الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : د / عزة مازن

xaxx.jpg

فى روايتها الأحدث "مدن السور" (2017) تقتحم الروائية والقاصة هالة البدرى مجالًا غير مطروق فى أعمالها السابقة. فتستخدم الخيال العلمى والفانتازيا لتدين قسوة الواقع، وتحذر من الإفراط فى استخدام التكنولوجيا والتقدم العلمى على حساب أدمية البشر. يدور السرد فى زمن قادم غير محدد. تخلو الرواية من الأحداث، وتحتل الأبحاث العلمية مكان الصدارة، فتنزع عن البشر صفاتهم الأدمية وتغيب عنهم حضاراتهم وثقافاتهم السابقة. ولكن يدور الزمن دورته ويحاول البعض استرداد قيمهم وسماتهم البشرية.
تبدأ الرواية بفصل بعنوان "الموت باب الحياة... وثيقة سرية من زمن غير معلوم" ليمثل بداية الخط السردى ونهايته التى تعود إليه الأحداث على مدى أكثر من 280 صفحة. فى زمن مستقبلى غير محدد تنظم مجموعة من البشر مسيرة للموت الجماعي، احتجاجًا على ما وصلت إليه الأمور من إفساد للحياة الأدمية وإهدار لقيم الحضارة الإنسانية، بعد أن انقسم البشر إلى نوعين، فوقيون يتمتعون بكل الامتيازات ويعيشون فى مدن مسورة بنوها خلسة فى أزمان ماضية على ضفاف القاهرة، وآخرون بدائيون طبيعيون، يحتفظون بالسمات البشرية المعهودة، ولكنهم محرومون من الامتيازات الفوقية وأيضًا من ممارسة حياتهم الطبيعية، يستغلهم الفوقيون لتحقيق رفاهيتهم:
"الصباح ليس مثل أى صباح. لم يستطع أى من البدائيين أن يكف أذنه عن سماع الموسيقى الحماسية، التى سرت إلى الأرواح فبعثت فيها تصميمًا أعمى. انتشرت الشبورة، واختفت ملامح البشر والمدن، وتآكلت حتى لم يعد أى منهم يرى وجه صاحبه. اقتربت س3 من ك7.. مدت يدها وأمسكت بكفه بقوة، جذبها نحوه فدخلت حضنه، ورأى ابتسامتها تنقل إليه الرغبة الوحيدة الممكنة فى أن يعيش ابنهما وزوجته وحفيدهما حياة طبيعية، قفز إلى ذهنيهما – فى وقت واحد – حلم أن تُيسر المرحلة المقبلة – ربما – طفلًا آخر من دون تحريمات "الطفل الثاني" فابتسما، واتسعت الضحكة التى أنارت وجهيهما. شعورهما بسعادة التضحية منع عنهما التفكير فى ذلك الحزن الذى يغلف القلوب، ويعرفه الشعراء والفلاسفة والحكماء".
تستحضر الكاتبة مشهد الجموع فى ثورة 25 يناير 2011: "لم يحتاجا للنظر إلى الخريطة، كانا يحفظانها عن ظهر قلب، دخلا الممرات وشعرا بحرارة جيران المسيرة التى تتسع كل دقيقة.. يهتفون: "الحياة الحياة"، "يا شعب يا جبار نتطهر بالنار" .. مرا على مناطق الطفولة والدراسة والأهل. اختار كل منهم مسيرته لتوديع الأحباب، كلما دخلوا شارعًا ألقى الشباب عليهم الورود من الشرفات، وهتفوا للوطن.. كشفت الشمس التفاصيل وانداح المشهد مهيبًا أمام أعينهم. مشهد لم تكن س3 تتخيل عفويته وحميميته وقوته فى أكثر أحلامها تفاؤلًا.. لم تعرف س3 إن كانت الدموع التى تغمر وجهها هى دموع الوداع أم دموع الالتحام مع القطيع، لم تشعر إلا بذلك التصاعد الداخلى لعواطف جياشة كاسحة، تأتى من أغوار سحيقة لم تهتم بمعرفتها".
