الأربعاء, فبراير 26, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : وفاء عوض

kkkooo.jpg

لا يمكن أن يكون ذلك قد حدث بالفعل، إنه يبدو لي كمشهد من أفلام الخيال الإجتماعي المروعة، مشهد خارج من الفقر والجوع والثورات ومن أعماق اللامعقول، لا يمكن أن يكون ذلك قد حدث بالفعل، ولكن التليفزيون الفرنسي نشر هذا الحادث من خلال فيلم تسجيلي عن الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا.
حين غرقت المركب التي تحمل عشرات الشباب من السواحل المصرية متجهة إلي أوروبا، ذهب مصور الفيلم إلي احدي قري الغربية ليتصيد بالكاميرا ويسجل لحظة ابلاغ الأب المكلوم بغرق ابنه،كيف سيستقبل الخبر، وأي حزن سيرتسم به وجهه المحفور بتجاعيد الزمن، رغم أنه تقريبا لم يكمل الخمسين من عمره؟
ولكن الأب القروي المعدم لم ينطق بكلمة واحدة، ظل يتأمل جثمان ابنه دون أن يعلو وجهه أي تعابير سوي الحزن العميق، وراح يتقبل العزاء بصمت قادم من عالم سحيق، ويبدو أن ذلك استفذ مخيلة المصور، فتقدم منه ليسأله بقل قسوة: كيف ترسل بإبنك هكذا إلي الموت؟
خرج الأب عن صمته بكل هدوء ليرد علي المصور: أرسلته ليساعدني في تربية إخوته الستة، نحن فقراء إلي الله، لانملك حتي قوت يومنا، فماذا أفعل وماذا تنتظر مني؟
عاد المصور ليسأله: ولكنه مات، فماذا ستفعل الآن؟
نظر الأب إلي حيث يقف أخوة الشاب الغارق قائلاً : هناك إخوته كثيرين، سأرسل واحداً منهم.. لم يتمالك المصور نفسه وعاد ليسأل الأب بغضب شديد: ولكنه يمكن أن يموت أيضاً؟..قال الأب وهو يغادر المكان: هم كثيرون سأرسل أخيه الآخر.. لا .. لم تنته القصة
القضية ليست قضية غرق مركب محملة بالشباب المصري الفتي، القضية قضية فقر كوارثي أصاب مجتمعنا، وأصاب مشاعر الأبوة والأسرة المصرية والعربية في مقتل، اسم الأب لا يهم، اسم الشاب الغارق لا يهم، إنهما ببساطة يلخصان مأساة وطن.. الحادثة مروعة،لأنها تلخص ببساطة مأساة الشباب المصري، فالوالد قد يكون بحاجة إلي إطعام سبعة أولاد غير ذاته، والزوجة في ظل بطالة سائدة ودخل بسيط لا يطعم قطة، الرجل ليس متسولاً ويري نفسه يمتلك ثروة متمثلة في أولاده السبعة ومن وجهة نظره أن من مات كان يضحي من أجل اخوته، لقد اقترن الأمل في لقمة العيش عنده بالرهان علي حياة الابن، ولذا كان الأب المكلوم يجيب علي أسئلة المصور الحارقة للقلب عفوياً، ولكن بأسي.. متي وصل بنا الأمر إلي هذه القناعة المخيفة؟
ولو كان المسئولون يسمعون ويشاهدون جيداً،لو ارهقوا أذانهم لأصمها النحيب المكتوم لهذا الأب المكلوب بإبنه، كان حزنه أعلي من موسيقي اعلانات التبرع بالأموال لكل الصناديق...
المشهد الثاني..
السطور القادمة ليست من مشهد لفيلم تسجيلي، ولكنه حوار دار بيني وبين الشاب محمد أيضا من احدي قري الغربية، كان يجلس بجانبي بالطائرة في رحلتي في العودة من باريس، كان يبدو عليه أنه لأول مرة يستقل طائرة، فقد كان مندهشاً إلي أبعد الحدود، ولكن دون خوف أو إرتباك، وكان بين الحين والآخر يسألني ماهو المطلوب من الإستمارة التي توزع علي الركاب وما معناها، وحينما علا صوت المذيع ليطلب من الركاب اغلاق التليفون المحمول حرصاً علي سلامه الطائرة، لم يزعن للأمر مما دفعني أن أقول له بأن إبقاء الهاتف المحمول مفتوحاً ممنوع، فإذ به يرد بلا مبالاة قائلاً: مافيش حاجة ممنوعة..استوقفتني هذه العبارة لأسأله: أهي المرة الأولي التي تستقل فيها طائرة؟
فجاءت اجابته كما توقعت: آه ماركبتش طيارة قبل كده..عدت لأسأله ، إذن كيف ذهبت إلي فرنسا.. بالمركب مثلا؟
لا يامدام ،رحت بمركب مطاط من رشيد وبعدين إسكندرية، وبعدين المركب غرقت قبل حدود صقلية في إيطاليا، وقوات الحدود أنقذتني وأرسلوني معسكر المهاجرين، ومنه هربت لفرنسا، لكن شباب كتير وأطفال ماتوا، أنا صاحبي وجاري اللي كان معايا مات أدام عيني، ما قدرتش أعمله حاجة، كنا زي يوم القيامة.. لكن كيف تغامر بحياتك.. ألم تسمع عن غرق مراكب المهاجرين؟
أنا كنت في أول سنة جامعة ، أبويا ما قدرش علي المصاريف، وإخواتي كتير، أبويا باع الأرض اللي حيلته بتلاتين ألف جنيه، أعطاهم لسمسار المهاجرين علي أساس حاركب مركب محترمة وآمنه توصلني لحد إيطاليا، لكن المركب كانت عبارة عن زورق مطاط ،عشرات الشباب والأطفال محشورين جواه، ماحدش سمح لنا نعترض وإلا حيرمونا في البحر، وبعد ما المركب مشيت في عمق البحر شفنا الأهوال عواصف وموج وناس بتقع ماتستحملش الصدمات، وشباب بيموت من الخوف ويرموه في البحر، أقول لحضرتك إيه 18 يوم من العذاب والأهوال؟
لكن واضح إن حظك كان كويس وحصلت علي الإقامة وراجع مصر ؟
أنا شفت الويل يامدام، لكن بعض الجمعيات الخيرية المهتمة بالمهاجرين في فرنسا دلوني علي معهد لتعليم الطبيخ بجانب عملي في أحد المطاعم، حاليا أنا طالب فيه، والحمدالله حصلت علي ورق إقامة مبدأيه ونازل أشوف أهلي وأعطيهم شوية فلوس علشان اخواتي...
