الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : خالد اسماعيل

khaledesmail00a0ij.jpg

فى سجل السينما المصرية أفلام لم تنل رضا "الجمهور"، أى لم تحقق عوائد مالية، وأفلام حازت إعجاب الجمهور ولم تحز إعجاب النقاد.. وهناك أيضا أفلام حققت النجاح الجماهيرى وحازت إعجاب النقاد ومنها فيلم "البيضة والحجر"، قصة وسيناريو محمود أبوزيد، ومن إخراج على عبدالخالق، وقام ببطولته الفنانون أحمد زكى ومعالى زايد وممدوح وافى وفؤاد خليل وصبرى عبدالمنعم وعبدالله مشرف ومحمود السباع، والفيلم يتناول قضية مركبة من عدة عناصر، القضية هى "الدجل والشعوذة" فى عصر العلم وسيطرتها على عقول الناس من كل المستويات الاجتماعية والثقافية، بل إنها - أى الشعوذة - تحولت إلى "هاجس" يسيطر على عقول أهل السياسة والحكم فى بلدان العالم الثالث!
والفيلم يقدم يقدم قصة "زباخ التيبى"، وهذا هو النطق القاهرى، أما النطق الريفى والصعيدى للاسم فهو "سباخ الطيبى".. و"السباخ" فى ريف الدلتا هو "الصَّبخ" فى الصعيد وهو "السماد العضوى" الناتج عن مخلفات البقر والجاموس، وهذا "الزباخ" أو "السباخ" دجال مقيم فى غرفة فوق سطح إحدى العمارات القديمة بالقاهرة، استغل جهل وفقر الناس ليلعب بعواطفهم وعقولهم ويوهمهم بأنه على اتصال بالجن، وهذا الاتصال يمنحه القدرة على مخاطبة ملوك الجن وتسخيرهم لقضاء حوائج الناس، وقامت الشرطة بالقبض عليه، وجاء من بعده مدرس ثانوى يدرس مادة الفلسفة, ووجد نفسه محاطا بهؤلاء الفقراء الجهلة الذين منحوه لقب "مولانا"، وأعجبته "اللعبة" فصدق نفسه، وقدم خدمات لعدد منهم، ثم قرر أن يمشى فى هذا الطريق إلى آخره، فأنشأ المكتب وعين الموظفين وأجاد خطاب "الشعوذة" حتى بلغ أعلى مستوى من الشهرة والسلطة الروحية على المجتمع "المخملى"، مجتمع الهوانم والبكوات ورجال الأعمال، بل إنه حمل لقب "الدكتور" وحقق ثروة طائلة وأصبح أهل "الحكم" يستشيرونه فى كل كبيرة وصغيرة. وطوال مدة الفيلم كان هذا المشعوذ "أحمد زكى" يقدم النظرية التى يعمل بها وهى نظرية تقوم على استغلال خوف الناس من المجهول والسيطرة عليهم فى لحظات الضعف التى يمرون بها. والفيلم يقدم صورة صادقة عن الطبقة الحاكمة، وهى مكونة من لواءات ووزراء ورجال أعمال، لكنها تؤمن بقوة السحر وقوة النجوم والأفلاك وقدرتها على تغيير الأقدار والمصائر، وهذه جرأة تحسب لصناع الفيلم. والعجيب أنه بعد عشرين عاما مضت على إنتاج هذا الفيلم تحولت مشاهده إلى حقائق على أرض الواقع، فأصبحت لدينا ظاهرة القنوات الخاصة التى تقدم "دكاترة" فى مجال تفسير الأحلام وقراءة المستقبل، وكان أحدهم يقول فى مقدمة برنامجه "فتوى من الكتاب والسنة"، وكأن فيلم "البيضة والحجر" كان يحمل "نبوءة" تتمثل فى سيطرة "السحرة" و"الدجالين" والكذابين المتدثرين بعباءة الدين على عقول "الشعب".
