الأربعاء, يناير 29, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : د / سامي البلشي

kkki9oooij.jpg

يدهشنى بحيويته المرتبطة بقدر كبير من الطيبة.. ملامح وجهه تبتسم لك فتراه دائم البشاشة.. فهو فنان بداخله ناقد، وناقد بداخله حب للجميع.. مثقف بامتياز، وعاشق للأطفال والإبداع لهم.. لا يبخل بمعلوماته على أحد، ولم يطلب مجاملة له، ولم يزاحم أو ينشغل بتوزيع المهام والأدوار، فاستراح من وجع الدماغ، واكتفى بحب الجميع له.. إنه صلاح بيصار ابن الدلتا الذى اهتدى مبكرا إلى أن سريان مياه النيل تجرى فتروى، فاختار أن يكون كذلك.
اقترب صلاح بيصار من كبار الفنانين والمثقفين، فكانت تربطه بزكريا الزينى صداقة كبيرة فرأى فيه البساطة والعمق وتعلم منه، وارتبط بحسين بيكار الرائد والفنان الشامل وكتب مذكراته التى نشرت بالمصور عام 1992.. وحامد سعيد رائد مدرسة الفن والحياة والذى أكد على تواصل الفكرة الدينية فكرة التوحيد من الفراعنة"إله واحد آتون"عند اخناتون وحتى المسيحية والإسلام والذى تأمل آيات الإبداع الإنسانى المصرية وقرأها بعين بصيرة عين زرقاء اليمامة.. وأيضاً حسن سليمان المصور الفيلسوف وشارك فى كتاب حول حياته وعالمه مع الناقد محمد حمزة والفنان سمير فؤاد"حسن سليمان آخر فرسان الخمسينيات"وغيرهم الكثير.. نحن نتعلم من الكبار والصغار.
كان لنشأة بيصار أثر كبير على المستوى الإبداعى التشكيلى والنقدى، وعلى مستوى القيم التى تجعل الفرد داخل المجتمع يدرك المعنى الحقيقى للتفاعل والتأثير والتأثر والأخذ والعطاء. فقد نشأ بقرية"شنوان"القريبة من شبين الكوم ويفصلها بحر شبين عن قرية الدلاتون التى نشأ فيها الكاتب الروائى عبدالرحمن الشرقاوى صاحب رواية"الأرض"التى تحولت إلى فيلم من إخراج يوسف شاهين، وكانت قريته مسرحا للأحداث والصراعات بين الفلاحين والإقطاع أو الطبقة البرجوازية الزراعية.
فى طفولة بيصار كانت قرية"شنوان"بلا كهرباء إلا أنها كانت تتحول إلى قطعة من النور فى الاحتفال بالموالد الشعبية ففى مولد سيدى سليم وسيدى مزروع تضاء القرية فجأة بأفرع النور عن طريق المولد الكهربى.. وكان القمر مصدر الضوء الوحيد فى الليالى المظلمة مما ساعده على نمو الخيالات.. وكانت هذه البيئة الريفية بإمكانياتها البسيطة تحفز على الإبداع والابتكار وهى التى أفرزت علامات فى الفن كالمثال محمود مختار المبشر الأول بالنحت المصرى الحديث صاحب نهضة مصر والخماسين.. فهى بيئة طاقتها الإبداعية المحفزة غير محدودة فى ذلك الوقت وكان الطفل يعتمد على نفسه وخياله ويصنع ألعابه بيديه كما كانت الألعاب الشعبية مصدر متعة وتعتمد على الابتكار الذاتى والتعبير التلقائى مثل الطائرات الورقية وعرائس ومجسمات الطين والقماش وحصان القش.. وهناك تربى أيضاً على رائحة أزهار القطن الصفراء وزهور البسلة بلونيها الأبيض والبنفسجى وكانت القراءة الوسيلة الترفيهية لجيله ككل أبناء القرية من المبدعين.. فكان يقرأ كل ما تطوله يداه من كتابات: نجيب محفوظ وإحسان القدوس ويوسف إدريس ومحمد عبدالحليم عبدالله والشرقاوى وسعد مكاوى وسعد وهبة ويحيى حقى وتولستوى وهمنجواى وسارويان وساعده فى هذا مكتبة والده مدرس اللغة العربية والمحرر المحلى لصحيفة المساء.
