الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : جرجس شكري

gbsffh88g.jpg

هل يجرؤ مخرج أو مؤلف كبير على إنتاج مسرحية وتحمل تكاليف إنتاجها وإنتظار الربح والخسارة ، هل يجرؤ مسئول مسرحي ممن يديرون المسارح في مصر ويعبثون بأمول الشعب في ميزانيات ضخمة لعروض لا قيمة لها أن ينتجوا هذه العروض على نفقتهم الخاصة ويتحملوا الربح والخسارة ؟ بالطبع لا ! لكننا إذا عدنا إلي الوراء وبالتحديد في عشرينات القرن الماضي كان كبار المسرحيين يلجأون إلي مسرح الأزبكية قبل أن يسمي بالمسرح القومي ويتولي الفنان كل تكاليف المسرح ومصاريفه الكهرباء والماء والصرف الصحي واأجور العاملين وأجور الممثلين وإنتاج العرض وفي نهاية الموسم يكون للدولة نصيباً من ربح العروض المسرحية التي قدمها .
بالطبع كان هذا يحدث قبل 1952أي قبل تأميم المسرح ، حيث أصبح كبار المسرحيين يذهيون إلي المسرح القومي وغير القومي كي تدفع الدولة الماء والكهرباء والأجور وتنتج المسرحية ويحصل المسرحي علي نصيب من الميزانية وفي نهاية العام تتحمل الدولة خسائر العرض وفشله الذريع ، بحجة أن الدولة يجب أن تدعم الثقافة ، وأن الوزارة لا تهدف للربح ! وبالطبع يحتاج هذا الكلام إلي مراجعة ، فإذا كانت وزارة الثقافة لا تهدف إلي الربح المادي ، لكن دون شك تسعي إلي تنمية الوعي والنهوض بالعقول ، ودون شك أيضاً أنه لا تهدف إلي الخسارة وعليها أن تضع ضوابط لضمان جودة المنتج .. ولماذا لا تفكر وزارة الثقافة في أن يكون الفنان شريكاً في العملية الإنتاجية ، فهذا سوف يجعله أكثر حرصاً على المنتج الفنى ،
فاذاعدنا إلي النصف الأول من القرن العشرين سنجد أن المسرحيون كانوا يقدمون مسرحاً للشعب حتى إذا استعاروا نصاً أجنبياً أشبعوه تمصيراً ليظن مشاهده أنه ولد وكتب في مصر ، كانت الروح المصرية التى تسيطر على المسرح فقد ألهبت هذه العروض خيال المصريين وكان لها تأثير كبير في الشخصية المصرية على المستوى الفردي والإجتماعي، حيث ساهم المسرح الذي تم تقديمه في الأزبكية وعماد الدين في إزكاء روح الوطنية والقومية وخاصة في ثورة 19 ، وذلك حين كان المسرحيون ينظرون إلي الواقع إلي الجمهور دون أيدلوجيا أو نظريات أو تسيس دون أهداف وأغراض سياسية كان المسرح من أجل المسرح ، حيث كانت العروض المسرحية بكل أنواعها " السياسي ، الفكاهي ، الفودفيل ، الوثائقي ، الغنائي " في بنائها العميق تشكيل جمالي مؤقت في الزمان والمكان والموضوع يتحقيق من خلالها حضورا إنسانيا يفيد أخلاقيا وإجتماعياً، ليجسد في النهاية الفعل الجماعي الشعبي ، وصيغة الأوبريت الملحمي في المسرح التاريخي والغنائي تجربة رائدة ومثالا صارخا للتأثير في الروح المصرية حتى وقتنا هذا . ولكن في النصف الثاني من القرن العشرين أصبح المسرح يقدم النظريات والمدارس الحديثة الأوربية ، كان يفضل النظريات على المسرح ، مايهمه كان تقديم بريخت ونظرياته ، كان يهمه أن يخدم المسرح المؤسسة الحكومية التى تدفع كل تكاليف هذا المسرح والنتيجة تهميش للجماليات والمثل العليا ، بل وتهميش للجمهور نفسه الذي لم يجد نفسه ، لم يجد قضاياه وأسئلته ، فليس هناك هذف لدي الغالبية العظمي من العاملين في مسرح الدولة سوي المجد الشخصي الذي غالباً مايفشلون في تحقيقة !
هذا الفارق الذي صنع هذه النتيجة ، فمن المسرح الشعبي إلي مسرح النظريات وصولاً إلي المهرجانات واللاشيء وصولاً إلي المطالبة بأن تتبني الدولة المسرح المستقل ، أصبح مسرح الدولة هو مسرح الخسائر المادية والمعنوية ، فحين كانت لدينا نهضة مسرحية كبري، وكانت لدينا عشرات المسارح التى تفتح أبوابها للجماهير كل يوم من جميع أنحاء المحروسة لم تكن لدينا مهرجانات ، لم يكن الرواد الأوائل صانعو النهضة المسرحية لا يعرفون الاحتفال،لا يعرفون المهرجانات ولا التكريم اليومي، لأنهم كانوا يعتبرون كل يوم عرض مهرجانا ، فلم يكن هؤلاء يحتاجون إلي مهرجان ، كانوا فقط يصنعون مسرحاً . كان شارع عماد الدين وحده مهرجاناً يومياً من خلال عشرات العروض التى تقدمها مسارحه يوميا.