ومن المهم هنا الإشارة إلى روعة أداء أحمد زكى وتألقه فى تقديم شخصية الدكتور الدجال، وكذلك "معالى زايد" التى كانت تنافس "أحمد زكى" فى جذب عيون وقلوب المشاهدين، والفنان "محمود السباع " - سباخ أو زباخ - والفنان "فؤاد خليل".. كلهم أجادوا وأبدعوا فى هذا الفيلم المهم "البيضة والحجر".
الأبنودى.. الشاعر الكبير ما زال حيًا رغم الرحيل!

لم يكن عبدالرحمن الأبنودى نبيا ولا قديسا ولا ملكا، بل كان شاعرا كبير وحكاء ومثقفا وراعيا للثقافة "الصعيدية" ومتحدثا إلى الناس، مجيدا للحوار مع الحكام، منحازا للفقراء رغم أنه عاش فى النصف الثانى من حياته عيشة الأثرياء. وفى العموم، لا يهمنا من آثاره غير ما رضى عنه "شخصيا " و هو "الشعر" ، وإذا تأملنا آثاره الشعرية لوجدناه ما زال متربعا على عرش القصيدة العامية، بعد بيرم التونسى وفؤاد حداد، ورغم حياته التى لم تكن سهلة ولا ناعمة فقد استطاع أن يحتل "مكانة" دفع ضرائبها وجنى ثمارها، وهو فى ذلك لا يختلف عن عن شعراء وروائيين آخين عاشوا حيوات صاخبة، لكن الأبنودى لم يخل من جوانب "طيبة" على المستوى الإنسانى فكان يساعد المحتاجين ويدعم الموهوبين الذين يرى فيهم القدرة على العطاء والإضافة إلى الثقافة المصرية.. هذا هو "الأبنودى" كما أراه، وله فى "رقبتى" دين كبير يتمثل فى أنه قدمنى للناس على صفحات "الأخبار" من خلال "مائة وخمسين كلمة" كتبها عنى عقب صدور مجموعتى القصصية الثانية "غرب النيل". والأبنودى دقيق العبارة، لا يتورط فى "المديح" أو "الإشادة" بمبدع لأنه يعرف خطورة كلماته وخطورة آرائه، وقد كان للصديق خالد حنفى "رئيس التحرير" فضل تقديم مجموعتى "غرب النيل" إلى الأبنودى لأننى لم ألتقه فى حياته أبدا، لكن الرجل - رحمه الله - قرأ المجموعة وكتب عنها فى الجريدة الكبرى "الأخبار" ضمن "يومياته"، فاكتشف "المثقفون" و"النقاد" أننى موجود بينهم، فكتب عنى بعدها الناقد "فاروق عبدالقادر" وغيره، رغم أن الكاتب الكبير عبدالوهاب الأسوانى متعه الله بالصحة والعافية كان قد كتب عن روايتى "عقد الحزنون"ـ لكن الوسط الثقافى المصرى كان يعتبر الأبنودى رئيسا وزعيما للمبدعين "الصعايدة"، ولأنه كتب عن أحد أعمالى فقد منحنى "الوسط الثقافى" اعترافا بموجب ما كتبه الشاعر الكبير، وقد شكرته - عبر التليفون- وكان الرجل كريما معى ووجه إلىّ الدعوة لزيارته فى بيته، لكن الأقدار لم تمنحنى فرصة اللقاء والتحدث إليه. ويبقى القول إن "الأبنودى" الإنسان قد رحل عن الدنيا، ويستحق من الناس أن يترحموا عليه بما قدم لهم وأسعدهم وعبر عنهم، ويكفى أن تقرأ ديوانه الشعرى أو تسمع أغنية من تأليفه لتعرف قدره الإبداعى الكبير، وإن كان البعض يلوم الأبنودى ويحاسبه على اقترابه من الحكام، فإننى أعتبر هذا الاقتراب أمرا يخص صاحبه وحده. رحم الله الأبنودى.. الشاعر الكبير.
