صدر العدد الاول من مجلة الاذاعة والتليفزيون في 21 مارس 1935 باسم الراديو المصري
احمد سليم
خالد حنفى
احمد السباعى
رئيس مجلس الإدارة
رئيس التحرير
المشرف العام

باب الحرية - «على عبدالعال» يذبح مؤسســـــــات الدولة الإعلامية

khaledhanf0.JPG

رئيـس البـرلمـان يستخـدم أرقــاماً مغلــوطـة لتبـرير الهـجــوم على ماســبيرو

قال إن عدد العاملين فى المبنى 50 ألفاً وهو نفس الرقم الذى يروجه الطامعون فى إغلاق أعرق مؤسسة إعلامية

الرجل الذى قال إنه يحترم مؤسسات الدولة تخلى عن حياده وهاجم الصحافة والتليفزيون الرسمى

لا أظن أن على عبدالعال رئيس مجلس الشعب قد وضع يده فى يد أصحاب الكيانات الخاصة ليهاجم ماسبيرو.. لا أظن أنه يقف معهم أو مع الذين ينهشون فى جسد هذا الكيان بالحق والباطل.. أقول «لا أظن» لأنه لو كان متعمداً فى نيله من هذه المؤسسة فإنه يتخلى عن دوره فى احترام مؤسسات الدولة وتقويتها وتصويب اتجاهها إن لزم الأمر .. المؤسسات التى أعلن مبكراً أنه يحترمها وأنه سيعمل على إعادة هيبتها وأنه لن يعمل ضدها.. بل قالها صريحة: «لن يكون هناك تعارض بين البرلمان وهذه المؤسسات»، ويبدو -والله أعلم- أن أموراً كثيرة جرت فلم يعد رئيس البرلمان مؤمناً بما قاله أو أنه نسى ما قاله ولم يعد مؤمناً به. لقد خرج علينا على عبدالعال ليقول إن هناك 3 مشكلات تواجه الهيئات الاقتصادية، وهى «الدعم والتسعير وكثافة العمالة»، ثم أشار إلى ماسبيرو وقال إن وجود 50 ألف عامل فى ماسبيرو أمر غير معقول، مضيفاً: «هذا العدد يكفى لإدارة دولة أوروبية، وفى نفس الوقت ما حدش يقدر يمسهم».
ليهاجم على عبدالعال من شاء ومتى شاء، لكن أن يكون هجومه مبنياً على معلومات خاطئة، فهو أمر غير مقبول من رئيس البرلمان المصرى الذى يجب أن يكون كلامه دقيقاً وبياناته سليمة تماماً.. فما قاله عن أعداد العاملين ليس صحيحاً بالمرة.. وهو الرقم الذى يستعين به دائماً المغرضون والمتربصون بهذا الكيان، وقمنا بالرد عليهم وتصحيح هذا الرقم كثيراً.. لكنهم لا يريدون أن يعترفوا بالأرقام الحقيقية، ولو قام على عبدالعال بمخاطبة الجهات المعنية لقالوا له إن أعداد العاملين فى المبنى 34 ألفاً، ما بين برامجى ومعد وفنى وإدارى، وهو ما ذكرته هنا منذ أسبوعين.. هذا الرقم فى طريقه يا رئيس البرلمان للنقصان فى ظل خروج أعداد كبيرة من العاملين للمعاش وعدم تعيين آخرين.. لو خاطب المسئولين لتأكد له أن ما يتم صرفه على تكاليف الخدمة الإعلامية وصل إلى 48 مليار جنيه حتى الآن فى حين أن المخصص الفعلى فى الموازنة لا يتعدى الـ 12 مليار جنيه، وهذا يعنى أن مستحقات ماسبيرو لدى الجهات الحكومية المختلفة تصل إلى ما يقرب من الـ35 ملياراً مقابل الخدمة الإعلامية المؤداة، والأرقام الأخيرة ذكرها إبراهيم العراقى القائم بأعمال رئيس مجلس الأمناء فى بيان صحفى.
رئيس البرلمان بنى هجومه على معلومات غير صحيحة بالمرة، وما كان له أن يفعل.. فكلامه فتح الباب أمام نواب بالبرلمان ليهاجموا ماسبيرو.. أحدهم طالب بتجميد مستحقات العاملين لمدة 4 سنوات لأن رواتبهم ترهق الدولة.. هنا كنت أنتظر من الإعلامى النائب جلال عوارة وكيل لجنة الإعلام وهو من أبناء ماسبيرو أن يرد على هذه الافتراءات وأن يصحح ما ترسخ من معلومات خاطئة لدى زملائه من النواب.
