الأربعاء, يناير 29, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : وفاء عوض

wafaaaawad219u.jpg

عندما اخبرنى زميلى الروائى القدير خالد إسماعيل، بأننا بصدد إصدار عدد خاص بمناسبة عيد ميلاد مجلتنا الثانى والثمانين، وأن علىّ أن اكتب عن ذكرياتى فى هذا البيت العتيق، الذى قضيت فيه ما يقرب من الثلاثين عاماً، انتابتنى حيرة عجيبة، إذ كيف يمكننى أن أعرى ذكرياتى، كيف يمكننى أن ادخلكم معى عش دبابير الذكريات فى صدرى، فذكرياتى فى المجلة هى عمرى كله، ولكننى لم أرد أن أجادل خالد فى هذا الشأن، على الرغم من اعتقادى اننى عشت فى هذا العالم "المجلة" كما هو، وفيه جميع أنواع البشر، بذلت جهدى لتفهمهم، مع أنهم لم يكونوا جميعاً أصدقائى، لقد دخلت المجلة شابة فى اوائل العشرينات من عمرى، كنت حديثة التخرج، مندفعة بقدر لا يمكن لأحد أن يقف أمامى، طموحة، أمتلك من حماس الشباب قدراً قد يصل إلى حد الجنون أحياناً، كان كل العمر أمامى، انتكاساتى وخساراتى الشخصية، كان لا شىء أمام عشقى للأبجدية، بين جدران هذه المجلة كانت سنوات اختبار أحلام الشباب فى أن نمتطى الغيوم ونصطاد النجوم، ونكلم الفراشات، ومن ثم نغير الكون بأبجدياتنا، أليست الحياة بأكملها سباقاً للمسافات الطويلة، وطالما كانت صفحات المجلة لنا أجنحة نسابق بها الزمن، كى لا يهرب من محبرتنا.. وأنا.. كيف ومتى كبرت أجنحتى، وصرت طائراً أسطورياً قادراً على الترحال، يلملم الحكايات من بقاع الدنيا وينثرها على صفحات هذه المجلة كلمات، أحياناً بيضاء، وأحياناً رمادية بلون أيامنا ومآسينا..

مجلتى.. أبداً لم تملّ يوماً من حكاياتى، كانت وما زالت حبيبى الذى لم أفقد معه الشغف، وأبجديتى التى حملتها ودرت بها الدنيا، كم مرة شاركتنى فنجان القهوة فى المطارات الحزينة وعلى المقاهى، كم مرة رافقتنى فى مدن الدنيا نجوب حوارى وأزقة المدن العتيقة، نتلصص على العشاق، كم مرة رافقتنى فى المدن الحزينة، حين كنت أجلس لأكتب لها بالساعات والساعات، عن مآسى بلادنا وحروبنا وثوراتنا، كم مرة بكيت وأنا أسطر لها آلامى على أطفال العراق، وكم مرة انتشيت وأنا أكتب لها عن ولعى بسبر أغوار المجهول من أماكن وأشخاص، وكم مرة عاهدتها أن تكون صفحة ترحالى استراحة فوق بساط سحرى يحلق بعيداً عن حقول ألغامنا العربية، ولكن قلمى كان يستجيب - رغماً عنى - لإغواء السياسة وصراع الفصائل وقتال الطوائف ومناوشات الحدود العربية حتى وأنا أطوف بين مدن وعوالم مختلفة، وكانت فى كل مرة تسامحنى، وتفتح صفحاتها لتمردى ويعلو سقفها ليستوعب عبء الكتابة فى تلك الحقول القابلة للاشتعال، فيما أنا مصرة على كونى أضيف وجهاً آخر حين أحط الترحال فى تلك الحقول، وكنت أمنّى نفسى بعد كل انفجار، برحلة جديدة إلى مكان جديد أحصد فى النهاية باقة سعادة مزهرة أقدمها إلى قارئ موجوع، مهموم، يتوق إلى حبة ندى لتعيده إلى الحياة.

إنه عامى الثلاثين إذن فى مجلتى التى تعدت الثمانين من عمرها المديد، وما زالت تقف شامخة مثل شجرة نخيل، تورق وتزهر وتثمر، وككل أشجار النخيل أيضاً قابلة للتلقيح والتقليم، وتغيير شكل أوراقها وأغصانها ونكهة ثمرها، بحيث تكتسب أشكالاً جديدة، وإيقاعاً جديداً ورؤى جديدة، بينما الأمثال الشعبية لدينا مصرة على اغتيال أشجار النخيل بحجة أنها ميراث بدوى صحراوى لا يليق بعصر الإنترنت، فى حين مجلتنا خلاصة عيش وتجربة، ومجرد مخطوطة أولية لسيرة أمة وشعب، وأبيات الشعر الأولى فى قصيدة عمر الوطن، وجلدنا الذى نغيره بعد صيف حارق، وتغيير الجلد هو حالة يقظة وطموح وتحفز، يمنع أى صاحب قلم من الدخول فى حالة غيبوبة، وتدفعه إلى أن يكون دائماً كـ"الهوندي"، ذلك الطائر فوق سفينة لا تعرف من أين وإلى أين يلتهمها الموج وتلتهمها الأسماك، مانحة إياها الحصانة ضد الموت المجانى من توابيت الأمثال الشعبية العقيمة..