على مدى الفصول التالية ينغمس السرد فى تفاصيل الحياة بالغة التقدم فى ذلك الزمن غير المعروف، ويظهر العالِمان آدم وميرا، من البدائين، ليطرحا حجم الدمار الذى وصلت إليه البشرية بسبب التقدم العلمى والتكنولوجى البالغ الذى يتحكم فى أدق تفاصيل حياة الناس ومشاعرهم، ويخضعهم للمراقبة الدقيقة، حتى فى أكثر لحظات حياتهم خصوصية، وذلك بعد أن تمكنت مشاعر الحب من قلبيهما وشعرا بالحنين إلى حياة البشر الطبيعية فى الماضي. تنضم إلى الثورة على التقدم العلمى البالغ وتحكم الفوقيين فى حياة البدائيين واستغلالهم، السيدة مسترى هانم، من الفوقييين، بعد أن تكتشف ابنا لها فيما يطلق عليه "حظيرة الأليفين"، حيث يلقون بالأجنة غير الصالحة فى حالة انتخاب أفضل الأجنة ومنحها صفات متميزة يحددها الأبوان:
"ليتنى ما ذهبت لتلك الحظيرة.. كنت أريد إسعاد حفيدتي... كيف لم أقف أمام هذه الظاهرة طوال حياتي؟ نعم كنت أعرف بوجودها، وأتقبله كأمر عادي، لكننى لم أتأمله قبل اليوم أبدًا.. كنت أسمع ما يثار حول الحظائر بما فيه مناداة بعض الجمعيات بإغلاقها، بل إن بعضهم طالب بالموت الرحيم للأليفين". فى ذلك اليوم اقترب منها أحد الأليفيين ليقول لها "أنا منك"، ومنذئذ اضطرب حال مسترى هانم وتشوش ذهنها: "لمسنى مطبطبًا على كفي.. اقشعر بدنى دون أن أعرف لماذا، ونظر فى عينى مباشرة نظرة عميقة، أوصلتنى رسالة تقول "أنا منك".. ذبحتنى كلمته لأنى صدقتها على الفور، لا يمكن إلا أن يكون من الفوقيين، ولا يستطيع هذا إلا إذا كان على اتصال حقيقى بأنسجتى رغم إنكار زوجي، وكل الأطباء الذين ذهبت إليهم بعد ذلك.... طفل عجوز لديه ملامح أعرفها. حاولت أن أكذب نفسي، وألغى إدراكى لهذا الشبه بينه وبين حفيدتي، بل بينه وبين ابني، بيننا جميعًا.... ما علاقته بي؟ ولماذا اختارنى أنا، وكيف أصل إلى قصته"؟ تكتشف السيدة الفوضى التى تحدث فى المعامل، والتى تحولت لقضية رأى عام. تتخلص معامل انتخاب الأجنة من تلك التى لا تحمل الصفات التى يرتضيها الأبوان، فيما يطلق عليه "خرج معامل" ويتم بيعه إلى تجار يقسمونه إلى عدة أقسام، منها ما يذهب إلى معامل الأدوية لإجراء تجارب الاستنساخ، ويذهب المواليد الأحياء المشوهون إما إلى مراكز البحوث، أو يتم بيعهم إلى التجار ثم إعادة بيعهم إلى السيرك والحظائر وتدريبهم على الألعاب لتسلية الناس. وهناك نوع آخر من الأجنة غير المحققين لمطلب الأبويين، وكان من المفترض إعدامهم إعدامًا رحيمًا بموافقة ذويهم، ولكن كانت تتم بعض التسريبات على أيدى الفاسدين ويُدفع ببعضهم إلى العصابات أو إلى الشارع. هذا ما قرأته السيدة مسترى فى أوراق بحثية للباحث آدم. دفعت الصدمة السيدة إلى الثورة على التقدم العلمى والهوس بتطوير صفات الفوقييين، والتخلى عن كل القيم الإنسانية والأخلاقية، مما أسفر عن كل هذا العبث بالبشر، فكان انضمامها إلى حركة الانتحار الجماعى.
يدور السرد دورته فى أزمان أخرى متفاوتة، ويقترح نهايات متعددة منها فصل الاستهلال، ولكنها تنتهى بفقرة سردية بعنوان: "لا يوجد فصل أخير للرواية" تقول على لسان "باحث طبيعى لم نجد اسمه": "إن إحدى السمات المميزة للعمل الثقافى القمعي، التى لا يدركها أبدًا المتخصصون والمخلصون السذج فى آن واحد معًا، والمشاركون فى النشاط الدائر، هى تأكيد النظرة التى تحصر المشكلات فى بؤر، بدلا من رؤيتها بوصفها أبعادًا لكل واحد". تلتزم الرواية اللغة التقريرية، فى معظمها، لتتماهى مع قسوة التقدم العلمى إذا جاء على حساب البشر ومشاعرهم وقيمهم الإنسانية والأخلاقية. ورغم كثرة التفاصيل وتشابك الخيوط التى تشتت القارئ وتربك السرد، فى مواقع غير قليلة، يبقى ذلك التصور المرعب وصيحة التحذير من المبالغة فى استخدام التكنولوجيا فى حياة البشر.