يبدو - والله أعلم - أن رئيس البرلمان بدأ يفقد أعصابه ويفقد إيمانه بمؤسسات الدولة، خاصة المؤسسات الإعلامية.. رغم أن الهجوم عليه وعلى برلمانه يأتى من غيرها.. بل يأتى من المواطنين قبل الصحفيين.. لقد سبق له أن هاجم منذ أيام مؤسسة «الأهرام».. قال «إنها تشوه الحقيقة رغم أننا نصرف عليها وندفع من أموال الدولة ولا تحقق عائداً».. قالها وهو يعرف أنه لا يصرف عليها ولا على أى مؤسسة تملكها الدولة.. فمن يصرف على كل المؤسسات بما فيها البرلمان هو الشعب.. يبدو أيضاً أنه الوحيد الذى تملكته الشجاعة ليهاجم بهذا الشكل.
كان رئيس البرلمان واضحاً مع نفسه.. كان صريحاً جداً بل كان لسان حال عدد كبير من المسئولين الذين يضيقون بهذه المهنة «الإعلام».. مسئولون لم تكن لديهم الشجاعة لأن يعلنوا عن رأيهم الحقيقى فيها.. لكنهم يعملون ضدها فى السر ويحرّضون عليها.. يصورونها كما لو أنها أصل الشرور.. ما قاله رئيس البرلمان لا يخص جريدة «الأهرام» لكنه يخصنا جميعاً.. أمسك فى رقبة أكبر مؤسسة فى الشرق الأوسط ربما تكون رسالة لباقى المؤسسات بأن «تلم» نفسها.. أظهر عينه الحمراء حتى لا يقترب أحد منه ولا من برلمانه، وربما هللوا له وصفقوا كثيراً كما يحدث تحت قبة البرلمان.. ليس بهذا الشكل تستقيم الأمور يا دكتور.. لتعرف أن هذه المهنة لها قدسيتها وكرامتها وإن جرى تشويهها فى الفترة الأخيرة.. فلتعرف أنها كانت وستظل الجدار الذى يحمى المواطنين وإن انحرف البعض منا بمسارها.. ستظل هى الكاشفة للفساد والحامية للحريات وإن أساء البعض فى استخدامها.. لتعرف يا دكتور أن من مصلحة كل الأطراف الحفاظ على هذه المهنة ودعمها وتقويتها لا لكى تهلل فقط، وإنما لتحمى أيضاً أصحاب القرار إذا ما تهوروا.. مثلاً لو أن هناك مسئولاً كبيراً فى الدولة اتخذ قراراً واصطففنا للدفاع عن هذا القرار والثناء عليه دون التوقف أمام آثاره الجانبية السيئة.. بالتأكيد سيواصل هذا المسئول طريقه ليصدر قرارات أخرى تأكيداً لقراره.. فى هذه الحالة ربما يكون حل الأزمة الناتجة عن القرار مستحيلاً.. تخيل لو أن أحداً توقف أمام القرار موضحاً آثاره.. فإذا ما كانت آثاراً سيئة تجنبناها من البداية، فلا تزداد الأمور تعقيداً.. لو حدث هذا لـ «فرملت» هذا المسئول وحمته من أن يتمادى فى غيه.
ربما أتفهم هجوم البعض على الصحافة والإعلام لكن ما لا أفهمه حقاً هو هجوم على عبدالعال لا لشىء سوى أنه رئيس للبرلمان.. بيده التشريعات والقوانين.. ما الذى يضمن لنا ألا تصدر تشريعات تنال من المهنة فى ظل ما قاله الدكتور؟!.. ما الذى يضمن لنا ألا يرد على مهاجميه بقوانين قاتلة؟!، وبدلاً من أن يحمى البرلمان المهنة يسهل مهمة اغتيالها.. لا أريد أن أفهم هجومه على أنه تحريض وتوجيه للنواب لمواصلة المسيرة.. أتذكر عندما تعرضت النقابة لأزمة جاء بعض النواب وحضروا اجتماع مجلس النقابة مع رؤساء التحرير.. قالوا لنا إن كثيراً من النواب ضدنا وبالتالى كثير من المواطنين فى دوائرهم ضدنا أيضاً.. قالوها ربما أملاً فى الوصول لحل يرضى الجميع لكنهم نقلوا رسالة النواب لنا.. وقتها كتبت أن غضبة الصحفيين كانت من أجل كرامة المهنة لا من أجل النقيب ومجلسه.. علينا أن نحافظ عليها جميعاً.. مؤسسات الدولة قبل الصحفيين أنفسهم.. فمحاولة كسر هيبة المهنة والنيل من كرامتها هزيمة للجميع وأن الذين يشعلون الفتنة بين الصحفيين والدولة سوف يحترقون بنارها.. سوف يذهب النقيب -أى نقيب- إلى حال سبيله كما سيذهب مجلسه وستبقى المهنة.. قلت أيضاً : «من يظن أنه الرابح فى هذه الأزمة واهم.. من يظن أنه سوف يكسر شوكة الآخر ويكسر نفسه؛ لا يرى ولا يقرأ المشهد جيداً.
