الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : خالد اسماعيل

ttuukk.jpg

الفن المصرى فى خطر، هذه حقيقة.. انظروا إلى واقعنا الفنى ولنبدأ بالغناء، فلم تعد لدينا أم كلثوم أخرى أو عبدالوهاب آخر، لدينا أصوات ضعيفة، وكلمات منهوبة، ومسروقة وألحان مسروقة أيضا.. إنها أغنيات ولدت لتموت بعد مولدها بيومين، وإذا كنتم أيها القراء الأعزاء تروننى ظالما للغناء فأرجوكم أن تتذكروا أغنية واحدة للفنان أو الفنانة "فلان أو فلانة".. لا تقولوا إن لدينا "محمد منير" و"أنغام" و"آمال ماهر"، فهؤلاء نقطة فى بحر. مصر كانت "الجامعة" التى تعلم فيها الأشقاء العرب أصول الغناء. لقد أتى على مصر زمن كان فيها "أم كلثوم وفايزة أحمد ونجاة وعبدالحليم وشادية وعبدالعزيز محمود ومحمد رشدى ومحمد العزبى"، والقائمة طويلة، وكل هؤلاء كانوا فى حقبة تاريخية واحدة، وكانت الأغنية مكتملة الأركان (صوتا وكلمات ولحنا)، وانتهى كل هذا فأصبحنا نعيش مع أغنياتهم القديمة لنجد فيها السلوى والمتعة بعدما جف النهر، ومات الإبداع الحقيقى.
ومن الغناء إلى المسرح.. لقد شهدت مصر نهضة مسرحية شهد بها العالم كله، بل إن مخرجين أجانب جاءوا إلى القاهرة وأشادوا بفنانين من أمثال سميحة أيوب وعبدالله غيث وغيرهم، وتم تكريم ممثلين مصريين فى مهرجانات مسرحية عالمية، لكن هذا كله انتهى مع بداية عصر "الانفتاح الساداتى"، وأطفئت أنوار المسارح – حسب قول الناقد الكبير الراحل فاروق عبدالقادر. وحال السينما لا يختلف كثيرا، ففى زمن مضى كان "نجيب محفوظ" يجلس على قمة جهاز إنتاج الأفلام فى "مصر" وكان مستوى الفيلم المصرى ينافس فى جميع المهرجانات المهمة فى جميع قارات الدنيا، ثم بدأ التدهور يلحق بهذا الفن الذى عرفناه مع بداية ظهوره فى أوروبا، وظهر لدينا أول فيلم "طويل" فى عام "1927"، لكن المشهد الراهن يدعو للأسف، ولا داعى للحديث عن تدهور مهرجان القاهرة السينمائى، فهذا الأمر معروف للدنيا كلها. ومن السينما إلى الدراما التليفزيونية، فلدينا تجارب جيدة لكنها قليلة، فبعدما كنا نحن الرواد لهذا الفن فى الوطن العربى أصبحنا فى ذيل القائمة. ومن دراما التليفزيون إلى دراما الإذاعة وحالها لا يسر عدوا ولا حبيبا، فقد لحق بها التدهور الذى لحق بالمسرح والسينما ودراما التليفزيون.. وهنا يتفجر السؤال: لماذا تدهورت الفنون المصرية رغم وجود ممثلين موهوبين وكتاب سيناريو وكتاب مسرحيات وكتاب دراما إذاعية وشعراء؟ والإجابة تكمن فى كلمتين: إنها "التجارة والشطارة"، فالفن عندما كانت تدعمه الدولة كان يعطى الفرصة للمبدعين للتعبير عن تجاربهم الإبداعية دون الخوف من "السوق"، ولما انسحبت "الدولة" من هذا المجال تحكم أصحاب الاموال وحولوا الفن إلى تجارة ومكسب وخسارة وفهلوة وشطارة، فضاع المضمون الراقى، وانزوى المبدعون الأصلاء وحل محلهم التجار والموهوبون فى مجالات العلاقات العامة والصفقات والرقص على كل الحبال.. وكانت هذه هى النتيجة!
