الأربعاء, فبراير 26, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : د / سامي البلشي

kkki9oooijuu.jpg

ليس جديدا عليها.. هى أصل الحياة منذ أن انطبعت قدمُ الماءِ على الأرض الجديبة.. من بدايات بدايات الزمن.. كانت المرأة تنسج الملابس، وتصنع من الخوص السلال، وكذلك الأوانى من الطين، كانت يدا بيد مع الرجال لا فرق بينهما، وبعد أن ميز نفسه بالقوة كانت المرأة المروضة المتحكمة المتمردة المسيسة.
من بين أقدم السجلات التاريخية الأوروبية المتعلقة بالفنانين الفرديين، كتبت بلينى الأكبر عن عدد من النساء اليونانيات اللواتى كن رسامات، ومن بينهن مصريتان من أصل يوناني، إحداهما "هيلينا" ابنة تيمون مصر، عاشت فى نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، واشتهرت برسم معركة "إيسوز" والتى انتصر فيها الإسكندر الثالث المقدونى على الإمبراطورية الفارسية، وتوحيد اليونان ومصر وبابل، ونقلت لوحتها لتعرض فى روما بساحة السلام، أما الفنانة الثانية فتدعى ألكسندرا ابنة الفنان نيالسيز.
ويعتبرعصر النهضة البداية الأولى فى التاريخ الغربى الذى اكتسب فيه عدد من الفنانات شهرة دولية. ويمكن أن يعزى ارتفاع عدد النساء الفنانات خلال هذه الفترة إلى التحولات الثقافية الكبرى. وكان أحد هذه التحولات خطوة نحو النزعة الإنسانية، وهى فلسفة تؤكد كرامة جميع الناس، التى أصبحت مركزية لفكر النهضة وساعدت فى رفع مكانة المرأة، اعتبرت هوية الفنان بشكل عام أكثر أهمية، وهناك نصان مهمان، هما "المرأة الشهيرة" و"مدينة المرأة"، يوضحان هذا التغيير الثقافي.
ولكن ابتداء من القرن العشرين، بدأت الأمور تتغير ليس فقط للفنانات النساء، ولكن بالنسبة للنساء عبر المجالات المحلية والعامة. وحركة نسائية جديدة، مع التركيز على الدعوة إلى المساواة فى الحقوق، والمنظمات المكرسة لمصالح المرأة، وجيل جديد من النساء والفنيين والفنانين حولت الهيكل الاجتماعى الذى يقوده الذكور عادة فى جميع أنحاء العالم. هذه التحولات الاجتماعية، التى بدأت تظهر فى بداية القرن، تطورت أكثر مع ظهور الحرب العالمية الأولى وتوسيع الاضطرابات العالمية، ودفع المزيد من النساء فى القوى العاملة وتعريضهم للأوضاع الاجتماعية والمهنية والسياسية التى كانت فى السابق تقتصر على الرجال.
وعلى الرغم من تهميشهن وتهميشهن من قبل الذكور، إلا أن فنانتين مثل هيلين ساوندرز وجيسيكا ديسمور دفعتا إلى أن يصبحن عضوتين فى الحركات التشكيلية. وعلى مقربة من الفنانين الرئيسيين بابلو بيكاسو وهنرى ماتيس وفرناند ليجر فى 1940. كانت الرسامات السرياليات مثل إيلين آجار ولويز بورجوا كنوز رمزية فى استكشافاتهن للعقل والجسم، والحميمة، والموضوع الجنسى علنا.
واكبت الحركة التشكيلية المصرية الحركة التشكيلية العالمية فى ذات التوقيت من القرن الفائت وبالتحديد فى بداية النصف الثانى من القرن، حيث لمعت أسماء كثيرة مثل تحية حليم وجاذبية سرى وأنجى أفلاطون وغيرهن من رائدات الفن التشكيلى المصرى.
فى معرض "هى أصل الحياة" تم اختيار عدد متنوع من القصائد التشكيلية التى استهدفت قضايا المرأة والمجتمع فى غالبيتها فتميز المعرض بهذا الحس الإنسانى، والذى يعد امتدادا لما تكلمنا فيه قبل ذلك . فالمرأة تتعاطف مع السجينات وتناقش تشكيليا وضع السجينات بقلسفة خاصة فى لوحة الفنانة عواطف صلاح والتى صورت إحدى السجينات تطل من نافذة ضيقة مسيجة بالحديد، وأسفلها باب حديدى عليه قفل فى حين يظهر قطعة قماش صفراء توحى بالكآبة معلقة على حبل غسيل مرتخى خارج النافذة، ويعلو المبنى سلك شائك يؤكد إحكام السجن، وفى الجانب الآخر شباك.. معلق فى حبل الغسيل الذى يتقدمة شراب أبيض وعلى الجدار خيالات لأشخاص يتحركون بالخارج، وهذا المعنى الفلسفى الذى يظهر الناس خارج السجن بخيالات أو أشباح فى مقابل السيدة السجينة التى بدت فى حالة من الثبات وإن صدرت ملامحها بعضا من الحزن . واللوحة فى مجملها تصدر حالة من التعاطف والتفاعل مع السجينة لما بألوانها من شحوب يضاف إلى الحالة التعبيرية التى طرحتها الفنانة .
