الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : خالد اسماعيل

khaledesmail00a0ijo.jpg

نحن أمة تعيسة، فقدت شعراءها ومطربيها وملحنيها ورساميها، وسقطت فى "بئر الحرام" والتحريم والضلال والضحالة، والحقيقة أن " الطبقة الوسطى" التى ظهرت مع مشروع محمد على قدمت لنا على مبارك - المهندس والعالم الموسوعى- وقدمت رفاعة الطهطاوى، وظلت قادرة على الدفع بالرموز والأفكار والمبدعين، فأحيت الموسيقى العربية "الأندلسية" من خلال "الشيخ محمد المسلوب" ومن تلاه من الشيوخ، وتحررت من الهيمنة التركية بكل صورها الثقافية والسياسية، ثم جاء عليها زمن "النفط" و"البترودولار" فأكلها، وأجبرها على استبدال منظومة أفكارها، فارتدت نساء "الطبقة الوسطى" النقاب، فغطت جسدها وألغت عقلها، وأصبحت تابعة لا متبوعة، وطفح النهر بالأوساخ، فظهر شيوخ يلعنون محمد على الذى هزم "الوهابية"، ويسبون إبراهيم - قائد الجيوش المصرية- ويثأرون منه لأنه غزا "الدرعية" عاصمة "الوهابية" فى بلاد نجد والحجاز، وفقدت مصر قلبها الواعى، فغطت التماثيل العارية - فى حدائق كليات الفنون وحرمت "الموديل" من دخول قاعات الرسم والتصوير، فأصبحت أيدى رسامى مصر مرتعشة غير قادرة على تصوير الجسد الإنسانى لأنها لم تجد من يشرحه لها ويعرفها فن تصويره، واختفى المبدعون من قراء القرآن الكريم ليحل محلهم شيوخ لا يعبرون عن الذوق المصرى أو التدين المصرى الجميل الرحيم!
والعجيب أن مصر التى استطاعت "عبور الهزيمة" فى السادس من أكتوبر من عام 1973، لم تجد من أبنائها "فنانا" يعبر عن هذا العبور العظيم، فجاءت بفنانين من كوريا ليرسموا لوحات النصر فى "بانوراما" حرب أكتوبر الموجودة حاليا فى حى مدينة نصر بالقاهرة. ومصر هى صاحبة الريادة فى النحت والتصوير وآثارها شاهدة على ذلك، ومصر التى أرسلت نورها الثقافى والمعرفى إلى المحيط العربى والإسلامى والأفريقى أصبحت مشغولة بقضية "الحرام والحلال" و"الطهارة والنجاسة" وجواز مصافحة "النصارى" وحرمة تقديم التهانى للمشركين فى أعيادهم الدينية!
نحن أمة تعيسة وحزينة القلب، لأنها أمة فقدت أعز ما تملكه أمة وهو العقل المبدع القادر على تحويل الحياة إلى "جنة" بدلا من تحويل الدنيا والحياة إلى "مقبرة " يسكنها أحياء يأكلون ويلعبون ويتناسلون ويخافون فتنة "عذاب القبر".. نحن أمة تعيش على "الأطلال"، لم تعد أمة مبدعة، أصبحت أمة كارهة لكل معنى من معانى الفن، تعيش على أمل وحيد هو "النجاة" من فتنة "الشجاع الأقرع".. وأمة لا تبدع هى أمة ميتة.. والأمم "الميتة" مصيرها معلق بالقبور!
جاهين ومكاوى والأبنودى.. حراس هوية الوطن
علينا من الآن فصاعدا أن نعتبر شهر أبريل شهر الأحزان، فقد فقدنا فيه "الأبنودى" و"صلاح جاهين" و"سيد مكاوى"، وكان أبريل عندنا مشهورا بأنه شهر "الكذب"، ووصفه نجيب محفوظ فى إحدى رواياته بأنه شهر الأتربة والأكاذيب.. هكذا فقدنا "كذب" أبريل وأبدلتنا الدنيا به حزنا، ورغم أن صلاح جاهين كان قد رحل فى ثمانينات القرن الماضى، وبعده بقليل لحق به صديقه الشيخ سيد مكاوى، فإن رحيل "الأبنودى" فى الشهر ذاته جعله شهرا حزينا، فيه هجرنا ثلاثة من حراس الوجدان المصرى، بدرجات متفاوتة، حرس "الأبنودى" ملحمة "بنى هلال" وأعطاها من عمره عشرين عاما، وتمكن بفضل "صموده" الصعيدى وصبره على الأيام أن يجمع لنا سيرة "بنى هلال" التى عاشت على ألسنة الرواة مئات السنين، ووضعها على شرائط الكاسيت، وشرائط "الإذاعة"، وانقرض شعراء "الهلالية" وبقى "النص" الملحمى المبهر للقلوب والعقول. ودور "صلاح جاهين" لا يقل أهمية عن دور "الأبنودى"، فهو المعبر عن 23 يوليو 1952، رغم كثرة من كتبوا الأغنيات ومدحوا "ناصر"، ولم يكن اعتباطا أو سذاجة اختيار نشيده "والله زمان يا سلاحى" ليكون النشيد الوطنى لمصر طوال عهد "عبدالناصر"، وتغنت به أم كلثوم، وقال محمود الشريف - ملحن نشيد "الله أكبر" إن أم كلثوم هى التى طلبت من "عبدالناصر" اعتماد "والله زمان يا سلاحى" بدلا من نشيده "الله أكبر".. وشهادة - الشريف - مجروحة على كل حال، لأنه كان زوجا للسيدة أم كلثوم ثم طلقها، ولم تمنحه فرصة الظهور عبر حنجرتها التى خلدت قصائد وأغانى وألحان عشرات الشعراء والملحنين!
