الأربعاء, فبراير 26, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : خالد حنفي

khaledhanf000.JPG

شاعر ثورة يوليو انحاز لشباب «التحرير» وحذرهم من غدر الإخوان

كان يعتبر 25 يناير أولى جولات الثورة وتوقع خيانة الجماعة الإرهابية للوطن وأبنائه

المتطرفون هاجموا الخال بعد 30 يونيو وتمنوا موته لأنه هزمهم وحاصرهم بأشعاره

بينى وبين الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى كثير من الحكايات والمواقف.. بينى وبينه محبة كبيرة لم ولن تنقطع.. محبة بدأت قبل أن أعرفه وأنا فى الجامعة.. وقتها قررنا فى نادى الأدب أن نستضيفه فى أمسية شعرية.. كانت المهمة تقريباً مستحيلة.. فالأبنودى كان قد انقطع عن زيارة الصعيد لسنوات لانشغاله الشديد، متحملاً كل السهام التى وجهت إليه من أنه «انسلخ» عن جلده وتخلى عن صعيديته.. لم يخرج ليرد الهجوم عنه، ولِمَ لا وهو الذى تعود أن يمضى إلى حال سبيله وألا يلتفت وراءه للكارهين والمتربصين والحاقدين.. اتصلت بمنزله أكثر من مرة وفى كل مرة كانت ترد علىَّ زوجته الإعلامية الكبيرة نهال كمال بأنه إما فى الاستوديو لتسجيل أغنية أو مسافر خارج مصر، وفى آخر مرة قلت لها: «أنا كنت عايز أكلمه ضرورى.. أنا حاترفد من الجامعة بسببه»..
فى اليوم التالى استدعانى الشاعر الكبير الدكتور نصار عبدالله أستاذ الفلسفة لمكتبه.. قال لى: الأبنودى كلمنى وقال لى مين دا اللى حيترفد بسببى.. رديت عليه قلت له مش حيترفد، كل الحكاية أنه عايزك فى أمسية شعرية.. لكن لو عايزنا نرفده نرفده» وضحك نصار عبدالله كما الطفل.. اتصال الأبنودى بالدكتور نصار عبدالله لم يكن غريباً، فعلاقة الصداقة التى جمعتهما ضاربة فى القدم والعمق، وثالثهما كان الشاعر الكبير الراحل أمل دنقل.. أبلغنى الدكتور نصار أن الأبنودى وافق على المجىء وحدد موعداً تزامن مع إجازة نصف السنة الدراسية، وكنت أظن أن الموعد ورطة كبيرة نظراً لعدم وجود طلاب.. أعلنا الخبر فى الجامعة وإذا بالطلاب يمدون إقامتهم فى سوهاج انتظاراً لهذه اللحظة.. سافرت إلى القاهرة وجئت بالأبنودى، وما إن وصلنا إلى سوهاج حتى وجدنا الناس يستقبلونه بالطبل والمزمار فى محطة القطار، وزفوه حتى مقر إقامته بأحد الفنادق الكبيرة.. فى ليلة الأمسية فتحنا القاعة الكبرى بالجامعة، وعلقت ميكروفانات خارجها.. فالقاعة امتلأت بالطلاب وبالمحبين من خارجها.. قبل أن يدخل الأبنودى للقاعة اعترض طريقه طلاب ينتمون إلى جماعات دينية.. طلبوا منه أن يعتذر عن الأمسية ويأتى ليشاهد عرضاً دينياً أقاموه تزامناً مع الأمسية.. تكاثروا وشدوه من ملابسه حتى قطعوا حزام «البنطلون».. رفع الأبنودى الحزام المقطوع قائلاً لى: «آدى اللى أخدناه منك»، وتجلى الأبنودى فى هذه الليلة شعراً وإجابة عن أسئلة شائكة وحرجة.. لن أحكى أكثر عن هذه الأمسية فهى مليئة بالأحداث والشخصيات.. فقط ما يعنينى هنا ما فعله الطلاب المنتمون لجماعات دينية واعتراضهم لطريقه.. هؤلاء يعرفون جيداً من هو الأبنودى.. ينصّبونه ومنذ زمن بعيد عدواً لا يستهان به.. فضحهم فى أشعاره وحواراته.. حذرنا من شرورهم وخطرهم على هذا البلد.. كان واضحاً معهم خاصة بعد 25 يناير.. الثورة التى آمن بها من أول يوم، وانحاز لها بأشعاره.. لم يأت للميدان لا لشىء سوى أن القاهرة كانت محرّمة عليه منذ الوعكة الصحية التى تعرض لها وسافر على أثرها إلى