الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : د / عبدالناصر عيسوي

bsffnn.jpg

هذا هو الديوان التاسع للشاعر المصرى أحمد عنتر مصطفى؛ بعنوان "شمس لسماء أخرى". وشاعرنا من مواليد عام 1944، والتحق بحركة الشعر التفعيلى منذ عام 1970، فنشر قصائده فى الصحف والدوريات الأدبية، وأصدر ديوانه الأول "مأساة الوجه الثالث" عام 1981، ثم توالت دواوينه "مرايا الزمن المعتم"- "الذى لا يموت أبدًا"- "أغنيات دافئة على الجليد"- "حكاية المدائن المعلقة"- "مريم تتذكر"- "زيارة أخيرة إلى قبو العائلة"- "أبجدية الموت والثورة (قصيدة طويلة)- ثم هذا الديوان الأخير. وقد أصدر مجموعة من الأشعار للأطفال، منها سلسلة بعنوان "قالت أروى"، ومجموعة شعرية فى كتاب بعنوان "أميرة الأحلام"، بالإضافة إلى مشروعه النقدى والبحثى الذى ضمَّنه بعض كتبه مثل: "كائنات وترية"- "أوتار العازف القديم"- "شوقيات الغناء".
ينقسم الديوان الذى بين أيدينا إلى كراستين، تضمان اثنتين وعشرين قصيدة؛ جاءت أربع قصائد منها فى الشكل العمودى واثنتان نثريتان، والباقى قصائد تفعيلية. يفتتح الشاعر الكراسة الأولى بنص بعنوان "توقيع أول: فى البدء"؛ حيث كان الأفضل للإنسان منذ البدء أن يعيش محتفظا بنقائه وبراءته وطفولته، لكن التغيُّر حدث للإنسان منذ البدء، فالإنسان المعاصر له تاريخ طويل؛ بل التاريخ كله؛ فى غلظته وفى فقدانه البراءة والمودة والحس الإنساني، حيث يقول الشاعر:
"كان علينا/ منذ أتينا/ تلك الأرضَ الملعونةْ/ أن نَزْرَعَها../ أوْ نملأهَا/ بالأفكار المجنونةْ/ وأتَى قابيل/ واغتالَ مع اليوم الأولِ/ فينا قابيل/ ومَضَيْنَا../ كُلٌّ مِنَّا يغمدُ سكينَهْ/ فى ظهر أخيه/ ويعود ليغصبَ الزَّوْجَ المسكينةْ../ والْـحَقُّ قتيلْ!!".
وفى احتدام الجدل بين ثنائيتين؛ هما اليأس والأمل، أو الواقع والحلم؛ يقف الشاعر موقنًا ومُقْسِمًا بالبلد، فى تناص جميل مع سورة "البلد"، ومع بعض آيات أخرى من القرآن، ليُضفى على الأمل أو الحلم قدسية العقيدة. حيث يقول فى مطلع قصيدة بعنوان "قسمًا بالدماء":
"كنتُ أقسِمُ دَوْمًا بهذا البلَدْ/ رغمَ كلِّ الكبَدْ../ رغمَ نبع الشقاءِ الذى يتوضأ أبناؤنا منه/ طَيَّ الأبَدْ../ بالذين مع الفَجْر..؛/ ينحدرون إلى النهر..؛/ ينكسرون مع الظهر..؛/ ينسحبون مع القهر..؛/ خلفَ جدار المساءِ..؛/ ويحترفون الجلَدْ../ كنتُ أقسِمُ دومًا بهذا البلَدْ/ بالريح؛ أن سوفَ تأتي..؛/ وبالعَدْلِ؛ أنْ سيضُمُّ جَناحَيْهِ؛/ يحمى الحقيقةَ من لفحةِ الباطلِ المتوهِّج؛/ تُغْشِى العُيونَ؛/ وبالكلماتِ/ الحراب ستنقُضُ فى الروحِ؛/ ما نسجتْهُ العناكبْ../ بالطفولةِ أقسمتُ؛/ بالغَدِ..، بالبسماتِ؛/ وبالزرع منتَشِيًا..؛ كنتُ أهمسُ؛/ يمكثُ فى الأرضِ ما ينفَعُ الناسَ../ حين رأيْتُ الزَّبَدْ..".
ثم انتقل الشاعر؛ من خلال الجملة المركزية (كنتُ أقسم دومًا بهذا البلد) ليذهبَ بها إلى الواقع المعاند الذى هو عكس ما يؤمن به، حيث يقول فى نهاياتِ القصيدة:
"كنتُ أقسم؛ دَوْمًا؛ بهذا البلدْ/ والبنايات أنْ سوف تنهضُ..؛/ حتى رأيتُ المطاراتِ غَصَّتْ بمن يهربونَ..!!؛/ ولا يرجعون/ رأيتُ المناجلَ لا تحصُدُ الزرعَ!!؛/ والضَّرعَ جَفّ!!؛/ رأيتُ السيوفَ تثَلَّمَ فيها الإباءُ!!؛/ رأيتُ الخيولَ على ضفة النهر تضوي؛/ وتهزلُ..؛/ تسقُطُ ضامرةً فوق أعلافِها..؛/ ومقهورةً!!/ حين تُبصر (نجمة داودَ) فى أفقِها تتَّقِدْ../ والذئاب يرُوغونَ بينَ الثعالبْ!!/ قلتُ:/ (لا شيءَ يُجدِي.../ سوى الشعب.../ يُنشِبُ فى رئة الحاكمين المخالِبْ...)".