عبد الحليم حافظ يعود إلى جماهير الإذاعة بقوة!
احتفلت شبكات الإذاعة المصرية بذكرى رحيل "عبدالحليم حافظ" احتفالا تمثل فى إذاعة أغانيه طوال يوم "30 مارس" الماضى، وهو اليوم الذى رحل فيه عن عالمنا فى عام 1977.. ومن يقرأ هذين التاريخين فسوف يجد فيهما "التاريخ" حاضرا بقوة.. فاليوم الذى رحل فيه (30 مارس) يقابله يوم آخر من عام 1968، عندما أصدر جمال عبدالناصر البيان المشهور (بيان 30 مارس)، الذى صدر عقب ثورة الطلبة اعتراضا على الأحكام الهزلية التى صدرت ضد "ضباط الجيش"، الذين صنعوا هزيمة 5 يونيو 1967، وهى الهزيمة الحتمية التى لم يكن هناك مفر منها بعد أن سيطر "عبدالحكيم عامر" على الجيش، ولم يهتم بتدريبه أو تجهيزه التجهيز الكافى لردع العدوان الإسرائيلى "المتوقع"، وهذه السيطرة من جانب عامر على "الجيش" أدت إلى شرخ أو انفصال بين "القيادة السياسية" و"الجيش"، فكانت الهزيمة أمرا محتوما، وحاول عبدالناصر إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعزل "عبدالحكيم عامر" عن قيادة الجيش، وخرج الشعب فى يومى 9، و10 يونيو 1967 يطلب من عبدالناصر البقاء فى "السلطة" لإنقاذ الوطن بعد أن خطب خطاب التنحى.. وفى عام 1968 أصدر بيان "30 مارس" الذى وعد فيه بتحقيق "الديمقراطية" لكن القدر لم يمهله، فرحل عن الدنيا فى يوم 28 سبتمبر 1970.. والتاريخ الثانى فى حياة عبدالحليم حافظ هو عام الرحيل نفسه (1977)، وهوالعام الذى شهد غضب الشعب فى "انتفاضة الخبز" على مدى يومى 18 و19 يناير، وكأن عبدالحليم الذى ارتبط مشروعه الغنائى بثورة يوليو وشخص الرئيس عبدالناصر اختار ليوم وفاته 30 مارس 1977 أن يكون يوما حيا فى ذاكرة الجماهير التى غنى لها، وكأنه يقول - رحمه الله - إننى قررت الموت والسفر الذى بلا عودة فى يوم 30 مارس يوم صدور بيان عبدالناصر الذى وعد فيه بتصحيح مسار الثورة فى العام الذى ثار فيه الشعب ضد "السادات" الذى تحول عن الخط "الناصرى" فأصبح صديقا لكيسنجر وكارتر ومناحم بيجين، وبالطبع سوف يرى البعض أننى مخرف لأن الواحد منا لا يختار موعد موته، وهذا "صحيح" لأن الأعمار بيد الله، لكن المبدع صاحب الأحاسيس الراقية الرفيعة يدرك قرب الأجل، ويدرك موعد الموت بما منحه المولى عز وجل إياه من قدرة على استشراف المستقبل.
وعموما، فقد أحسنت السيدة نادية مبروك - رئيس الإذاعة - الاحتفال بذكرى "العندليب"، وهو فنان كبيرة يستحق أن نتذكره ونحيى ذكراه، وهو فنان أحب الناس بصدق وأحب الغناء بصدق، وكانت لديه قدرة عالية على إجبار المستمعين لأغانيه على تصديقه، وسوف يبقى "العندليب" فى وجدان الناس لأنه ما زال قادرا بما أبدع من أغنيات على التعبير عن أحلامهم وإشباع قلوبهم، وهو صوت "ثورة يوليو" الحقيقى لأنه وجد نفسه مع تلك الثورة فأخلص لها وقدم لها الكثير.
شوقى القناوى.. «أسطى» الموال الأحمر!
