الثلاثاء, أيلول/سبتمبر 19, 2017

رئيس مجلس الإدارة :حسين زين رئيس التحرير :خالدحنفى

khaledesmail00a.jpg

منذ أيام قليلة، وبالتحديد 25 يناير، رحل الشاعر سيد حجاب، وهو الذى كان من بين أعضاء اللجنة التى كتبت الدستور المصرى الحالى فى عام 2014، وهو مبدع له مواقف فكرية واضحة. هو الذى كتب أغنية لعفاف راضى تقول كلماتها: "الباقى هوه.. هوه الشعب"، وهذا هو جوهر عقيدة المبدع الكبير الراحل.. إيمان عميق بقدرات الشعب المصرى.. ومن يطالع أعداد مجلة "جاليرى 68" وهى مجلة ثقافية فسوف يكتشف أن حجاب قام بعمليات مبكرة للتعرف على الثقافة الشعبية المصرية (الفلكلور)، وأن شعره الذى يعجب كل الناس قام فى الأصل على معرفة الشعر الشعبى، وكان من تلاميذ طه حسين، وهو الذى كتب سيناريو حلقات "الأيام" تطوعا لما عرض عليه كتابة أغنيات المسلسل الذى قام ببطولته أحمد زكى ومحمود المليجى ويحيى شاهين وأمينة رزق، لأنه رأى أن حياة العميد، صاحب عمادة كلية الآداب وعمادة الأدب العربى، تستحق أن تظهر فى صورة طيبة، وهو الشاعر الذى اتخذ من تترات المسلسلات طريقا للوصول إلى الناس بديلا عن الكتب أو الدواوين المطبوعة رغم إصداره مختارات من أشعاره فى كتاب وإصداره عدة دواوين من أشهرها "صياد وجنية، وقبل الطوفان اللى جاى". وموقف سيد حجاب من الصراع العربى الإسرائيلى واضح وضوح الشمس، فهو مقاوم للصهيونية ومنحاز لشعبه العربى، وسبق له أن كتب أوبريت عن حرب أكتوبر وكان يجيد اللغة الفرنسية، وحبه للغة والثقافة الفرنسية ربما انتقل إليه بدافع التلمذة الروحية والفكرية على العميد طه حسين.

وأغنيات سيد حجاب التى تركزت فى تترات المسلسلات التليفزيونية هى التى أغنته عن دراسات النقاد، رغم أنه قام بأدوار أكثر أهمية من أدوار النقاد الأكاديميين، فهو محرر باب الثقافة فى مجلة الشباب، ومن خلال هذا الباب اكتشف مواهب كثيرة وقدمها للحياة الثقافية المصرية، ورغم خصومته مع الراحل عبدالرحمن الأبنودى فإنه كان يعترف له باتساع وعمق موهبته الشعرية. كان يقول دائما رغم الخصام "عبدالرحمن ربنا مديله كتير"، وهذا السلوك يدل على ثقة سيد حجاب فى موهبته وفى نفسه وشبعه الداخلى، وهو الذى كتب تترات مسلسلات تدور أحداثها فى الصعيد، فكان مثله مثل الأبنودى من حيث الإلمام باللغة والثقافة الصعيدية رغم أنه ينتمى بالميلاد إلى المطرية، إحدى مدن محافظة الدقهلية، لكن خبرته بالثقافة الشعبية المصرية كانت كبيرة، فهو يعرف ثقافة ولهجة كل أقاليم مصر، وكان رحمه الله من القلة الذين كتبوا أغنيات للأطفال، وله مشروع مهم تغنت به عفاف راضى، وكتب فوازير التليفزيون للفنانة شيريهان، وهو بهذا العمل يكون قد كتب جميع الألوان الشعرية. وكان صاحب أسلوب رشيق فى المقالات الصحفية، وكان صاحب روح شابة يحب الشباب ويجيد التواصل معهم ولا يتكبر ولا يتعجرف، بل إنه إذا أعجبه شاعر شاب أو روائى شاب بحث عنه ليتعرف إليه، وقد فعل هذا مع كثيرين، ومن المهم الإشارة إلى أنه كان جذاب الحديث، حكاء، لطيفا لا تمل الأذن سماعه، وكان حاضر النكتة حاضر البديهة مصرى الهوى منحازا للصيادين وهو منهم، ومحبا للفلاحين وهو أيضا منهم بالثقافة والانحياز الاجتماعى، وسوف تبقى إبداعات سيد حجاب فى وجدان الجماهير التى عبر عنها وكتب لها ومنها وعنها.