«السقا مات».. وثيقة سينمائية عن الوطن فى ثورة 1919
صراع عنيف بين "عقيدة الموت" و"عقيدة الحياة" تجده فى فيلم "السقامات"، المأخوذ عن رواية بالاسم ذاته للكاتب "الوزير" الضابط بالجيش المصرى يوسف السباعى، وأخرجه العبقرى الرائد "صلاح أبوسيف" والسيناريو للمبدع "محسن زايد"، والبطولة للفنانين فريد شوقى وعزت العلايلى وأمينة رزق وشويكار. وعقيدة "الموت" يمثلها "شوشة السقا" الذى رحلت زوجته فى شبابها فقرر أن يعيش حزينا على فراقها، وعقيدة الحياة يمثلها "شحاتة" مطيباتى الجنازات – رغم أنه يعيش من عوائد السير فى مقدمات الجنازات ويتقاضى أجرا عن هذه المهمة - حيث إن هذا المطيباتى لديه حب جارف للحياة، يريد أن يلتهم كل شىء بداية من الطعام وانتهاء بالجنس، ولا يحمل للدنيا همًا، وكأن كثرة التعامل مع الموت جعلته لا يهابه ولا ينتظره ولا ينكره فى الوقت ذاته. أما "السقا" فهو أسير لفكرة "الصبر" والقناعة وفكرة الوفاء للحبيبة الراحلة، وهاتان العقيدتان موجودتان ضمن مكونات الثقافة المصرية، فنحن ننتمى إلى حضارة تقوم على اعتبار الموت "محطة" للوصول إلى الخلود فى الجنة أو النار حسب الأعمال التى قام بها الفرد فى الحياة الأولى أو الدنيا، والفيلم تدور أحداثه فى "القاهرة" فى عشرينات القرن الماضى، وهى فترة زمنية لها خصوصيتها، فقد كانت ثورة 1919 قد تفجرت وعلمت الشعب المصرى أن "الموت" أمر عادى، فكانت جنازات الشهداء الذين سقطوا برصاص الإنجليز أمرا معتادا يشارك فيه الناس كل يوم، وفى الوقت ذاته كانت هناك طبقة تقدس الحياة من أجل الملذات والمتعة ولا تمنح الوطن مساحة من وقتها، بل إنها كانت ضد الثورة. ومن هذا "المشهد " أو" الزمن" تخلقت فكرة رواية "السقا مات"، وتحولت على أيدى المبدعين "صلاح أبوسيف، محسن زايد، يوسف السباعى" إلى سؤال كبير: هل نموت خوفا من الموت.. أم نعيش ونحن نعلم أن الموت حقيقة لا جدال فيها ولا مهرب منها؟ أما على المستوى المعرفى فقد قدم الفيلم للمشاهد صورة القاهرة فى زمن الثورة، ورأينا من خلاله صورة الطبقات الشعبية وأساليبها لكسب لقمة العيش والتكافل والتراحم بين أفرادها لمقاومة الظروف الاقتصادية الصعبة، ورأينا العمارة "المبانى والبيوت والشوارع"، ورأينا التعليم الدينى فى الكتاتيب، والمرأة الشعبية المتحررة، والمرأة الشعبية الرومانسية الحالمة بالحب، وشكل الحكومة والإدارة فى ذلك الزمان، من خلال "الحنفية العمومية" التى كانت تديرها "كوبانية المياه".. وهذه "الكوبانية" رمز للسلطة التى تتحكم فى حياة الشعب من خلال وظيفة "الشماع"، وهذا "الشماع" هو ذاته "شيخ السقايين" الموكل بفتح "الحنفية" وإغلاقها. ولم يغفل الفيلم الفترة السياسية والمقاومة الشعبية، فرأينا شعارات ثورة 1919 مكتوبة على جدران حى الحسينية، ورأينا صورة كاملة، حتى أسعار الفجل والطماطم ووحدات الوزن "الرطل ومضاعفاته"، وهنا تحول الفيلم لمجرد قصة مصورة إلى وثيقة فكرية، سياسية، اجتماعية للشعب المصرى فى القرن الماضى.
سيرة «بنى هلال» كنز إبداعى فى مكتبة الإذاعة
من لم يستمع إلى صوت الأبنودى وجابر أبوحسين - رحمهما الله – وهما يقدمان "سيرة بنى هلال" على موجة "إذاعة الشعب" – فى سبعينات القرن الماضى، فقد فاته الكثير، ومن لم يستمع إلى ذات السيرة على موجة إذاعة الأغانى بصوت الشاعر الشعبى"سيد الضوى" و"الأبنودى" فقد خسر الكثير أيضا، وهذ السيرة ليست مجرد حكاية شعبية طويلة ترصد قصة من التاريخ تخص هجرة قبائل "هلال وسليم ودريد والأثبج"، من بلاد نجد إلى تونس، بل هى "دستور كامل" يحتوى على القيم والمبادئ العربية، التى تؤثر فى حياة الناس فى الصعيد إلى يومنا هذا، ولعل الصعايدة يعرفون أن أسماء مثل "دوابة" و"واطفة" و"عزيزة" و"يونس" و"العجبان" و"مرعى" و"زيدان" و"زيان" كلها مأخوذة عن السيرة الهلالية، وكل ما يجرى على أرض الصعيد من حروب بين القبائل وصراعات حول الأرض والعرض والكرامة مستمد من السيرة الهلالية. إنها بحق "دستور الصعيد" المصرى الذى حملته "فتنة" المعز بن باديس، ذلك الوالى الذى تمرد على الخليفة الفاطمى "المعز لدين الله"، وقد كان تمرد "ابن باديس" مرجعه تمرد أهل "القيروان" على الدولة الفاطمية والمذهب "الشيعى" الإسماعيلى الذى أسسه محمد بن إسماعيل وتأسست فى ضوئه دولة الفاطميين فى المغرب، ثم انتقلت إلى مصر فأنشأت "القاهرة" لتكون عاصمة لها، وأنشأت الجامع الأزهر ليكون معهدا لتدريس مذهبها الدينى.
