الثلاثاء, يناير 28, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : خالد اسماعيل

khaledesmail00a0i.jpg

إذاعة "البرنامج الثقافى" تقوم بدور مهم فى تكريم رموز الثقافة المصرية، ومنذ أيام سافرت بعثتها - بقيادة الإذاعى القدير محمد إسماعيل- إلى "المحلة الكبرى" وكرمت الأديب "جار النبى الحلو"، وهو "قاص" اتجه فى السنوات الأخيرة إلى كتابة أدب الطفل، وهو من الوجوه الثقافية الناصعة التى تتمتع بمحبة الناس، وله إنتاج إبداعى يستحق الإشادة والاهتمام. و"المحلة الكبرى" أو "المحلة الكبيرة" هى المدينة التى تشهد بقدرة مصر على الاستقلال والتحدى منذ أن عرف أهلها زراعة نبات الكتان ومن بعده القطن، ومنذ أن احترفوا صناعة "الغزل والنسيج" قبل أن يفكر طلعت حرب فى بناء شركة مصر للغزل والنسيج فى عشرينات القرن الماضى. ولعل سر اختيار "طلعت حرب" لهذه المدينة لتكون قاعدة لصناعة الغزل والنسيج هو أن هذه الصناعة كانت موجودة بالفعل فى هذه المدينة ولكن بصورة بدائية تعتمد على "النول اليدوى"، وللمهندس المصرى"على مبارك" كلام كثير فى موسوعته الجغرافية التاريخية "الخطط التوفيقية" عن مدينة المحلة، وهو كلام يؤكد عبقرية أهلها وقدرتهم على الخلق والإبداع والإنتاج، لكن شركة "مصر للغزل والنسيج" أدخلت هذه المدينة إلى "العصر الحديث" بعد أن كانت تعيش فى عصر ما قبل "حملة نابليون"، ورغم أن طلعت حرب استورد "ماكينات" من إنجلترا فإن المصريين فى المحلة، استطاعوا أن يقدموا "التضحيات" الكبيرة، حتى تصبح شركة مصر قادرة على المنافسة فى الأسواق المحلية المصرية التى كانت حكرا على شركات إنجلترا وحدها، وهذه "التضحيات" تتمثل فى عشرات المصابين والشهداء من أبناء الفلاحين الذين قتلتهم "الماكينات" الإنجليزية، فهم "فلاحون" لا يجيدون التعامل مع الحديد والكهرباء، ورغم هذه التضحيات فقد تفوقت شركة مصر للغزل والنسيج، وتحول "مجتمع المحلة الكبرى" من مجتمع زراعى إلى مجتمع صناعى متطور، فظهرت جماعات المثقفين وأصبحت "مجموعة المحلة" ظاهرة على المستوى القومى، وكان "جار النبى الحلو" من مثقفى المحلة البارزين، وكان معه الراحل الشاعر "محمد صالح" والراحل الباحث الدكتور "نصر حامد أبو زيد" وغيرهم.. ومن المهم هنا الإشادة بدور إذاعة "البرنامج الثقافى"، فهى منذ أن تولى مسئوليتها الإذاعى "محمد إسماعيل" تحاول الخروج من "دائرة العاصمة" وتسعى إلى أن تكون مؤسسة ثقافية بالمعنى الوطنى، فهى لا تمتلك "المال" لتمنح المثقفين جوائز ضخمة، لكنها تمتلك "التاريخ" والتأثير المعنوى على جميع العاملين فى الحقل الإبداعى والثقافى، فهى التى شكلت أجيالا وعلمت أجيالا منذ ظهورها إلى الفضاء الإذاعى فى خمسينات القرن الماضى، وما تقوم به إذاعة البرنامج الثقافى هو عمل طيب ومفيد لكنه يحتاج للدعم من جانب قيادة الإذاعة ووزارة الثقافة حتى تكتمل "المهمة الوطنية"، مهمة الحفاظ على الثقافة المصرية ورموزها المبدعة.
وقائع معركة «مجانية» مع العملاق محمود مرسى!
منذ سنوات طويلة وقعت أحداث هذه "القصة" بينى وبين الفنان الكبير محمود مرسى. بدأت القصة بدردشة مع الصديق "آنذاك" الصحفى سعيد شعيب، وانتهت من جانبى بكتابة "مقال" عن الفنان "محمود مرسى" ونشرته جريدة "العربى" الناطقة بلسان حال الحزب العربى الناصرى، ودخل الصحفى محمود سعد – رئيس تحرير مجلة "الكواكب" آنذاك - وطلب من الفنان القدير أن يرد على العبد لله، وكان محمود مرسى مقاطعا الصحافة الفنية وغير الفنية فى مصر لأسباب منها المعلوم ومنها المجهول، لكن هذه الأسباب ليست موضوعية.. المهم.. رأى محمود مرسى أن يرد على "العبد لله" على صفحات مجلة "صباح الخير" من خلال "حديث طويل" أدلى به للزميلة أمل فوزى، التى تبرعت مشكورة بهجائى هجاء مريرا لاذعا فى "مقدمة" الحديث الصحفى، عرفت فيما بعد أنها متزوجة من ابن الفنان " محمود مرسى" وأنها كانت مدفوعة بحماس مبرر، حماس الزوجة لوالد زوجها.
