الأربعاء, يناير 29, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : وفاء عوض

wafa234kll.jpg

لا.. ليس لأنه موسم التفجيرات والقتل الجماعي في شوارع الدنيا.. اكتب عن الارهاب, فالإرهاب في نظري لم يعد مجرد حادث عابر نتذكره كلما مر أمام كنيسة أو جامع أو منشأة عسكرية أو مركز تجاري أو حتي من أمام شاطئ..فالإرهاب بات أسلوب حياة وليس لأن الإرهاب هذه المرة ضرب بيتاً للرب،لملمت أوراقي والسكين التي بها أكتب.. ورحلت لأضيف ملحمة جديدة من ملاحم الشجب والتنديد والمطالبة بالمحاكمات العسكرية لمن فعلوها.."بالمناسبة منظر الدم والجثث الملقاة في دور العبادة وفوق الأرصفة في شوارعنا وشوارع العالم ليس فقط يحزنني،ولكنه يذكرني بأفلام الرعب والخيال العلمي، ولا أقول يفكرني بالغابة،لأن حتي الغابة تحكمها شريعة الغابة..
لا لن أكتب عن الإرهاب شجباً وتنديداً، فالشجب والتنديد هو المظهر الخارجي للامبالاة، والوقوف مكتوفي الأيدي أمام مهرجان سفك الدماء ولكنني سأكتب لأن أول صوت طالعني هذا الصباح كان صوت المذيع وهو ينقل أنباء التفجيرات في كنيستي الإسكندرية وطنطا صبيحة يوم الاحتفال بعيد أحد الزعف وأعياد شم النسيم.. إذاً أنه الربيع عاد إلي غاباته ليجدها محروقة، عاد إلي دروبه فوجدها مفروشة بالجثث والدماء، عاد إلي شطآنه، فروت له النسمة حكاية ربيع إسكندريه الدامي، إنه الربيع وكم بت أكره كلمة "ربيع" وكل مايمت لتلك الكلمة بصلة، رغم أنه الفصل الذي حمل نبأ مولد وقدومي إلي هذا العالم التعس إذا أنه الربيع عاد إلي شعبه من الطيبيين العابدين الناسكين فوجدهم ينزفون، ربما لذلك جفت دموع السماء حزناً فيما ظن الناس وهما أنه الربيع أتي، وصفي اللون الأزرق في السماء..وآه لو يعلمون!
إنه الربيع.. وانفجرت الدم من شرايين البشر الأمنيين، بدلاً من أن تتفتح الأزهار فوق الأشجار فرحاً وابتهاجاً، لتستحيل حياتنا إلي أسطورة من سأم للأشياء من حولنا، وحتي من وجودنا مادمنا غير قادرين حتي علي الفرح، وممارسة طقوس أعيادنا، واستحال وجودنا إلي قطار يلهث برتابه بين قضيبي من حديد صدأ مهترأ، لا نعرف بأي نفق مظلم توقفت عجلاته، ولا نعرف نحن: متي نخرج من هذا النفق؟
إذن من منا لم يعد يعيش أسطورة اللاجدوي تلك من كل شيئ حولنا؟..حتي الانتظار والقلق الذي كان يلهب حماس حياتنا،الحب ،الفن ،الأعياد، الخلود..كل شئ لم يعد له معني مادام محكوم علينا أن تتفجر أجسادنا يوماً علي يد إرهابى يري الخلود واللذة الأبدية في قتلنا، حتي كفاحنا من أجل الحب والفن والحياة يبدو في ظل مايحدث مضحكاً وسخيفاً، بعدما ندرك أننا ما إلا قطيع يتلهي باللهو والشجار، ريثما يستيقظ "الجزار" وينتقى ضحية اليوم، وأننا سجناء أمزجة إرهابي ينفذ تعاليم دين صهيون، يسخر من حضارتنا ومن طقوسنا وأفراحنا وأعيادنا ،وحتي أدياننا، ونعرف وقتها أنه لا جدوي من الشجب أو حتي المقاومة مادمنا تحت سماء هذا البلد نشترك في مصير واحد أمام المارد"الإنتحارى.."
