى المستقبل، أضع هؤلاء أمانة بين يدى وزير الشباب الذى أرجوه أن يذهب إلى القرية والنجع من هناك يا سيدى الوزير يمكن أن تواجه الإرهاب.. نادراً ما نجد انتحارياً من الزمالك أو الجزيرة أو التجمع فهؤلاء لديهم ما يشغلهم عن الوطن وعن الدين.. فى الأقاليم والريف تحديداً يكمن الخطر.. لقد انقضى عام الشباب ومر ورغم حرص الرئيس فى المؤتمر السنوى الذى تحول إلى مؤتمر شهرى على الحضور والمشاركة والاستجابة لطلبات الشباب رغم رسائله للاهتمام بالشباب نغفل النشء فى آلاف الكفور والنجوع والنتيجة إرهابى نجع الحجيرى بقنا وكفر البصارطة بدمياط وشمال مزارع الدلنجات.. لن تكفى تحذيرات الرئيس وتوجيهاته إذا لم يتحرك الكل إعلاماً وثقافة وأزهر... عودوا إلى الريف لتكتشفوا المبدعين وأيضاً لتقتلوا الإرهاب فى مهده.
إن كل كتاب يضاف إلى مكتبة مدرسة أو مركز شباب يطفئ فى مقابله ناراً يوقدها مدّعى دين أو متطرف.. إن كل كرة أو أداة رياضية تصل إلى الريف ستبنى لنا شباباً يحصل على ميداليات لا قنابل.. حاولوا أن تعيدوا لنا مدارس زمان وحتى تعليم زمان وطفولة زمان.
ابدأوا من الآن حتى لا يتوقف دوركم عند المشاركة فى الجنازات أو وضع شارات الحداد.. استمعوا إلى تحذيرات الرئيس بجدية وعلى كل أجهزة الدولة المعنية وعلى رأسها هيئة الرقابة الإدارية رغم كل ما هو ملقى عليها من أعباء... على الجميع أن يتجهوا إلى مناطق صناعة النشء فى التعليم وفى الثقافة وفى الإعلام وفى الرياضة ويتأكدوا من صدق ما يقدم لهم كى نستطيع أن نبنى مستقبلاً لمصر.