الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : د / عزة مازن

17948693_1555235274487955_2036751864_o.jpg

في مجموعته القصصية الأحدث "السهو والخطأ" (2016 ) يُشيّد القاص والروائي الشاب "حسن عبد الموجود" عالمًا سرديا يقف على البرزخ بين الواقع والخيال، تتلاشى فيه الحدود بينهما أحيانًا وتتداخل وتتقابل أحيانًا. خمسة عشرة قصة قصيرة، أقرب إلى المتتالية القصصية، يربطها خيط سردي ممتد.. روح وحيدة تتلصص على العالم من وراء جدار بؤسها وعزلتها الزجاجي، فيلتقي العالمان، الداخلي والخارجي في مشاهد برزخية متداخلة تطل من عالم كابوسي كفكاوي.
خلف تفاصيل الحياة اليومية العادية تتوارى أحلام وهواجس كابوسية لروح منعزلة، تتلصص على الحياة من وراء جدار زجاجي، فتختلط تفاصيل الحياة الواقعية المعاشة مع هلاوس داخلية لإنسان وحيد معزول ومنعزل. تُستهل المجموعة بقصة "السُكر في فراغات الشاي" والتي تشكل بؤرة سردية تلتف حولها خيوط السرد في قصص المجموعة. يعيش السارد الوحيد المنعزل في أحد الأحياء البعيدة على أطراف القاهرة، ويحاول الاشتباك مع العالم الخارجي من وراء جدار عزلته الزجاجي، فيتلاشى في التفاصيل المتداخلة بين الواقع الخارجي وهلاوسه وأحلامه الداخلية:
(أضع ثلاثة مكعبات من السكر في كوب الشاي، تتبخر حتى قبل أن أقلبها. يقولون إنها تختفي في الفراغات، وأفكر في أنني أذوب مثلها في هذا العالم فلا يراني. ينتشلني الصوت من تفكيري مرة أخرى. أجري ناحية الباب، وأنظر من العين السحرية وأرى جاري الضخم، أخيرًا ، يتعمد الاصطدام بكيس القمامة، ويلقيه أمامه، ثم يدوسه بحذائه. من مكاني كنت أسمع صوت قرقعات "الكانز" وعظام الدجاج والخبز الناشف تتهاوى تحت قدميه الضخمتين. فتحتُ الباب بسرعة، ولكنه اختفى في لحظة، كأنه تبخر، أو طار من فتحة التهوية أعلى "بسطة السلم").
يومئ السرد إلى ذلك التداخل والامتزاج بين الواقع بتفاصيله الحياتية البسيطة وبين العالم الداخلي للسارد، بهلاوسه وكوابيسه. فربما لم يكن ذلك الجار الذي يخايله ثم ما يلبث أن يذوب "في الفراغ" سوى حيلة يلعبها لاوعي السارد، لتأكيد دخول الذات المنعزلة في علاقة مع العالم الواقعي الخارجي: (هل يمكن أن يكون ذلك الجار مجرد شبح، أم أنني من يقوم بدور الشبح؟!) يصر السارد على الإمساك بجاره الوهمي، فوجود الجار يؤكد له وجوده المادي في العالم الخارجي: (كنتُ أخرج بسرعة خاطفة أحيانًا إلى البلكونة وأوجه مفتاح السيارة إلى الفراغ، وحينما ينطلق صوت سيارتي أشعر بطمأنينة. كان جاري يظهر بسرعة أيضًا في مثل هذه المواقف ويقلدني .... أشعر أن جاري – الذي لا أعرف عنه شيئًا – موجود ليشعرني بغيابي، حينما يظهر أبحث عن نفسي...).