ورأى الزميل الصحفى سعيد شعيب أن من الواجب أن أرد على حديث الفنان الكبير محمود مرسى، وبالفعل كتبت الرد ونشرته جريدة "العربى"، ولم ينل محمود سعد رئيس تحرير الكواكب وقتها الحديث الصحفى الذى تمناه لمجلته، ولم أنل شيئا غير "تأنيب الضمير" ، ولم تنل مجلة "صباح الخير" من حماس الزميلة" أمل فوزى" غير تقديم " اعتذار" لجريدة "العربى" ومحرريها.
لكننى فى هذه الأيام أتابع حلقات مسلسل "العملاق" على قناة "ماسبيرو زمان"، الذى يحكى قصة حياة الكاتب الكبير عباس محمود العقاد وهو من إخراج يحيى العلمى، وكلما شاهدت حلقة آمنت بأن العملاق الحقيقى فى هذا العمل الفنى الكبير هو محمود مرسى، وأن "العملاق الموازى" له هو الفنان "حمدى غيث" أستاذ التمثيل المسرحى.. ووآمنت أيضا بأن "الدراما" التليفزيونية المصرية كان لها فضل السبق على جميع التجارب العربية الأخرى، لكن ما حدث فى الأعوام العشرين الماضية هو "انهيار" لعرش الدراما التليفزيونية المصرية، بعد دخول "القطاع الخاص" هذا المجال برؤى وأفكار بدأت تحتل مكانا بارزا فى خريطة الإنتاج الدرامى المصرى، لكن هذه "التجارب القليلة" تحتاج إلى أن تصبح هى "القاعدة"، حتى تستفيد الدراما التليفزيونية المصرية ويعود التمثيل المصرى لمكانته اللائقة به.
رحم الله جيل العمالقة وعلى رأسهم محمود مرسى، الفنان الذى كان صاحب "بصمة" وأسلوب أداء رفيع المستوى.
رضوان الكاشف.. عاشق أدباء الستينات
رضوان الكاشف مخرج سينمائى ، رحل عن الدنيا منذ سنوات بعد أن قدم "ليه يا بنفسج" و" الساحر" و "عرق البلح" وفيلم التخرج فى معهد السينما وهو فيلم روائى قصير لا يحضرنى اسمه، لكنه تناول إبداع المرأة فى "الصعيد". والمخرج الراحل اسمه "رضوان مصطفى الكاشف" ، تنتمى عائلته إلى "قرية كوم أشقاو" - مركز طما - محافظة سوهاج. وقضى حياته فى "منيل الروضة" بالقاهرة ، وكان والده من رجال التعليم. ورضوان لم يعش فى"كوم أشقاو" القرية الصعيدية القديمة التى كانت ذات شأن فى عصر الأسرات الفرعونية، وعصر "الشهداء" القبطى، وتوجد بها مقبرة قديمة مسجلة بوزارة الآثار المصرية، وكان أهلها يدفنون موتاهم فى مقبرة أخرى تقع فى قريتى ومسقط رأسى "كوم العرب"، وهى مقبرة على شكل "كوم ترابى" عال، أقيم ليحفظ جثث "الموتى" من الغرق فى مياه "الفيضان"، وهو الفيضان الذى أطلق عليه الصعايدة اسم "الدميرة" وانتهى فى عام 1964 مع إنشاء "السد العالى"، لكن بقيت كوم أشقاو حاضرة فى عقل وقلب رضوان الكاشف ، عندما قدم فيلمه " الأول" مشروع التخرج فى معهد السينما ، وعندما قدم فيلمه " عرق البلح" الذى قامت ببطولته "شيريهان" و"محمد نجاتى" و"حمدى أحمد"، وهو الفيلم الذى تعرض لقضية هجرة العمال المصريين إلى بلدان الخليج فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى، لكن "رضوان" رحمه الله اختار قرية "القصر" فى الواحات الداخلة بمحافظة "الوادى الجديد" لتصوير أحداث الفيلم، وقد تبين فيما بعد أن هذا " الاختيار" كان لأغراض "تجارية" بحتة فهذه القرية تمتلك "عمارة " فاطمية، مغربية، صحراوية، وتمويل الفيلم كان قادما من جهة "الفرنكفونية"- بزعامة فرنسا - وكان لابد من إرضاء الذوق "الفرنكفونى"، ودول المغرب العربى تدخل ضمن هذا النطاق الثقافى.