والسؤال الآن : أين يعيش أكثر مسئولينا؟ ..كل يوم نزداد وعيا بتلك الهوة المروعة بين المسئولين والشعب، هل هناك من يتوهم حتي اليوم بأن الحكاية هي مجرد شباب طايش يريد أن يسافر إلي بلاد الخواجات من اجل الفتيات الحسناوات؟
هل هناك من يصدق حتي هذه اللحظة إنه يستطيع أن يوهمنا بأن الحياة جميلة وسوق العمل مفتوح للكل، وأن شبابنا دلوع غير متحمل للمسئولية
أين مجلس النواب، وأين الوعود، أين ملف هجرة الشباب من وطن بات طارد لنا وقاتل لأحلام شبابنا إن لم يقتلوا في عرض البحر، إنهم يعيشون في عالم وهمي، إنهم لا يعون معني الجوع والفقر والموت إلا حين يخطف أصدقائهم.. انزلوهم من عالمهم الوهمي إلي عالمنا البائس، قولوا لهم أن يعقدوا اجتماعاتهم في قري الغربية والشرقية ودمياط لعل صوت العواصف والأمواج وصراخ الأهالي وجشع سماسرة البشر يصل إليهم وينقل إليهم بعض من أوجاع أهالي 3167 من قتلي ومفقودين العام الماضي فقط، ناهيك عن الألاف منذ مطلع هذا العام، والعدد في زيادة.. فليعقد نواب الشعب اجتماعاتهم في المشرحة أمام أكوام الجثث المتجلدة في البرادات، أو علي ساحل صقلية واليونان أمام أكوام الجثث المجهولة المنتفخة، ليعقدوا اجتماعاتهم في المقابر، أو تحت الكباري وسط الشباب المخدرين الضائعين لعلهم يعون مناخ أيامنا..
أكثر مسئولينا مازالوا يتحركون داخل سحابة أوهامهم، وقد انسحبت من تحت أقدامهم سجادة الواقع وخارطة المدن والقري وكل أسمائها، إنهم ينتقلون بين فنادقهم الفخمة وصالوناتتهم العامرة، ومجالسهم بأفخم أنواع السيارات المحصنة وهم مازالوا يطالبون بانشاء النوادي الخاصه لأنفسهم وزيادة مرتباتهم وبالأراضي ، إنهم يريدون أن يتقاسموا الغنيمة، والغنيمة بالصدفة هي جسد وطن، وأرواح شباب تزهق في عرض البحر بحثاً عن أمل في حياة آدمية.. فليخرج مسئولينا ونوابنا ولو يوماً واحداً إلي عوالم هؤلاء الشباب المنسية، فلتستضيفهم أسر المفقودين والغارقين وأصحاب الأحشاء التي تتضور جوعاً، قفوا مثلهم في طوابير العيش وأمام فتارين اللحوم متحسرين جوعانين
فليهبطوا من كوكبهم الوهمي وتصريحاتهم القادمة من عوالم إفتراضية إلي عالمنا الواقعي،عالم المعاناة والغلاء والفقر... ولكن ماذا تعني تلك الكلمات لنفوسهم الممددة علي مقاعد السونا وطاولات المساج؟
اتبرع ولو بجنيه..
تلك الجنيهات، إنك لا تستطيع أن تغطي قرص الشمس بها، إنك لا تستطيع أن تغطي بها عورات الفقر والجوع، لا تستطيع أن تدفعها ثمناً لأكفان الشباب الغارقين كل يوم، إنك لا تستطيع أن تجفف بها دموع الغلابة المطحونين المتكبرين علي التسول
اتبرع ولو بجنيه....
كمن يحاول أن يداوي السرطان بحبة أسبرين، لا جدوي لقد صارت اللامبالاة بالأوجاع أسلوب حياتهم، وصار نسيان هموم الغلابة وغرق شبابنا ذاكرة المستقبل.
نبضة مسافرة
أوصد الباب.. ثم مضي في الطريق إلي مدن لم يجدها فأقام علي صفحة من نشيد المياه بلاداً الشاعر حميد سعيد