الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : وفاء عوض

wafa234k.jpg

ضبطت نفسى اليوم متلبسة بالجرم المشهود، أمسك بجواز سفرى، وكلى حماس متأجج لترحال جديد، إلى مدينة لا أعرفها ولم أزرها بعد، إسبانيا التى أزرها دوما عبر العوالم الافتراضية والكراسات السياحية، والتى دوماً تمس وتراً مبهماً فى نفسى بقصورها العربية وجوامعها وزخارفها الرائعة.. هى التى تنادينى هذه المرة، شىء ما فى نفسى يريد أن يرحل إليها، ربما لأننى أود أن أبحث عن ماض لأجدادى من العرب والمسلمين، يعيد إلىّ الثقة فى المستقبل بعدما بات كل حاضرنا موشوما بعار الإرهاب والحروب الطائفية والفقر.. أتذكر أنهم علمونا فى المدرسة أن العرب لم يغزوا الأندلس بالقوة العسكرية والأسلحة النووية، بل بسلطة الحضارة أولا، وبسطوة الفكر والعطاء الإنسانى وجوهرة الحرية والتسامح ثانياً.. لذا قلت لنفسى هيا نستعجل السفر إلى إسبانيا، ربما تشحنك تلك الرحلة من جديد بالقدرة على المقاومة، ربما تضيف لقاموسك كلمة أمل تساعدنا على الخروج من النفق إلى الضوء، ومن ثم التحليق من جديد.
لكن ذلك كله خارج الموضوع الذى أردت أن أحادثكم فيه، فبينما كنت أتأكد من مطابقة شكلى لصورتى فى جواز السفر ـ وهذا معناه كما يقول "إيرل ولسن" أننى بحاجه إلى السفر ـ إذ بعينىّ تقعان على تاريخ الفيزا الذى لاحظت أنه سينتهى بعد أيام معدودة، وهذا معناه أننى لابد أن أذهب إلى قنصلية إحدى دول الاتحاد الأوروبى لأحصل على تأشيرة، أى أننى أمام رحلة شقاء من نوع خاص، فالقنصليات الغربية فى بلادنا تتفنن فى إذلالنا، ولا تكتفى بمنحنا تأشيرة تشبه إلى حد كبير بطاقات المجرمين، بعد أن نجلس جلسة تصوير خاصة لتصويرنا صورة تسجل لون شعرنا وعيوننا، وربما رسما توضيحيا لما يدور فى أدمغتنا، ثم الحصول على بصمة بكل أصابع اليد، ناهيك عن كمية الضمانات والخطابات وعقد إيجار الشقة التى سيستضيفك أصحابها، أو اسم الأوتيل، ورقم الغرفة التى ستحل عليها، وتذكرة السفر وتأمينات على السفر، وموافقة العمل ورصيد الحساب البنكى، ودعوة رسمية من الدولة التى ستسافر إليها، كل هذا وأكثر تطلبه أى قنصلية غربية على أرض بلدك، إذا ما تجرأت ورغبت فى السفر إليها عدة ليال، وليس هذا فقط فأنت تنتظر بالساعات فى غرف خاصة بأبناء العالم الثالث محاطاً بالكاميرات والحراس والقلق إذا ما كانوا سيسمحون لشخص مثلك مدان بداية بالإرهاب والفقر بدخول ملكوت بلدهم، الذى لم يعد هانئا بعدما طالته يد الإرهاب اللعينة الذى زرعوه وترعرع على أيديهم وفى نعيم بلادهم ثم صدروه لشباب بدأ يعربد ويخرب فى بلادنا، ومن ثم ينقلب السحر على الساحر ويتمرد التلميذ على المعلم، وها هو يعض الأيدى "السوداء" التى مدت إليه، لكنك رغم منعطف الأهوال الذى تلاقيه من أجل الحصول على فيزا لبلدان الإتحاد الأوروبى لا تستطيع أن ننفى مسئوليتنا عن واقع الحال هذا، حين صار الإرهاب الأعمى مرادفاً لأسمائنا، أو أن تلومهم لأنهم حريصون على أمن بلدهم ومواطنيهم.
أذكر أن آخر مرة زرت فيها فرنسا بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة، تعجبت من كل تلك الاحتياطات الأمنية فى الدخول والخروج بكل المؤسسات، البلديات التى كانت مفتوحة للجماهير أصبح الدخول إليها كما الدخول للبنتاجون، يفتشونك كهربائياً ومغناطيسياً، حتى حقيبتك الصغيرة يفرغونها من محتواها، ليس هذا فقط حتى الأماكن المفتوحة فى فرنسا انتشر فيها رجال الشرطة والجيش بشكل يدعو للقلق، كورنيش مدينة نيس الساحلية الجميلة بعد الحادث الإرهابى الأليم، وقتل حوالى ٢٠٠ مواطن بشاحنة يقودها إرهابى عربى مسلم ـ وهو الأمر الذى تكرر منذ أيام فى لندن ـ أصبح كورنيش نيس بعد هذا الحادث مجرد ممشى للعسكر والجيش المسلح، البحر لم يستطع أن يزيل آثار دم الأطفال والأبرياء، وتسأل نفسك حين تمر من أمام هذا الشاطئ وتتذكر هذا الحادث، ويمر شريط المدن السورية المنكوبة أمام عينيك، فلا تملك إلا أن تصرخ: من أى الأثداء رضع أشباه البشر هؤلاء؟!