ثقافة المهرجانات

كان الكاتب المسرحي السويسري ماكس فريش يقول : كل كتاب لا يهتم بإيقاف الحرب وبخلق مجتمع أفضل، هو كتاب بلا معنى وعديم القيمة، لا يستحق القراءة، فنحن لا نعيش عصر القصص الذاتية ، أتذكر هذه المقولة وأنا أشاهد صراع الأدباء على الجوائز، بعد أن تحول الأمر إلي مجرد جوائز، الرغبة في الجائزة ، لكتابات أنيقة ، خالية من الإنسانية في عالم أصبحت فيه مشاهد الجثث والعمليات الإنتحارية والقتلي والدماء خبز العالم وملحه اليومي، فمن أي نوع هؤلاء الأدباء، وكيف يفكرون، وبماذا يشعرون ؟ في عالم يقتات على القلق الذي أصبح الصحن الرئيسي على مائدة الحياة ، صحون للدم ، والقتل والذبح، فمن الطبيعي أن يتم نقل المصابين إلي المستشفي،والقتلي إلي المشرحة ويفر الجناة هاربين ! ثم نكمل العشاء ، ونحتسي شيئاً بعد نغلق الشاشة على الموتي وننام .
- أتذكر ماكس فريش وأنا أشاهد الثقافة وقد تحولت إلي مجموعة من الاحتفالات والندوات اليومية والمهرجانات الأسبوعية، وأصبح كل مسئول لايعنيه سوى عشرات الصور التى سوف ترسلها إدارة الإعلام الخاصة به إلي وسائل الإعلام ، لتصبح الثقافة مجرد صورة لا أكثر ولا أقل ، صورة أنيقة لمسئول وجهه ينضح بالكذب والزيف في صورة أنيقة !
- ليس بالمهرجانات وحدها تحيا الثقافة بل تمرض ثم تموت وتقبر إلي الأبد ، فما بين ثقافة الضوضاء التى اعتمدتها المؤسسة الثقافية لسنوات طويلة وبين أخلاق وأعراف المهرجانات تم تدمير الثقافة المصرية ، والغريب أن وزراء الثقافة بدون استتثناء تتلخص أمجادهم الثقافية في المهرجانات والاحتفالات .
- لا تجتاج الثقافة إلي مهرجانات بل تحتاج إلي إعادة إعمار، بعد أن تم تدميرها بكل أنواع الأسلحة على مدى سنوات طويلة ، وكان الناتج هو ثقافة التطرف التى تسيدت المجتمع المصري، وليس غريباً أن تسود عقلية التكفير ، ويصبح إعمال العقل من المحرمات في مجتمع الثقافة فيه مجردة صورة ، ومجموعة من المهرجانات والاحتفالات ! وظنى إعادة إعمار الثقافة يحتاج إلي التخلص من كل بقايا المرحلة السابقة ، والغالبية العظمى من المسئولين عن إدارة الثقافة في مصر الآن هم من رموز المرحلة التى ساهمت في تدمير الثقافة !