فى خمسينات القرن الماضى كان يحيى حقى - الأديب المعروف - يرأس "مصلحة الفنون" (حاليا المجلس الأعلى للثقافة)، وكان عبدالناصر قد زار الصين وشاهد عروضا من الفن الشعبى الصينى، وقررت "مصلحة الفنون" الاستعداد لزيارة الرئيس الصينى ردا على زيارة عبدالناصر، فقررت المصلحة تشكيل فرقة فنون شعبية، واختار حقى لهذه المهمة فنانا كبيرا هو زكريا الحجاوى، وتفرغ الحجاوى لمهمته القومية فطاف القرى والنجوع فى الدلتا والصعيد، وعاد من هذه الجولة بعدد من الفنانين الشعبيين الكبار، منهم خضرة محمد خضر وشمندى ومتقال وشوقى القناوى، والثلاثة - بل الأربعة - ينتمون إلى "الغجر"، لكن "الغجر" فى "الصعيد" يقال لهم "الحلب" أو "الحلبة"، وهؤلاء يحترفون المهن التى يتأفف منها "العرب" و"الهوارة" و"الأشراف" فى الصعيد، ومن هذه المهن العزف على "الربابة" ورواية سيرة "بنى هلال"، وهم أيضا أصحاب عادات وتقاليد تخالف ما يعرفه الناس فى الدلتا والصعيد من "الفلاحين" و"العربان"، لكن هؤلاء الناس قدموا خدمة للثقافة الشعبية المصرية تمثلت فى حفظ "التراث الفنى"، فهم يغنون للعرب أمجادهم ويغرسون فى شبابهم الإحساس بالعزة والفروسية، وهم الذين يجيدون صناعة الآلات الموسيقية (الربابة والناى والطار والرق)، وهم أنفسهم يعيشون عيشة "المتسولين"، يذهبون إلى الغيطان فى مواسم الحصاد، ليحصلوا على "الذرة" و"القمح" من أصحاب الأرض، ومنهم من تمرد على هذا الوضع فسافر إلى القاهرة والإسكندرية واندمج فى هاتين المدينتين ، حيث لا يعرف أحد أحدا ولا توجد سطوة لقانون "القبيلة " أو "العائلة"، ومنهم من ظل يقدم الفن الشعبى من خلال وزارة الثقافة أو فى الفنادق الكبرى.. لكن "القيمة الفنية" لهؤلاء الأربعة "شمندى ومتقال وشوقى وخضرة" ظلت محفوظة لدى المهتمين بدراسة الثقافة الشعبية المصرية ، وشوقى القناوى يقف على رأس فريق من الفنانين، وله تسجيلات عديدة فى الإذاعة والتليفزيون المصريين، رغم أنه لم ينجح فى اعتماد نفسه راويا للسيرة الهلالية لأنه لا يمتلك "الوعى" أو "النص" الكامل لهذه السيرة، رغم أن "سيد الضوى" وهو "حلبى" مثله استطاع أن يحقق ذاته ويصبح أحد رواة السيرة المعتمدين لدى الباحثين. ويبقى "شوقى القناوى" على عرش "الموال" وحيدا بما فى ذاكرته من "صور" وحكايات وقدرة على تصوير "آلام الناس"، فأصبح من حقه علنيا أن نعتبره "أسطى الموال الأحمر"، وهو نوع من "المواويل" يصور الهزائم العاطفية والغربة والموت وغدر الزمان وضياع الأحلام والوحدة والشقاء الذى عاشه "الفلاح المصرى" طوال حياته، وكان يتم الاستماع إليه من المطربين "الحلب" مقابل منحهم القروش القليلة والغلال وأرغفة الخبز. واستطاع شوقى القناوى أن يلحق بموجة "الكاسيت" فى القرن الماضى، لكن التغير الاجتماعى والاقتصادى الذى شهدته مصر جعل "شوقى" وغيره من مطربى الريف يندثرون أو يختفون لتفرغ الساحة للفنان شعبان عبدالرحيم وأمثاله!