وحتى كرنفال نيس الرائع المدرج على الكراسات السياحية الذى يؤمه السائحون من كل بلدان الدنيا، هذا العام حبسوه داخل كردون من الحديد، والدخول إليه يشبه الدخول لمبنى أمن دولة فى أى بلد عربى، فقد الكرنفال بريقه وجماله وضاعت معه بهجة الأطفال وضحكاتهم، حتى أهالى نيس المسالمون باتوا يخشون ممارستهم الركض على شاطئ المدينة، فمن يدرى من أى ناحية يأتيهم الموت فى شاحنة مجنونة؟ ولذا تحاول المدينة طمأنة الأهالى وما تيسر من سائحين بقفل كل الطرق المؤدية إلى الكورنيش.. لقد باتت هناك حالة من الرعب تسود تلك البلدان تجاه كل ما هو قادم من العالم العربى، تستشعر ذلك حين يكون فى صحبتك صديق عربى لكنه يحمل جواز سفر غربيا. شاهدت صديقتى التى تحمل جواز سفر فرنسيا تعبر معززة مكرمة قبل أن أقف أكثر من ساعة فى طابور الأجانب (غير الأوروبيين طبعاً) لأدخل دوامة الزحام والانتظار، أشعر بعيون رجال الشرطة وقد تحولت إلى رشاشات مصوبة نحونا جميعاً نحن أصحاب البشرة السمراء، حتى لو كنت تطلب فيزا سياحية ورصيدك فى البنك بالملايين.. بات لا يجدى.. فأنت فى تلك الدول كعربى مسلم، إرهابى حتى يثبت العكس.
ورغم أن موضة داعش طالت الشباب الأوروبى، فطبقاً لآخر التقارير المنشورة فإن أكثر من ٦ آلاف شخص يحملون جنسيات أوروبية، ربما يقاتلون ضمن الجماعات التكفيرية فى سوريا، كما أن فيرا جوريفاً مفوضة شؤون العدل لدى الاتحاد الأوروبى أكدت فى مقابلة مع صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية أنه على المستوى الأوروبى، فإن أعداد الشباب الذين انضموا للجماعات الإرهابية فى سوريا تقدر بما بين ٥٠٠ و٦٠٠ فرد.. أقول رغم ذلك إلا أنهم فى الغرب مازالوا لا يؤمنون بأن الارهاب دين فى حد ذاته بعيداً عن الإسلام.. دين ليست له علاقة بالأديان السماوية.. دين له أتباعه ومريدوه من كل الأديان.. وللأسف، يحدث هذا فى حين تفتح بلداننا ذراعيها لأى أجنبي، فهو ضيف عزيز علينا إلى أن يثبت العكس، وحتى إذا ثبت العكس فوراؤه سفارته وبلاده التى تدافع عنه باستماتة، وتضحى من أجله بالغنى والنفيس، وربما بالتهديدات والمواقف السياسية لاسترجاعه، ولم لا؟ ومن حق أى مواطن غربى أن يأتى إلينا فى أى وقت بدون تأشيرة، أو ربما يحصل عليها فى المطار ببضع دولارات، فالقنصليات العربية تعمل بالدول الغربية لخدمة رعاياها، وليس من أجل خدمة المواطن الغربى الذى لم يعد بحاجة إلى تأشيرة ليتجول داخل أى بلد عربى حتى ولو كان داعشيا.. كما أن الأوروبيين لم يعودوا بحاجة إلى تأشيرة للتجول فى قاراتهم، والوحدة الأوروبية جاءت لتتويج واقع معيشى مرفه وطليق السراح، حيث يرحل المرء متى شاء وأينما شاء فى أرجاء وطنه الأوروبى الكبير، أما بلدان العالم الثالث فتزداد تخلفاً وتتفنن فى تمزيق أوصالها بنفسها، حتى إننى أسأل نفسي: ومتى كانت معاملتك أفضل فى مطار عربى؟! فطالما استوقفوك زمناً أطول دون توجيه تهمة، وكم مرة تم ترحيل مواطنين مصريين من دولة يقال إنها شقيقة، لمجرد أن الكفيل لم يعد يستلطفك؟! وكم مرة جاءت توابيت لأبنائنا من بلدان عربية دون أن نعرف لأى سبب ماتوا أو قتلوا؟
فبأى حق أتذمر الآن من الغرب؟.. ولماذا أريد أن يعاملنى الأوروبيون بأفضل مما نلقاه عند بعض الأشقاء العرب؟! فويل لشعوب تهزم ذاتها وتقطع بنفسها أواصل ترابطها، لدرجة أنها لم يعد لها الحق فى السياحة خارج أوطانها إلا على جراحها!
نبضة مسافرة أليس مؤلماً أنى.. لكى أرى عالمنا العربى.. لابد أن أصبح بعيداً غريباً فى لندن؟ «يوسف إدريس»