فرنسا.. عاد من باريس ليستوطن الإسماعيلية.. عاش هناك مضطراً لكنه ليس معزولاً عما يجرى.. هناك فى الإسماعيلية يتأمل فى انتظار ما تجود به السماء شعراً ونبوءة لا تمنحها إلا للصادقين والمخلصين والمجاهدين.. لا يكسر تأمل الأبنودى سوى أصدقائه الذين يأتون إليه من القاهرة وغيرها من المدن.. أذهب إليه متى «هفّنى» الشوق ومتى دعانى إليه.. لم يأت الأبنودى لكنه كان حاضراً وبقوة.. فرح بالثورة لكنها فرحة لم تَدُم.. سريعاً ما داهمه الإحباط، فالثورة كان قد ركبها الإخوان ثم سرقوها.. قال لى: «الثورة محتاجة ثورة».. رأى بعينيه ما لم يره غيره.. رأى الإخوان والسلفيين وهم يقاتلون ليس من أجل الوطن وإنما من أجل مصالحهم الشخصية والضيقة.. رأى أن هؤلاء الذين وقفوا بجوار الثوار هم أول من يقتلون وأول من يخونون، فلا عهد لهم «وأنت اللى دافعت عنى ف عركة التغيير/بكره حتقتلنى بإيديك فى ميدان التحرير/كشر بأنيابك السودا.. بلا محاذير/رافع نداك للجهاد.. ويفط آيات الرب/لكن وقلبك عتم مفيهش شىء يتحب/ناوى على قتلنا.. خصومك ولاد الكلب/عارفك ما تكرهش فى الكون قد كلمة شعب/وقد (مصر) اللى ياما فى عرفكم.. تتسب/قاريك وحافضك أنا.. وانت قارينى كمان/نكنس دروب الوطن تفرشها بالمسامير» تنبأ الأبنودى وباع الإخوان ميدان التحرير من أجل الانتخابات التى لو كان المجلس العسكرى تجرأ وأجّلها لخرج علينا الإخوان كالمغول..
كان الأبنودى يرى أن ثورة 25 يناير هى الجولة الأولى.. تملّكه الخوف من الديابة التى لو أغفل الثوار أعينهم لنهبوا الوطن.. أشار إلى خوفه فى نهاية قصيدة الميدان «أولنا فى الجولة، لسّه جولة ورا جولة/ده سوس بينخر يابويا فى جسد دولة/أيوه الملك صار كتابة/إنما أبداً لو غفلت عيونّا لحظة، هيقلبوا العملة/لكن خوفى ما زال جوه الفؤاد يكْبِش/خوف اللى ساكن شقوق القلب ومعشش/يقوللى مش راح يسيبه/ولسه هيقبّوا وهيلاقولهم سكك وبِبان متتردش/وحاسبوا قوى من الديابة اللى فى وسطيكم/وإلّا تبقى الخيانة منّكم فيكم/الضحكة عالبُق بس الرك عالنيات/فيهم عدوِّين أشد من اللى حواليكم».
كان الأبنودى «شوّافاً».. رأى ما لم نره وتحقق ما تنبأ به.. الجماعة خطفوا الثورة، ووصلوا لكرسى الحكم، واقتربوا من وضع الدولة فى جيوبهم تماماً.. لقد قال لى إن الجماعة وأنصارها لم تدرك أن ما فعلوه خطأ تاريخى، وهذا خاص بالرؤية، إذ كانت تراها مصلحة خاصة، وليست مصلحة مصر ومواطنيها الفقراء. عمرى -والكلام للأبنودى- ما سمعت أحداً منهم يتحدث عن العمال والفلاحين وحقوقهم.. وصلت الجماعة للحكم ومارس الأبنودى دوره.. قاتلهم بأشعاره ولم يخف لحظة واحدة.. كان حاضراً فى كل تحرك على الأرض.. اشتد قتاله للجماعة ومرشدها والمعزول محمد مرسى وهو يرى الشباب ينتفضون فى كل مكان من أجل تحرير هذا الوطن.. عرّاهم تماما «ياشارب الدم امسح لحيتك م الدمّ/ قاتل شباب الوطن بقلب أعمى أصم / لا القلب بتحركه أحزان ولا أفراح/ ولا انت مصرى ولا منا / انت مين يا عم؟!!».. كان الأبنودى خطراً على الجماعة الإرهابية.. لذلك لم تتركه فى حاله بعد نجاح ثورة 30 يونيو.. كثفت من هجومها وأطلقت لجانها الإلكترونية للنيل منه، ورمته بالشائعات وتمنت موته، ورحل الأبنودى لكنه أبداً لم يغب.. رحل الأبنودى وظلت أشعاره حاضرة تعرى الجماعة.. ظلت أشعاره تشاركنا أفراحنا وأحزاننا وشدائدنا.. رحل بعد أن سطر اسمه فى كشف الخالدين.