تحتفى الفنانة هند عدنان بجسد المرأة فتصورها بقميص نوم أبيض شفاف وهى نائمة، واللوحة تنبض بالحيوية من خلال تسليط الضوء عليها تقديرا لمعاييرالجمال بمهارة وبطريقة مثالية بعيدا عن الشهوة، والفنانة تكشف عن كيف ينظر النساء إلى أنفسهن فى التحديث المعاصر للكلاسيكية، واختيارها للأبيض يؤكد الوئام الذى تراه فى دراسة واعية للضوء ونقاء اللون.
فى قصيدة تشكيلية أخرى تتناول أحلام فكرى المرأة يوم زفافها، ولكن من خلال منظور شخصي، مرتبط بالحالة المزاجية والفكرية فصورت عروسا تلبس الفستان الأبيض وتقف بمفردها أمام سرير يعلوه صورة لسيدة بلا ملامح ترتدى قميصا أبيض وهى فى وضع الجلوس ويبدو أنها قعيدة فى حين يقف طائر على شباك الغرفة، وجميع المفردات مع طريقة التلوين الخشنة توحى بالوحشة والغموض وتفتح باب التساؤل.
حنان النحراوى فنانة الاحتياجات الخاصة والتى تتناول القضايا الاجتماعية والإنسانية وتقدمها برؤيتها الخاصة من خلال الأسلوب التعبيرى، وتهتم بإبراز التفاصيل الدقيقة وتأكيد الفكرة التى تدور حولها من خلال الخطوط والألوان.. تناقش الفنانة نيفين فرغلى فى منحوتاتها علاقة الكتلة بالفراغ وتقوم بتجميع بقايا الحديد من شرائح وقطع تشكل بها مفرداتها فى أعمال ثابتة وأعمال متحركة، وتبحث من خلال الإدراك التحليلى والشمولى، والذى يحيلك لاستكشاف وتحليل العلاقات المتماثلة والمتآلفة.. وقد اهتمت الفنانة بتكثيف الرؤية على الكتلة لتظهر الحركة الداخلية للشكل من خلال تلاحم الوحدة وتأخذك لقوة الفعل الداخلى الذى ينعكس على الفعل الخارجى الذى يتحدى السكون .
إذا تكلمنا عن الفنانة مريم عبدالعليم فإننا نتحدث عن رائدة من رائدات فن الجرافيك بمصر.. ساهمت فى تخريج أجيال من طلبة كلية الفنون الجميلة، ولها دور كبير فى إحداث ثورة فنية فى الإسكندرية وفى تأسيس قسم الجرافيك فى كلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية. استطاعت الفنانة فى نهاية الخمسينيات والستينيات أن تؤكد قدرتها فى السيطرة على تقنيات العمل الطباعى باستخدام العديد من الوسائط التقنية المستخدمة. وتجاربها فى فنون الليتوجراف والحفر على الزنك لا تزال تمثل نموذجًا يحتذى به فى فن الحفر المصرى المعاصر. وتؤكد أعمالها الفنية علاقتها الأصيلة بالقضايا الاجتماعية المصرية.
اقتحمت نازلى مدكور ألوانا وملامس مختلفة وجديدة ولعبت بها على جسد اللوحات، وهى تعتمد على المرأة والطبيعة فى لوحاتها. وتستخدم الأسلوب التأثيرى فى تناولها لموضوعاتها فهى تنتمى إلى تيار الانطباعية الجديدة، وتتميز بأنها ملونة جيدة تلعب بالمساحات اللونية المتداخلة فى التشكيل والبناء.
تأثرت زينب السجينى بنشأتها فى تناول الموضوعات البيئية الاجتماعية فقد ولدت زينب السجينى فى القاهرة عام 1930، وعاشت الأيام الأولى من طفولتها فى حى الظاهر كما عاشت أيضًا فى عدد من أحياء مصر القديمة مثل حى الحسين والجمالية والأزهر والنحاسين. كل هذا دفعها لتناول الحياة البسيطة وتنجذب تجاه الملامح البريئة للبنات التى تناولتها فى معظم لوحاتها الفنية. وهى تغزل بها مسطحها التشكيلى، وتميل إلى الرؤية الخيالية التى تضفيها على المفردات المرئية المحسوسة، وهو مايؤهلها لبناء عالمها الخاص داخل مجال يشعرك بصرياً ووجدانياً بتشكيلاتها البسيطة.