وبدلاً من مجرد الانتظار وفقدان الأمل فى الخلاص؛ يؤكد الشاعر البشارة بمجيء الصهيل؛ فى قصيدة بعنوان "بشارة الصهيل"، فإن الحلم بعودة الصهيل؛ رغم أن الواقع لا يُنبئ بذلك؛ حلم قائم، وسيعود الصهيل إلى حصانه فتوضع الأمور فى نصابها. يقول الشاعر فى مطلع القصيدة:
"ثَـمَّ مَنْ سوفَ يأتي..؛/ سيأتي..؛/ ملامحهُ لا تبينُ لنا الآنَ..؛/ لكنه قادمٌ..؛/ حاملاً منجلَ الموتِ؛/ يحصدُ كلَّ الرءوسِ التى أينعَتْ..؛/ والنفوسِ التى خنعَتْ..؛/ والرقابِ التى خضعت..؛/ والقلوبِ التى ركعتْ..؛/ والعقولِ التى ابتدعَتْ فلسفاتِ المهانةْ/ والجباهِ التى نضحتْ ذِلَّةً.. واستكانةْ/ قد يغيبُ قليلاً؛ ولكنه قادمٌ؛/ يمتطى صهوة الرعدِ؛/ ممتشِقًا عاصِفَ الريح؛/ متشحًا بالبروقِ؛ ومؤتزرًا بالإباءْ".
فلعله الغضب العربي، ولعله الفارس المخلِّص، فالفروسية قيمة عربية جامعة للقيم، وإذا كان الفارس رمزًا للمخلِّص- كما فى تراثنا العربي- فإن الشاعر تكلم عنه باستعارة مكنية، حيث كنى عنه بالصهيل. وعلى الرغم من عدم وجود ما يُنبئ بقدومه؛ فإن الشاعر لا يزال يُلح علينا بأمل الانتظار، حيث يختم القصيدة بقوله:
"إنه قادمٌ؛/ حيثُ يسبقُ هذا الصهيلُ الْـمُدَوِّى حصانَهْ/ عاجلاً سوفَ يأتي..!/ وحتمًا سيأتي..؛/ فقد صارَ هذا الأوانُ أوانَهْ".
واغتراب الإنسان المعاصر عن نفسه؛ له موضع وسط هذا الديوان الذى يُدين أهل عصرنا بوسائل شتى، ويحمل الأمل- أيضًا- بكل سخاء. فقد صوَّر الشاعر انقسامه واغترابه عن نفسه فى قصيدة بعنوان "القرين"، استخدم فيها تكنيك النظر فى المرآة، وهى نظرة فلسفية عميقة، حيث يكون فيها الإنسان هو الناظر والمنظور إليه وهو المرآة نفسها. وقد حاول الشاعر القضاء على هذا الاغتراب عن طريق "الألفة" التى هى وسيلة من وسائل الخلاص من الاغتراب، حيث يقول الشاعر فى تلك القصيدة:
"يُشبهُنى هذا الغامِضُ..؛/ مَنْ ينظُرُ نحوي.. يرمقُني..؛/ يتأمَّلُنى كُلَّ صباحٍ../ يتفحَّصُني.. ويُحاكيني.. إذْ أحلِقُ ذَقني..؛/ أوْ أغسلُ أسنانى بالفُرشاةْ../ يرقبُني.. أرقبُهُ../ تثقُبُنى عيْناهْ../ حاوَلْتُ مرارًا أنْ أدعُوَهُ إلى مائدتي/ عَلَّ حوارًا يجمعُنا/ عَلَّ حديث الألفةِ ينسكبُ شَذَاهْ../ فى نَفْسَيْنَا../ لكنْ ظَلَّ يُراوغُني../ يرفُضُ أنْ يَـتركَ موقِعَهُ/ فى أعماقِ المرآةْ".
ويظل الأمل قائمًا؛ أيضًا؛ فى قصيدة بعنوان "الشراع"- وهى إحدى القصيدتين النثريتين فى هذا الديوان- حيث اختلط الحلم بالواقع فى لوحةٍ رسَـمَها الشاعر وأودع فيها العشق؛ فقال فى مطلع القصيدة:
"فى فضاء الورقةِ البيضاءْ/ رَسَـمْتُ قاربًا/ وشراعًا/ وأجرَيْتُ تحتَهُما المياهْ/ تقافزَتْ أسماكٌ ملوَّنة/ بين أصابعي/ ورسمتُ وجهيْنِ عاشقيْنِ/ فى ملامحهما/ سكبتُ قسماتِ وجهَيْنَا/ قمرٌ شاحبٌ فى أعلى الورقةْ..!!/ ورفرفَتْ نوارسٌ../ وجهدَتْ حمامةٌ بيضاءْ/ أنْ تحطَّ على سارية الشراع".
ثم انتقل الشاعر إلى التوتر الدرامي؛ أو الجانب الآخَر من القصيدة، قائلاً:
"(لا أدرى لماذا يحاولُ قرصانٌ/ بملامـِحِه المربدةْ/ ووجهه الخامدْ/ أن يفرضَ وجودَهُ فى اللوحةْ..!!)/ طوَيْتُ الورقة../ رميتُ بها على ظهر موجةٍ../ طَفَتْ قليلاً../ ثم غاصتْ../ بكل أحلام الماضي/ التى تُوغِلُ فى البُعد../ رويدًا/ رويدًا/ اعتلَتْها الموجَةْ.../ ... .../ لا بأس../ على أنْ أكرِّرَ المحاولةْ..!!".
وهكذا نكتشف أن دور الشاعر فى هذا الديوان صناعة الأمل، والإصرار عليه وعلى الحلم، وإيجاد بعض المثُل للخلاص من اغتراب الإنسان؛ فى زمن انعدمت فيه المشاعر وندرت فيه الفرسان.