الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : سوسن الدويك

dgju08h.jpg

"إلغاء تدريس مادة التربية الدينية بالمدارس".. هكذا كان الخبر الذى تناقلته مواقع التواصل الاجتماعى وبعض برامج الفضائيات.. وكل ذلك كان زوراً وبهتاناً، وغير صحيح بالمرة.. والمسألة كلها تتلخص فى مداخلة لوزير الأوقاف د. مختار جمعة لأحد برامج الفضائيات قال فيها إن هناك اقتراحاً بإضافة مادة جديدة وهى "القيم والأخلاق والمواطنة" ولم يشر لا من قريب أو بعيد لمسألة "إلغاء" التربية الدينية كمادة أساسية.. والحقيقة أننى لم أتعجب أو أندهش رغم أن فقدان الدهشة أمر خطير ينم عن اكتئاب ما.. لكن هذا هو "الفيس بوك" وهؤلاء هم رواده ومريدوه.. ثم إن برامج الفضائيات تلهث وراء أى موضوع لإفلاسها وتكرارها نفس الأحداث تقريبا.. والأمر المضحك المبكى فى نفس الوقت أن كل من غضب من إلغاء مادة التربية الدينية يعلم جيدا أنها مادة "شرفية" يمتحن فيها الطلاب وينجحون بالغش كما هو الأمر فى كل المواد حتى أن البعض يصنع برشام لآيات القرآن ولا يخجل أما من فرح لهذا الخبر الكاذب فهم من يزيطون فى الزيطة ويتلونون ويستعيرون مواقف وآراء غيرهم. لأنهم بلا أى ثقافة أو موقف.. ولا يفهم من ذلك أننى مع إلغاء مادة التربية الدينية ولكننى مع تفعيلها وتغيير نمط الامتحانات فى كل المواد وتغيير نظام التعليم والتقييم بأكمله.. من ناحية أخرى وهى الأهم من وجهة نظرى هم "المدرسون" أنفسهم مدرسو اللغة العربية الذين يدرسون فى الأغلب مادة التربية الدينية.. معظم هؤلاء لو صح التعبير وبمنتهى الدقة هم يدرسون بل يغرسون التطرف فى نفوس تلاميذهم.. أبنائنا.. فلذات أكبادنا.. ولا أنسى مدرسة لغة عربية كانت تدرس "الدين" لبناتى فى المدرسة الابتدائية، وكانت فى حصة "القراءة" تسأل "تلاميذ الفصل" بخبث وحرص: يا ولاد هو فيه مسيحيين فى الفصل؟.. ومتى ما عرفت أنه لا يوجد تلاميذ مسيحيون، تنطلق فى بث سمومها للأطفال.. بداية من تكفير المسيحيين، وتضع لمساتها لبعض التفسيرات "اللغوية" لتبرير الإساءة للمسيحيين، والتأكيد على أن المسيحى ليس له حقوق مثل المسلم.. بل هو فى حمايته، ولا بأس من التطاول والتجاوز وازدراء الأديان، فى استعراض لجهلها أمام التلاميذ لتقول لهم مثلا: مش عايزين "كريالايسون" فى مدرستنا.. لا تأكلوا معهم.. لا تلعبوا معهم.. اتحد مع زميلك المسلم على أى واحد مسيحي.. وكأنها حرب أهلية!.. فى هذه الواقعة تحديدا حررت شكوى مكتوبة لمديرة مدرسة "اللغات" التجريبية ضد هذه المدرسة، وأتصور أنهم حققوا معها فى المدرسة ولكن لم يصعدوها للوزارة مثلا..ولكن ماذا عن بقية مدارس مصر؟!.. التى تأخون بعض مدرسيها وتسلفوا، وأعتقدوا فى الثقافة الوهابية وكأنها "الدين الجديد" وشاركوا مع بعض الدعاة والإعلاميين والسياسيين فى نشر الفكر الصحراوى. هذا الفكر الذى تعامل مع الشكل وركز على مصادر الثروة وأعمال السمسرة والتجارة وضرب فى مقتل علاقات أسرية راقية ومضموناً دينياً حقيقياً كان يسود العلاقات فى الوطن لصالح فتاوى متخلفة من عصر "ابن تيمية" الذى كان يؤكد على إهانة مقدسات الآخرين سواء كانت كنائس أو معابد ويسخر بل ويكفر من يحتفل برأس السنة أو عيد شم النسيم "عيد الشعانين"، وتطور الأمر بعد ذلك للاحتفال حتى بعيد الأم بأنه "بدعة".. وكل بدعة ضلالة.. هذا الكلام ليس نظريا.. فقد حدث على أرض الواقع ما يؤكد تأثير هذا الفكر والأمثلة كثيرة وليست حصرية، فمن تهجير أهل العامرية لحرق الكنائس سنويا، والاعتداء على الأسر، وتهجير أقباط الصعيد.. لا أميل إلى الاعتقاد بأنها أحداث فردية وأنام وأغيب ضميرى، بالفعل هناك "attitude" اتجاه فى المجتمع من البعض حتى ولو بنسبة قليلة للنظر للمسيحيين نظرة فوقية والبعض يتمنى أن يدفعوا الجزية "لولا كسوفهم" من أنهم أيضا يدخلون الجيش وتختلط دماؤهم بدماء المسلمين لكى يحموا الوطن.
استيقظ لأصلى الفجر وأسمع الأذان يملأ السموات والأرض، أفرح كثيرا وأقوم من أحلى نومة.. وخطر لى خاطر وقتها ترى لو كانت أجراس الكنائس تدق فى هذا الوقت المبكر أو حتى فى الظهيرة كان يتقبل ذلك من المسيحيين رغم أن هذا حقهم بلا أى جدال أو نقاش.. الإجابة معروفة ولا تحتمل التكهنات.. ولكن تحتمل التأمل والتفكر لمراجعة ما يحدث.. ولا تحدثونا عن تجديد الخطاب الدينى، ولا تدريس أو إلغاء مادة التربية الدينية لأن لا هذا ولا ذاك وراء التطرف.. هناك منظومة بأكملها تحتاج إسعافاً سريعاً.