هذه الخواطر كلها توهجت فجأة في رأسي حينما سمعت صوت المذيع يعلن للمرة الألف عن تفجيرات وموت ويندد ويتوعد علي ألسنة المسئولين: لن تهزمنا يد الإرهاب، لن نستسلم، سنحارب.. بينما الخلفية دماء وجثث وصراخ وعويل.. وأحسست برغبة في أن أنفجر في قهقهة، ليس ضحكاً وليس بكاء ،مجرد تنهيدة لا مبالاة ولا خوف كنت وقتها غارقة بين أوراقي وكل الكتب والقصائد التي تتحدث عن جمال فصل الربيع، كنت أحاول أن أكتب لكم عن الحب والوطن المفضل للربيع كما نصحني احد الأصدقاء، كنت سأكتب لكم عن طقوس حرق" اللمبى" في عيد شم النسيم في مدينتى بورسعيد، "واللمبى هو آخر جندي إنجليزي رحل من بورسعيد بعد العدوان الثلاثي" ولكنني أمام مشهد الموت الجماعي هذا والجثث الطازجة، رأيت أن اللمبي قد عاد وفجر نفسه فينا ، بينما عيناه تطل من كل مكان حولي، حمراء شيطانية ساخرة تظل تقترب مني، الإنتحارى الإرهابى يئن في ركن ما من غرفتى، صفحات ترحالى في مدن الربيع تتطاير وتختفي، والإنتحارى لم يعد يئن، رحت أمد يدى اتحسس ماتبقى من وجهه، استحال فجأة إلي جمجمة صفراء مرعبة، ويغمرنى إيمان حقيقي باللاجدوي من كونه مات أو ظل علي قيد الحياة، فغيره سيأتي ويسحقني من الوجود ..أركض إلي الشارع، الوجوه من حولي حزينه كئيبة، وأصوات أجراس الكنائس وأذان الظهر في المساجد يعلو ، وأرفض كل شيئ ،لا شيئ غير الدمار والخراب والقتلى..
وانا لم أعد أشعر بشئ.. إذاً إنه الربيع عاد..ألم تختزل يد الإرهاب بهذا العمل الدامى وحده كل ماتمثله؟ ويكتب صيغته بكلمة حروفها حزام ناسف وقنابل، تقول ببساطة: أنا ضد التعايش بسلام، ضد الأمن والأمان، سأدمر هذا البلد، سأعلنها حرب طائفية، وهل كانت صدفة أن تضرب يد الإرهاب الكنائس، وهل صدفة أن تطول العمليات الإرهابية البشر الآمنين في نيس وألمانيا وباريس والسويد..
هل هي صدفة، أم عمل إرهابي منظم لإنعاش فوبيا الإسلام وبرقية مكتوبة بالقنابل تحمل اعترافات من وراء هذه الأعمال الدموية بنواياهم وتهديداتهم للعالم المتمدن كله.. فحين فقد الإرهاب أعصابه أمام مايحدث في سوريا، انطلق يضرب علي غير هدى، ألم يكن عقله الباطن هو الذي يحدد أهداف التفجيرات؟ فكان الهدف بيوت الرب في الإسكندرية وطنطا وقبلها في القاهرة وبغداد.. الموعودون بالجنة لفوا أجسادهم بالموت، وركضوا به داخل بيوت الله فوق وجه مصر الناصع، زرعوا فيه الحرائق، صباح أحد السعف..بدأ عرس الدم في كنيستين بمدينتي طنطا والإسكندرية، أمطرت السماء ناراً وزجاجاً وحديداً وأجساداً ممزقة، لم يهرب المواطنين الآمنين، بل وقف أكثرهم مذهولاً يتأمل مايدور ،مطر النار كان برداً وسلاماً علي قلوبهم التي قتلها الإرهاب طيلة أعوام ستة تساقط خلالها الكثيرون من أبناء الشعب الواحد مسلمين ومسيحيين، وعرس الدم في طنطا والاسكندريه لا يمكن أن يخلو من نغمة باكية أسيانه ،فالحرب هي الحرب، لكن السمة الغالبة في سيمفونية الحرب علي مصر، أنه رغم الوعى الجماعى بأنه لا مفر من دفع ضريبة الدم من أجل الخلاص من الإرهاب وعاره، إلا أن حالة من القنوط واليأس واللامبالاة أصابت الناس في الشوارع، إلي متي تستمر هذه الحرب القذرة التي تفاجئنا حتي في غرف نومنا، إلي متي سيرقد شبح هذا الإرهابى بحزامه الناسف في زاوية من مدينتنا.. يتكاثر ويتكاثر رغم إعلان موته آلاف المرات..
وأخرج إلي الشارع وأنا أحمل تابوتى، أتجول في طرقات المدينة الحزينة، الانتحارى استراح إلي سكينتة وجنته الموعودة، أما نحن فلعنة الإرهاب تنحسر عنا أوقات قصيرة، ثم ماتلبث أن تعود لتنتقى أرواحنا التي ستحصدها، ومن جديد نسمع ونري أنباء الموت، وصور ماتبقى من أشلاء أولادنا، ونمشى في طابور الموت خلف النعوش وهناك في المقابر، نودع أحبائنا.. إنها الحرب.
نبضة مسافر
مادامت حياتنا في هذا العالم البائس كما هي، فإن الموت هو علي الأرجح أول مرة نتذوق فيها طعم الحرية
« إسحاق روزنفيلد »