وصلاح جاهين هو معجزة عصره، حيث جمع "المواهب" العديدة فى عقله المبدع، فهو رسام كاريكاتير ومؤلف أفلام ومسرحيات للطفل وصور غنائية وممثل ظهر فى عدة أفلام منها "لا وقت للحب" من إخراج "صلاح أبوسيف"، وكان إيمانه بعقيدة "23 يوليو" هو "مقتله".. صدق الحلم الجميل، لكنه صحا على زلزال الخامس من يونيو 1967، زلزال الألم والموت. ومن مصادفات القدر أن الأبنودى هو الوحيد الذى اختاره القدر ليبلغ الشعب المصرى النبأ الحزين، نبأ الهزيمة بأغنية تقطر لوعة اسمها "عدى النهار" وغناها عبدالحليم حافظ، ولم يكن سيد مكاوى بعيدا عن ذلك العصر، فهو آخر "شيخ" ملحن، تغنت أم كلثوم بلحنه المشهور "يا مسهرنى"، ولم يمنحه القدر غير هذه الفرصة الوحيدة، لكن عطاءه الموسيقى وفير وله أعمال عديدة مع صلاح جاهين وفؤاد حداد، وهو أول من لحن للمطربة السورية فايزة أحمد عندما جاءت إلى مصر واتخذتها مستقرا ومقاما، وبرحيل الأبنودى، فقدت الثقافة الشعبية المصرية سدها العالى وفقد الأدب الشعبى واحدا من رجالاته المخلصين. لكن مصر المدهشة الخصبة قادرة على إدهاشنها برجال آخرين يحمون فنونها وهويتها.
العشاء الأخير الذى جمع بين «نوال» و«عزت»
من أجمل أفلام محمد خان فيلم "موعد على العشاء"، وهو نفسه كاتب قصته، وكتب السيناريو بشير الديك، وقامت بالبطولة سعاد حسنى، وملأت الشاشة بصدق إحساسها وقدرتها على إمتاع المشاهدين وإقناعهم بشخصية "نوال". و"نوال" التى حكى الفيلم قصتها، ابنة موظف يبدو أنه كان من المتنفذين فى دواوين حكومات ما قبل "23 يوليو 1952"، لأن أرملته "زوزو ماضى" أم نوال لم تستطع مواجهة الحياة بمعاش زوجها، وتعيش فى شقة من شقق الطبقة المتوسطة ذات الشأن والثراء قبل أن يظهر حيتان " الانفتاح الساداتى"، فلم تجد وسيلة غير عقد صفقة مع الحوت "عزت" - حسين فهمى- فزوجته ابنتها "نوال" تحت غطاء "السترة والعفة"، فانقلبت حياتها إلى جحيم، ومضت ست سنوات ولم تحمل منه بولد أو بنت، لأن جسدها يرفض استقرار نطفته بين جوانبها، وهذا ما أخبرت به الطبيبة المتخصصة فى علاج أمراض النساء، والرمز هنا واضح، هناك "طبقة متوسطة" انهارت وفقدت كيانها بالتدريج حتى ظهرت الطبقة البديلة، طبقة "الحثالة الثرية"، وهى طبقة لا تؤمن بالفن ولا المشاعر، ولا تدين بغير دين "الفلوس"، فهى طبقة "الحثالة" التى ارتفعت فى مناخ الفساد وملكت زمام الأمور ولكن من شرائح الطبقة المتوسطة من وافق طبقة "الحثالة" وانصهر فيها وأصهر إليها وتنازل عن ميراثه الثقافى والأخلاقى وقبل الوضع الجديد، لكن هناك شرائح أخرى رفضت هذا الواقع الجديد وظلت قابضة على حلمها وفكرها ودفعت الثمن الغالى، وهذه "الشرائح" تمثلها فى الفيلم "سعاد حسنى"، بينما تمثل الأم "زوزو ماضى" الشرائح التى تصالحت مع "الحثالة الثرية" متخلية عن كل معنى ومبدأ مقابل الحصول على المال، واستطاعت "نوال" - القابضة على حلمها - أن تحصل على "الطلاق"، لكنها لم تحصل على "الحرية" لأن "الحثالة الثرية" سيطرت على أدوات الحياة وصادرت جميع الأحلام، ولما ظهر الفنان أحمد زكى - الكوافير الحريمى- وحاول أن يقاوم عزت "مطلق نوال" كان مصيره القتل، وضاقت الدنيا على " نوال" الحالمة الجميلة الرافضة للموت، فلم تجد سوى "الموت والانتحار" أو "القتل" المصحوب بـ"الانتحار"، فاستدعت كل أسباب الهروب والهزيمة فى لحظة إحباط شديد وقررت أن تجهز طعام العشاء، وتدعو "عزت"- قاتل حبيبها وسارق حياتها- لتوهمه بأنها خضعت له وأنها سوف تعود إليه زوجة مطيعة مخلصة.. وصدّق "عزت" - المريض بداء التملك والسيطرة - ما قالته "نوال"، وفى شقة الذكريات كان "العشاء الأخير"، وهو عشاء تكون من "المسقعة" التى يحبها "عزت" المخلوطة بمادة سامة "سم الفئران"، وأكلت "نوال" وأكل "عزت"، وانتهى الفيلم، لكن الصراع لم ينته بعد رغم رحيل "سعاد حسنى" و"محمد خان" و"زوزو ماضى"!