فى لقاءات كثيرة جمعتنى بالفنان الناقد بيصار، وجميعها أكدت لى أن هذا الرجل متدفق العطاء، وهذا ما دفعنى لسؤاله عن مشروعه الفنى الخاص به فقد أقام سبعة معارض فردية من عام 1979 حتى 2005. ثم انقطع ليفاجئنا بالمعرض الفردى الثامن عام 2016.
قال لى صلاح بيصار: "منذ معرضى الأول كان يحمل اسم"أنشودة البساطة"وهو اسم كتاب للأديب يحيى حقى الذى أعتز بأنه ينتمى إلى مصر يشجى ويطرب ويبهج.. وعموما أعمالى موزعة بين الرسم والتصوير فيها روح الفانتازيا.. وفى المعرض الأخير"ليالى الشرق"جاءت الأعمال من وحى الشرق الفنان بتعبير د.زكى نجيب محمود تتماس مع التصوير الإسلامى وفن المنمنمات.. نحن لدينا تراث عميق ومتسع من المصرى القديم والفن القبطى وإلى الإسلامى تتواصل فيه الحضارة المصرية بخصوصية شديدة".
كان لا بد أن أسأله عن منهجه كرسام للأطفال خاصة وقد قام برسم أكثر من مائة كتاب للأطفال فى المراحـل العمرية المختلفة من ما قبل المدرسة حتى مرحلة الفتيان"بداية الشباب".
أجابنى بيصار: "أشعر أن بداخلى طفلا صغيرا كثيرا ما يبكى رغم ابتهاجه أحيانا، وأحاول أن أعبر من خلاله وبشكل تعبيرى لايخلو من بساطة وتلقائية عن كل ما أرسم بالنسبة لأطفال ما قبل المدرسة وحتى الفتيان أو الأطفال الكبار المقبلين على مرحلة الشباب.. لقد حصلت على جائزة معرض فرانكفورت وهو أكبر معرض للكتاب فى العالم"جائزة أحسن عشرة كتب"عام 1997 عن كتاب"سيد الخلق"عليه الصلاة والسلام وهو خمسة أجزاء"200 لوحة"وكتاب محمد فى 20 قصة لرائد أدب الأطفال بعد كامل كيلانى عبدالتواب يوسف حصل على جائزة"الآفاق الجديدة"من معرض بولونيا الدولى لكتب الأطفال بإيطاليا.. وهناك كتاب"الرسول فى عيون اندرسون" فى قائمة الشرف للمجلس العالمى للكتاب فرع لندن.. وأعتقد أن وراء ذلك.. الحب لهذا العالم وأن نكون مشاركين بالقليل فى صنع البهجة فى الثقافة البصرية لأطفالنا من خلال الصورة".
كان لا بد أن نكمل حواراتنا المتفرقة بسؤاله عن منهجه كناقد استفاد من كتاباته آلاف الفنانين والنقاد والمتذوقين للفن.
وكان رد بيصار: "البساطة"هى الأساس والمنهج.. الفن التشكيلى يعيش أزمة كبيرة رغم أنه فى مقدمة الفنون فى الحاضر والتاريخ.. والتحدى الحقيقى أن يعيشه الوجدان المصرى وهذا هو دور النقد.. أن نرتفع بالذوق العام الذى يجعل المتذوق ينجذب للإبداع ودور الناقد مكملا لدور المدرسة المنقوص أقول لوزير التعليم حصة التربية الفنية متى تعود حصة أساسية ومتى تصبح زيارة المتاحف المصرية فى برنامج الرحلات المدرسية.. أقصد المتاحف الوطنية ومتاحف الفنون. والنقد مسئولية كبيرة خاصة مع ثورة الاتصالات وصك مصطلح الفنون البصرية الذى ظهر فى الثلث الأخير من القرن الماضى نحن نقطة فى بحر المعرفة".
وعن الصراع الدائم بين مشروعه الفنى الذى ينوى تحقيقه ودوره كناقد. قال بيصار"مشروعى أن أصل إلى عنفوان التصوير وتلك مهمة صعبة.. الفن خبرة والنقد يجهز على الإبداع.. ورغم هذا لانمتلك سوى الحلم.. أيضاً أشعر بالسعادة فى أننى أحاول أن أضىء شمعة ففى البدء كانت الكلمة".