ما جرى كان كاشفاً لنا عن المتربصين بهذه المهنة.. كشف لنا عن حجم الكراهية لهؤلاء الذين استفادوا منها والآن ينقلبون عليها ويكفرون بها ويدفعون الناس لكراهيتها بل ويحرضون بشكل سافر عليها.. يفتحون عليها النار من كل صوب وهم يتخيلون أنها ستحرقنا لوحدنا ولن يكتووا بها.. النار التى يريدونها لنا سوف يحترقون بها.. الخسارة للجميع لنا وللذين يحرضون علينا وأيضاً للمواطنين الذين بدأوا يخوضون فى ذمة الصحفيين دون استثناء، ويشتمون فى المهنة دون تمييز بين صحفى يحترق وهو يكتب، وبين آخر يتاجر بما يكتب.. بين صحفى يراعى ضميره ولا يبتغى شيئاً سوى الانحياز للناس وللوطن، وبين آخر يأكل على موائد كل الحكومات ولا يشبع.. هذا المواطن الذى يسبنا الآن ويرى أن فوق رؤوسنا ريشة نسأله: «وهل حمتنا هذه الريشة من أن نذهب إلى المحاكم والنيابات؟!.. هل حمتنا من عدم تنفيذ حكم قضائى صدر ضد واحد منا؟!».. الآن فقط رأيتم هذه الريشة ولم تروها من قبل.. لم تروها عندما كنتم تتعرضون لظلم أو تعانون من تعسف واضطهاد.. لا أحد منا يشعر بهذه الريشة ولا أحد منا ظن فى يوم من الأيام أنه فوق القانون.. فالقانون فوق رؤوسنا جميعاً ونحن من نريد أن يطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز.
كان الدكتور على عبدالعال واضحاً مع نفسه، لكن ما يدهشنى هنا ليس رأيه فى المهنة ممثلاً فى مؤسسة الأهرام أو ماسبيرو.. ما يدهشنى أنه غير رأيه فيها.. لقد اجتمع على عبدالعال برؤساء التحرير فى البرلمان بعد فترة قصيرة من فوزه برئاسة البرلمان وقال كلاماً طيباً عن الحرية وأنه وطوال تاريخه كان من المدافعين عنها والمقاتلين فى سبيلها، وأنه من الحريصين على دعمها وحريص على تدريسها وترسيخها لدى طلابه.. تخيلنا وهو يقول لنا هذا الكلام أنه من المؤمنين حقاً بهذه المهنة، واستبشرنا خيراً بل واطمأن الجميع لما سيصدر تحت قبة البرلمان من قوانين وتشريعات خاصة بالمهنة.. لكن بين يوم وليلة ضاق صدر الدكتور على عبدالعال وفقد إيمانه بالمهنة لمجرد أنها اقتربت منه.. يا دكتور: كان فى إمكانك أن ترد على «الأهرام» لو أنها تجاوزت.. كما فى إمكانك أن ترد على أى جريدة وأنت أستاذ فى القانون وتعرف أنه حق للجميع دون تمييز أو استثناء.. بل من حقك أن تقاضى من تشاء إذا ما تجاوز فى حقك أو أساء استخدام المهنة.. ربما لو فعلت هذا لأعطيت درساً لمن يريدون اغتيال المهنة لتخلو الساحة لهم.. لو فعلت هذا لقطعت الطريق على الفاسدين والمخربين الذين لا يريدون هذه المهنة أصلاً.. نحن قبل غيرنا نعرف أن المهنة تمر بأسوأ فتراتها.. نحن أدرى بالأمراض التى استوطنت فيها.. أدرى بالوجوه التى أفسدتها وأساءت إليها وخصمت من رصيدها.. أدرى بمن يكتب ليفضح القبح والقهر والعنف والتسلط، ومن يساوم أو يضع نفسه رهن إشارة رجل مال أو أعمال، وتطهيرها الآن فرض عين على من يؤمنون بقدسيتها من أبناء المهنة.. علينا فقط أن نبدأ.
أخطر ما فى كلام الدكتور على عبدالعال ليس هجومه، فقد تعودنا على ذلك من غيره.. الخطورة تأتى من صفته؛ كونه رئيساً للبرلمان.. ربما تأتى تشريعاته غير منصفة!

Please publish modules in offcanvas position.