والراحل رضوان الكاشف عمل مساعدا مع يوسف شاهين وعرف العمل السياسى "السرى"، ثم انفصل عن هذا كله، وحاول ان يقدم مشروعه السينمائى فى ظل مستجدات عاشتها "مصر" و"الوطن العربى" عقب انهيار "الاتحاد السوفييتى"، وظلت ثوابت "رضوان الكاشف" الفكرية فى أعماله "ليه يا بنفسج، الساحر، عرق البلح"، وهى تتمثل فى حب ثقافة الصعيد وحب الفقراء - محبة ابن المنيل لأبناء امبابة ومصر القديمة - والإيمان المطلق بموهبة جيل الستينات الأدبى خاصة الكاتب الراحل "يحيى الطاهر عبدالله" الذى أهداه فيلمه "عرق البلح" واقترب من قصة حياته فى فيلم "ليه يا بنفسج"، ورغم قلة إنتاج "رضوان الكاشف" فإنه استطاع أن يقول كلمته ويحقق ذاته فى هذه التجربة القصيرة الثرية.
الأبواب المغلقة.. فيلم «الجمال» الناقص!
لا أعرف أعمالا سينمائية روائية طويلة للفنان "عاطف حتاتة" غير هذا الفيلم الجميل العميق المتطور "الأبواب المغلقة"، الذى قامت ببطولته الفنانة الكبيرة "سوسن بدر" ومعها الفنانة "منال عفيفى" والفنان"محمود حميدة" والفنان الشاب "أحمد عزمى" والفنان "مخلص البحيرى"، وهذا الفيلم يوثق ويحقق ويهدم ويبنى، أما التوثيق فهو ظاهر فى اختيار زمن الحرب العراقية التى بدأت مع "إيران" واستمرت لمدة ثمانى سنوات، ثم امتدت لتشمل "غزو الكويت" وانتهت بغزو الأمريكان للعراق نفسها، وهو الأمر الذى أدى إلى انتهاء فكرة "القومية العربية" و"النظام العربى" أو "العمل العربى المشترك". و"التحقيق" فى الفيلم نجده فى تتبع قصة حياة "امرأة" تواجه الحياة وحيدة بعد أن هجرها زوجها وتركها لمصيرها ومعها ولدها "أحمد عزمى"، وهو الأمر الذى عرضها لكل أنواع المهانة والقسوة بداية من "الخدمة" فى البيوت مرورا بالتعرض للتحرش من جانب "البيه" سيف عبدالرحمن - صاحب الشقة الغنى - وانتهاء بالجوع الذى جعلها تسقط فى براثن الأستاذ منصور - مدرس اللغة العربية – الذى اتخذ من ولدها "أحمد عزمى" وسيلة للتقرب إليها ثم تحول هذا التقرب إلى تقارب "عاطفى" ومولد "قصة حب" بين الأم "المهجورة" والمدرس المهزوم عاطفيا فى تجارب سابقة. و"الهدم" الذى يقوم به الفيلم نجده فى "هدم" صورة الشيخ السلفى المقدس من جانب أبناء المنطقة العشوائية التى تعيش فيها " فاطمة ومحمد ومنصور"، فهو شيخ مشغول طوال الوقت بأكل اللحوم والزواج من السيدات والفتيات بحجة "تحقيق العفة للنفس وللأخوات المسلمات"، و"البناء" - كما طرحه فيلم "الأبواب المغلقة" - هو بناء غير "مكتمل" رغم طيب النوايا، ورغم الوعى المتوافر لدى"عاطف حتاتة" - صاحب الفيلم - المخرج والمؤلف.. فهو يقدم "الأستاذ منصور" والسيدة "فاطمة" المرأة المهجورة من زوجها - مخلص البحيرى - فى صورة "الحبيبين" أو "العاشقين" ولا يقدم أدنى إدانة للاستاذ منصور، رغم أن مدخله إلى "أم التلميذ" فاطمة كان مدخلا غير إنسانى، لكن المخرج حوله إلى "شهيد" للحب فى آخر الفيلم، عندما جعل "أحمد عزمى" - ضحية غياب الأب وضحية الفقر - يتبنى "الفكر السلفى" ويقدم على قتل الأم "سوسن بدر" والحبيب الولهان "الأستاذ منصور" بعد أن ضبطهما فى "حالة عشق" فى إحدى الشقق.
ومن حق "عاطف حتاتة" أن ينحاز إلى حق الإنسان فى الحب، وحقه فى الإشباع الجسدى والعاطفى، لكن من حقنا عليه أن نقول له "نحن نعيش فى مصر" ، ولدينا " ثقافة" وأفكار تجعل "الانحراف" الأخلاقى غير مقبول، حتى لو كان "الانحراف" نتيجة لخراب فى المجتمع والأفكار المسيطرة على وجدانه.