إن قبائل الحلف الهلالى استقرت فى مصر فى محافظتى "مطروح والبحيرة"، وتتبنى القيم التى أرسى دعائمها أبو زيد الهلالى وحسن بن سرحان ودياب بن غانم والجازية الهلالية وغيرهم من الأبطال الذين صاغوا "ملحمة" الانتقال من المشرق العربى إلى المغرب العربى للدفاع عن "الأشراف" الذين ذبحهم "المعز بن باديس" وهم يصلون صلاة الجمعة. وقد كان انتقال هذه القبائل استجابة لاستغاثة "جبر القرشى". وهناك أسباب أخرى ذكرها المؤرخون مثل "ابن خلدون "، لكن ما يهمنا هنا التأكيد على أن "الإذاعة المصرية" تمتلك "تسجيلات" كاملة لهذه الملحمة المسماة بسيرة "بنى هلال"، والفضل الأول فى ذلك يرجع إلى "عبد الرحمن الأبنودى" و"جابر أبو حسين" والمخرج الإذاعى "أحمد علام".. فمتى نستمع إليها مرة أخرى يا رئيس الإذاعة؟
زكى رستم.. الفنان الذى طرده المرض من «البلاتوه»
من يستطيع نسيان وجه الفنان الكبير زكى رستم؟ ذلك الفنان الذى أقنعنا بكل الشخصيات التى قدمها على الشاشة. تذكروا معى دوره فى فيلم "عائشة" مع فاتن حمامة وفردوس محمد، كان دوره هو "الأب الفهلوى" الذى يعيش فى هامش المدينة ويرتزق من عرق عياله، يرسلهم ليسرقوا "محافظ" الناس أو يبيعوا ورق "اليانصيب" لياكل ويشرب الخمر، ويحمل لقب "المعلم" دون اعتبار لقيمة أو مبدأ.. وتذكروا دوره فى فيلم " نهر الحب"، وكان يقوم بدور واحد من رجال الأحزاب السياسية قبل ثورة يوليو 1952، وهو الرجل الكهل الذى ارتضى لنفسه الاقتران بفتاة تصغره بسنوات عديدة، ثم تحول إلى وحش فالتهم عمرها وشبابها. وذات الشخصية قدمها فى فيلم "أين عمرى" مع الفنانة "ماجدة"، وهو نفسه الذى قدم شخصية تاجر المخدرات فى فيلم "رصيف نمرة 5"، وهو تاجر مخادع يقدم نفسه للناس فى صورة رجل البر والإحسان بينما هو يبيع الوهم والسموم للناس الذين طحنتهم الحياة، ويراكم الثروات من وراء آلامهم، ويجنى الثروة وهو متدثر بعباءة الرجل المؤمن. وهناك شخصية أخرى قدمها فى فيلم "الفتوة"، شخصية المعلم الكبير المحتكر للسوق القادر على طرد صغار التجار منه بفضل أمواله الكثيرة وعلاقاته مع رجال السلطة. المشترك فى هذه الشخصيات هو "الإقناع" والقدرة على جعل المشاهد لا يتذكر شخص الممثل زكى رستم، والاقتناع بالشخصية المجسدة أمامه من خلال انفعالات الممثل. وقد حقق زكى رستم هذه المكانة على حساب حياته الشخصية، فقد طردته عائلته الغنية عندما قرر احتراف التمثيل، لأن التمثيل فى ذلك العصر كان مهنة الحقراء والفقراء، ودفع زكى رستم الضريبة، واختار الفن، لكنه لم ينخرط فى الوسط الفنى، فكان ينتهى من تمثيل دوره ويلزم داره ليقرأ ويكتب ويلتقى بصديقه عبدالوارث عسر وآخرين من خارج الوسط الفنى، وسر علاقته مع عبدالوارث عسر يعود إلى بداية شبابه، فكان عسر هو من وضع قدمى زكى رستم على طريق الفن عندما قدمه إلى الفنان جورج أبيض وساعده فى معرفة قواعد فن التمثيل، وعاش زكى أعزب فلم يتزوج لأن دخوله عالم الفن غرس فيه "عقدة" نفسية نتجت عن شعوره بالذنب تجاه والدته التى أصيبت بالشلل عندما علمت بإصراره على احتراف مهنة التمثيل، وفى يوم من الأيام أصيب الفنان القدير زكى رستم بضعف السمع ثم فقد سمعه بشكل كلى، الأمر الذى أجبره على مغادرة البلاتوه إلى الأبد، وعاش وحيدا إلى أن رحل عن الدنيا بعد أن أمتع جماهير السينما بما قدم من شخصيات ما زالت حية فى قلوب الناس إلى يومنا هذا.