شاركت الفنانة شيرين البارودي، بموضوعاتها الفلسفية لتقدم مزيجا ثقافيا يربط بين شغفها بالخرائط والرموز الثقافية، لتقدم أشكالا مستلهمة من الخرائط ولكن بحس تشكيلى متميز، وبمساحات لونية وخطوط شديدة التحديد والدقة مكودة ومشفرة لتوحى لنا بدلالات مرئية هى وسائل للتواصل . تسبح بنا فى تلك السحابات الفلسفية برموز ودلالات فى جرأة بتناولها للمساحات البيضاء التى تركتها كنوافذ من نور تحفزنا على البحث والتحليل للوصول لجماليات اللوحات.
رباب نمر فنانة المجتمعات الساحلية والتى تبرز من خلال تناولها للصيادين معانى جمالية مدهشة من خلال تناولها للظل والنور والبحث فى عمق العمل الفنى، كما تستلهم من الرموز التراثية معانى تدفرها مع مفرداتها . وتكويناتها تقترب من التكوينات النحتية فهى تحتفى بالكتلة وتدور حولها وتستمر فى مغازلتها لمفرداتها وتأكيد التفاصيل الخاصة التى تعلى من القيمة الجمالية للموضوع. وهى تهتم ببناء اللوحة على أساس التركيب الهندسى والرياضى وترتبط معظم أعمالها بالروح التكعيبية، كما تتميز لوحاتها بالرؤية التأملية والانحياز لهموم الإنسان، ويتأكد حلمها ورؤيتها للمستقبل بروح المتفائل من خلال العيون التى تبرز دورها فى اللوحات وهى تتأمل إلى المدى البعيد.
لا أبالغ اذ قلت إن زينب سالم من أهم الخزافات بمصر، فهى تمارس فن الخزف منذ عام 1967، وكلما شاهدت أعمالها أستشعر الرهبة وكأننى أمام شموخ الفراعنة فى بناء أعمالهم. خزافة عنيدة تتحدى الكتلة وتروضها بالتشكيل حسب ما تراه، وتداعبها بألوان الجليز التى برعت فى استخدامها. الأمر الذى يدعوك للتعامل مع ماتنتجه بروح الخزف ونبض التصوير.
ولا تهتم الفنانة بالحجم الصغير فى تشكيلاتها هى تتحدى بالأحجام الكبيرة المستلهمة من الطبيعة والتراث.
تحتفى فيروز سمير بالمرأة فى تناولها لأعمالها برؤية معاصرة، وهى تهتم بتأكيد الحالة المزاجية للبنت المصرية وتصورها برؤى مختلفة تؤكد ما بها من مشاعر وتساؤلات، كما أن العلاقة الحوارية بين الألوان الساخنة والباردة تعلى من قيمة العمل وتزيد من الرؤية الفلسفية له.
حوار الطائر والسمكة وعدد من الرموز الشعبية تحاورنا به الفنانة ميرفت شاذلى بنت النوبة خريجة كلية الفنون الجميلة قسم التصوير، وهى تهتم بإبراز الحالة الاجتماعية للمرأة بالجنوب، وتتناول البيئة بتلك المبانى الطينية المتميزة والتى تطل على النيل، وتهتم بقضايا النساء السمراوات اللاتى يسعين للحرية، وذلك من خلال تحريرهن وتمردهن على الواقع المغلق المحاصر بالعادت والتقاليد التى تحاول من خلال رؤيتها الفلسفية التمرد على كل هذا بجماليات تشكيلية تحمل مضامين فكرية جديدة.
استخدمت الفنانة صفية القبانى الخامات المختلفة كالزجاج الملون والأحجار والمواد اللاصقة فى بناء أعمالها معتمدة على تناغم الألوان وعلاقة صفات الخامات بالموضوع فأحيانا ترى إنبعاث الضوء من الزجاج الملون مثلا يكون له تأثير فى رؤية العمل الفنى، فهى تهتم بخصائص الأشياء التى تتناولها كخامات وتقوم بتفعيل دورها. وقد نجحت الفنانة فى تأكيد هذا أثناء عملها بالفسيفساء.. جدير بالذكر أن الفنانة صفية القبانى اول عميدة فى الشرق الأوسط لكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان عام 2015.
وأخيرا نعيش فى رحاب أعمال الفنانة أمانى زهران والتى أعتبرها متصوفة فى محراب الدراويش والمريدين، ومتوحدة مع البسطاء تتغزل فى ملامحهم المعبرة لتطرح علاقات جدلية بين تكويناتها والفراغات من خلال تصوير أعماقهم التى تبدو مقرؤة بيسر وجمال بأسلوبها المنتمى إلى الواقعية التعبيرية، والتى ترصد من خلاله المضامين وتقوم بتحليل التفاصيل من خلال تناغمات لونية وإيقاعات تحققها بألوان الباستيل والأكليرك.