نشيخ نحن وتبقى مجلتنا هى الشابة، حقيبة مفتوحة الذاكرة على أيام مضت، أحملها معى فى مطارات العمر المسافر أبداً، والحبيب الذى لا يمل من مراسيلى، إنه إذن عامك الثانى والثمانين حبيبتى، الزمن يمر من أمام معبدك، ولكنه أبداً يظل عاجزاً عن النيل منك، فعطاؤك أكبر من الزمن، وعشرة العمر التى جمعتنا، هى سنوات النضج فى معبدك وبداية أعوام الحصاد، فحين نقلب بين صفحاتك نحن أولادك، لا ننظر إليك ونقرأك بأعيننا فقط، بل ننظر إليك كذلك كما نظر إليك الآخرون فى الصور والموضوعات والتحقيقات والمقالات والحكايات التى كتبها أجيال وأجيال سبقونا للتعبد فى محرابك، إننا نتعرف عليكِ ونعترف بك فى آن، نعرف أماكن وبشراً وشوارع لم نرهم أبداً إلا فوق صفحاتك.. ولكن ماذا عن ذكرياتى معك؟

إنه الأحد.. ولأول مرة أرانى عاجزة عن الترحال، بل إننى قضيت اليوم كله منذ هاتفنى زميلى العزيز خالد، أشعر وكأننى مربوطة فى آلة الزمن، تسحبنى إلى الوراء إلى لحظة وصولى محراب صاحبة الجلالة، حين بدأت أرسم فوق جدرانها لوحة لوجودى، وفى رأسى كان يسكن حلم وأغنية ، لقد شدتنى الآلة الجهنمية وراءها عمراً بأكمله، وها أنا أتبعها مستسلمة:

رأيتنى محررة مبتدئة أعمل بإحدى الجرائد المعارضة، أجلس أمام الأديب والكاتب الصحفى الكبير محمد جلال فى مكتبه بمقر المجلة القديم على كورنيش النيل، حيث كان رئيساً لتحرير المجلة آنذاك، لأجرى معه حواراً حول روايته التى تحولت إلى عمل تليفزيونى (الوهم والكهف والحب)، وبعد انتهاء الحوار سألنى أستاذى محمد جلال إذا ما كنت أود العمل بالمجلة، ولم أكن وقتها أتخيل أننى يمكن أن أكون واحدة من أفراد عائلة هذه المجلة العريقة، فقلت له إننى أحب العمل بجريدتى اليومية فهى تناسب تمردى وجنونى، وشكرته ورحلت، ومرت الأيام وشاء القدر أن أترك عملى بالجريدة، وبينما أنا محبطة وضعيفة وخائفة ووحيدة فى غربتى، وقد اقتلعت من جذورى وفقدت كل دعائمى، واذ بالصديق العزيز الناقد طارق الشناوى يبلغنى بأن الأستاذ جلال يرحب بعملى معه فى المجلة، وفرحت فقد فتحت لى طاقة نور جديدة، وركضت إلى مقر المجلة، وكان ذلك فى اليوم الأول من شهر يناير عام ١٩٨٨..

نعم.. ركضت بكل ما أملك من قوة وطموح شابة متمردة فى ذاك الوقت، لأننى ببساطة لم أستطع تجاوز أحلامى الصغيرة وقتها، وقد كانت كل وجودى الذى أملكه فى هذه اللحظة، أحلامى كانت مثل قطع فسيفساء، كنجوم السماء المبعثرة، أردت أن ألملمها وأرسم بها لوحة لنصيبى فى الحياة العملية، وكانت مجلة الإذاعة والتليفزيون فى ذاك الوقت هى نصيبى، رغم أننى وقتها لم أستطع أن أفهم هل النصيب الذى حدثتنى عنه أمى حين حكيت لها، هو النصيب الذى نختاره، أم أنه تلك الخيوط العنكبوتية غير المرئية التى تتحكم فى تصرفاتنا وعواطفنا، وتجعلنا نتحرك كدُمى، ونتصرف ونقرر ونحن شبه منومين، ثم نصدق أن ما فعلناه كان بكامل وعينا وإرادتنا، والحقيقة أن القدر هو الذى اختار لنا أن نختار، ورغم أننى الآن، وبعد كل تلك السنوات باتت لدىّ قناعة بأنه أحياناً يتطلب الأمر أن نساعد أقدارنا، ما زلت لا أصدق أن القدر هو الذى جاء بى إلى مجلة الإذاعة والتليفزيون، لأقضى عمرى كله بين أروقتها، فالمجلة تشبه كثيراً تلك النسائم التى أهدانى القدر بعضها، ولكنها ربما فعلت معى ما لم تفعله مع الآخرين، فقد منحتنى فرصة الترحال واكتشاف الأمكنة والبشر والفن وكل شىء، وعلمتنى أن الإنسان لا يمكن أن يتواصل مع الآخر حباً أو صدقاً أو زمالة، إلا إذا ربطت هذه الوشائج كلها بينه وبين نفسه، أعرف كثيرين لم تدركهم هذه النعمة، واعرف أنهم يرون ما حولهم رمادياً، لا حياة فيه رغم أننى ورغم السحابة السوداء التى انسحبت على عينى اليسرى، منذ ما يقرب من عشرة أعوام لتفقدنى الرؤية الكاملة للأشياء من حولى، إلا أنها لم تفقدنى أبداً يقينى بحب ووفاء الزملاء الأصدقاء من حولى، إذ كانوا دوماً لى خير العون للترحال رغم الضباب.

نبضة مسافرة 

وسأكتب

لأنني لا أتقن شيئا أخر

ولا أمقت شيئا أخر

ولا أعشق شيئا أخر

« غادة السمان »