«إيمان» الساحرة الصغيرة.. من الإسماعيلية إلى فيينا !
هى "إيمان" ذات الوجه المصرى المعبر، واسمها الأصلى "ليلى هلال ياسين"، وكانت حسب ما ذكره الناقد "محمود عبدالشكور" فى كتابه "وجوه لا تنسى" فتاة من ضمن أربع فتيات بجانب "آمال فريد وكاريمان ولبنى عبدالعزيز"، وهن بالطبع حاولن التعبير عن "البنت المصرية" المتمردة. كان ذلك قبل ظهور الفنانة الرشيقة الرائعة سعاد حسنى، وكانت "لبنى" أكثرهن تمردا وقوة، و"كاريمان" كانت أقربهن إلى نموذج الفتاة الرافضة للقيود الاجتماعية والأفكار الموروثة، أما "آمال فريد" فهى الفتاة الرومانسية الطيبة القلب، أما "إيمان" فقد كانت قادرة على تقديم كل هذه الشخصيات، ولها فيلم مشهور هو "أيام وليالى" مع "عبدالحليم حافظ"، وهى التى غنى لها "عشانك يا قمر" و"شغلونى وشغلوا النوم عن عينى ليالى" و"أنا لك على طول".
"إيمان" من مواليد عام 1938 فى مدينة الإسماعيلية، وتزوجت لفترة من "فؤاد الأطرش" شقيق فريد الأطرش وأسمهان.. وكان فيلم "عهد الهوى" مع فريد الأطرش هو أول أفلامها، والفيلم الذى صنع نجوميتها - حسب رأى محمود عبدالشكور- هو فيلم "أيام وليالى"، والفيلم الثانى هو "علمونى الحب" من إخراج عاطف سالم، وهو مأخوذ عن قصة أجنبية، تبدو فيه "إيمان" فى أزمة إنسانية وحيرة بين "أحمد رمزى" و"سعد عبدالوهاب" الذى يكتب خطابات الحب لصديقه، لكنها استطاعت أن تجد لنفسها طريقا يخلصها من هذه الحيرة، ثم قدمت "إيمان" دورا مهما فى فيلم "أنا بريئة" من إخراج حسام الدين مصطفى، ودورا آخر فى فيلم "صوت من الماضى" مع "أحمد رمزى"، وهو من إخراج "عاطف سالم"، وملخص قصة هذا الفيلم أن الطبيب الشاب أحمد رمزى يخشى الموت الخشية التى تجعله غير قادر على تذوق طعم الحياة، فهو أسير لذلك "الصوت" المقبل من المجهول مليئا بالتحذير من لحظة "الموت". وكانت "إيمان" فى هذا الفيلم حبيبة طيبة الروح تحاول إقناع زميلها وحبيبها بأن الحياة جديرة بأن نعيشها، وألا نجعل الموت يفسدها علينا، وشاركت "إيمان" فى أفلام أخرى ليبلغ رصيدها فى تاريخ السينما أربعة عشر فيلما، ولها مشاركة فى فيلم "ألمانى"، واعتزلت "إيمان" التمثيل وتزوجت من مهندس ألمانى الجنسية واستقرت فى النمسا منذ سنوات بعيدة، وتم تكريمها فى عام 2002 ضمن المكرمين من مهرجان القاهرة السينمائى. ومن الضرورى أن نشير إلى أن "إيمان" لم تظهر "فنانة" أخرى تشبهها، ولو ظهرت هذه الفنانة الأخرى فإنها لن تمتلك سحرها وجاذبيتها وابتسامتها القادرة على جعل المشاهد يحبها وينسى صغر حجم أنفها غير المتناسب مع اتساع عينيها ولمعانهما بالذكاء والأنوثة.