تنفتح قصص المجموعة على تنويعات شتى على وحدة السارد وعزلته. في قصة "تمرين على رفع اليد" يلتقي السارد مع غيره من الذوات الأخرى المعزولة والمنعزلة. تكون العزلة أحيانًا مفروضة بقرار قهري، كالذي يفرضه مدير الشركة التي يعمل بها السارد على موظفيه الثلاثة، فيعزل كلًا منهم في غرفة منعزلة. وعلى جانب آخر، تكون العزلة اختيارية، لتأكيد قيمة التواصل في حياة البشر، مثل ذلك المطعم الذي يقدم خدمة "عدم الاستجابة". يقول الإعلان الذي قرأه السارد: (هنا نتيح لك إذا كنت من هواة الأوامر ألا يطيعك أحد... تستطيع أن ترفع يدك إلى اليوم التالي ولن يستجيب لك أحد... إذا كنت تعاني من الزحام في حياتك وتحتاج إلى الوحدة تعال إلينا فورًا...). يدفع الفضول السارد إلى الذهاب إلى المطعم المعلن عنه، فيجلسه النادل إلى إحدى الطاولات الصغيرة الموزعة على مسافات متباعدة في المكان. يتطلع حوله فيجد أن (كل شخص يجلس إلى طاولة، ولا كراسي أخرى إلى جواره.... معظمهم يرفع يده، ثم يعيدها مكررًا المحاولة، ينظر في أوراق أمامه، تبدو أقرب إلى "منيو"، ثم يرفع يده ولا أحد يجيب). يقرأ في ورقة التعليمات: (ممنوع الجلوس مع أحد آخر أو السلام عليه، ممنوع اصطحاب أحد المعارف أو الأصدقاء... نرحب بك بمفردك... هدفنا إشعارك بأهمية التواصل عن طريق إغراقك في الوحدة...). في ذلك المكان يتشظى البشر إلى ذوات منعزلة، منطوية على نفسها وعلى عوالمها الخاصة. إنه النقيض الصارخ للزحام الذي يضيع فيه البشر ويفقدون خصوصيتهم. في ذلك الفراغ بين الزحام الذي تضيع فيه الخصوصية وبين العزلة الأقرب إلى الموت يسقط السارد الذي يبحث عن نوع من التواصل الإنساني يحفظ الخصوصية ويحترم إرادة العزلة.
في قصة "أربعة مقاعد لضيف واحد" تحكم شرنقة العزلة خيوطها حول السارد، فيهرب إلى الزحام في أحد مقاهي حي الزمالك العتيق، ربما بحثًا عن ذلك النوع من التواصل المنشود، ولكن خيوط الشرنقة تزداد إحكامًا، فتخنق روحه وتغرقه في الشعور بالغربة: ( كان وجوده غير محسوس كأنه شبح، وكان من المفترض أن يشعر بالراحة هو الشخص الذي يبحث عن العزلة، وقرر أن يصوغ ما يفكر فيه على هذا النحو: "أنا أحب العزلة.. ولكني أشعر بالضيق حينما يعتزلني العالم". ومن ثم صاغ قناعته في جملة جديدة: "العالم يدير ظهره لمن يحب العزلة". يصر السارد على اختبار مشاعره، فيذهب إلى بار كان يرتاده فيما سبق. وجد المكان شبه خال سوى من بضعة أشخاص. بالقرب منه كان يجلس شخص في أواخر الأربعينيات، ظل يأتي إليه يستأذنه في كرسي إثر آخر، بينما هو يجلس بمفرده: (نظر إلى طاولة الأربعيني، ولم يكن هناك أحد معه، وانتبه إلى أنه أصبح يملك خمسة كراسي الآن.... انتبه في تلك اللحظة إلى أن كل طاولة يجلس إليها شخص واحد مع مجموعة من الكراسي، وكان كل منهم مشغول بتليفونه...).
في قصة "الأمور السيئة" تتكاثف الأجواء الكابوسية ويمعن العالم الخارجي في الكيد للسارد، ليتأكد له أن "العالم يدير ظهره لمن يحب العزلة". بينما هو ذاهب إلى عمله في المدينة، بعد يوم ممطر طويل، شعر بأن المدينة تلفظه وتكيد له. فسائق السيارة يتعمد السير مسرعًا وسط بركة المياه ليغرق ملابسه، ويسخر منه صاحب السوبر ماركت حين لايعرف اسم نوع الشيكولاتة التي يريدها، ويرفض أن يبيعها له، ويسخر منه الآخر حين لا يعرف ثمنها، فيمسك السارد بالكيس، يفتحه ويلقي قطع الحلوى في وجهه ثم يجري إلى الشارع: (كنت أجري دون أن ألتفت خلفي، حتى وصلت إلى ميدان "حديقة المبدعين"، وتوقفت لحظة لأتخذ قرارًا أي شارع من الشوارع الثلاثة سأسلك، ولكنني فوجئت بأن الشوارع غير موجودة، الميدان مصمت تمامًا إلا من الشارع الذي جئت منه.... ليس هناك إلا أنا وخلفي سور "حديقة المبدعين"، نظرت باتجاه الشارع الذي جئتُ منه ورأيتهم يأتون باتجاهي، البائع الدائري، والبائع الشاب، والسيارة التي أغرقتني مرتين... واجتاحتني موجة من الغضب).
في قصص المجموعة يُنسج السرد خيوطه في أجواء كابوسية تشتبك فيها مفردات الواقع وتفاصيله البسيطة مع هواجس نفسية داخلية، فتتشكل عوالم سردية تتلاشى فيها الحدود بين الواقع والخيال، بينما يحاول السارد الاشتباك مع العالم الخارجي من وراء جدار عزلته الزجاجي.