محمد فوزى.. فنان كبير عاش بقلب طفل!

محمد فوزى.. ملحن ومطرب ينتمى إلى مدينة طنطا بالغربية.. متمرد منذ طفولته. ندهته نداهة الفن فخالف رغبة العائلة وجاء إلى القاهرة، فالتحق بمعهد الموسيقى العربية ودرس أصول الفن الذى أحبه فى زمن كانت فيه الهوية المصرية تقاوم وتبحث لنفسها عن وجود. كان المحتل التركى قد دمر المنجزات المصرية الإبداعية وجعل الثقافة التركية أمرا واقعا مفروضا على المصريين، لكن شيوخ الأزهر بحثوا فى التاريخ العربى وأعادوا إحياء الموسيقى العربية، ومن أشهرهم الشيخ محمد المسلوب، وإسماعيل سكر، وعلى محمود، والسيد درويش، والأخير نزع الغطاء التركى عن الموسيقى المصرية وسعى إلى الصنايعية والباعة الجائلين ليأخذ عنهم الألحان ويقضى على التطريب التركى ويوفق بين الكلام واللحن ليكون اللحن تعبيرا عن الكلام – الأغنية أو القصيدة – ومن هذا التصور الموسيقى الجديد تولدت مدرسة كان محمد فوزى واحدا من رموزها، وهو ابن الموسيقى الفلاحية والصوفية التى تشبع بها طوال سنوات حياته فى طنطا بجوار مقام السيد البدوى، وهو المقام الذى يتحول الناس إليه كل عام، فتقوم ليالى الإنشاد التى يحييها رجال الصوفية، ويلقون قصائدهم وألحانهم الدينية ذات الأصول الفرعونية والقبطية والعربية والأفريقية، وتشبع وجدان الطفل الموهوب محمد فوزى بهذه الموسيقى الروحية واستكمل دراسته الأكاديمية ليمتلك أصول الفن وينطق فى ساحة الموسيقى ويصارع ويعارك ويقاتل، فلم تكن الأرض مفروشة بالورد، ولم تكن الرحلة سهلة، لكنه انتصر وحقق نجاحا غنائيا على شاشة السينما، واستطاع أن يقدم لونا موسيقيا قيل عنه إنه سابق لعصره، ولعل هذا القول تؤكده أغنياته الخاصة بالأطفال، فما زالت هذه الأغنيات فريدة فى جمالها وتطورها، ومازالت ألحانه القديمة قادرة على إشباع أذواق الأجيال الجديدة. لكن على مستوى الممارسة الاجتماعية لهذا الفنان هناك أعمال أنجزها، منها إنشاء أول شركة اسطوانات حملت اسم "مصرفون"، وهى التى تم تأميمها لتصبح شركة صوت القاهرة التابعة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون، وهو من أوائل الفنانين الذين دعموا ثورة الجزائر، فهو ملحن النشيد الوطنى لجمهورية الجزائر الذى ما زال معتمدا إلى يومنا هذا، وهذا الفنان الجميل الروح هو الذى قدم بليغ حمدى إلى السيدة أم كلثوم، ونشأت علاقة فنية وثيقة بين بليغ وأم كلثوم تمثلت فى إحدى عشرة أغنية غنتها كوكب الشرق بألحان الشاب بليغ حمدى.

ومحمد فوزى صاحب أغنيات وطنية رائعة، أشهرها "بلدى أحبببتك يا بلدى" التى كانت السند الإعلامى والوجدانى للشعب المصرى فى يوم الاثنين الأسود الموافق 5 يونيو 1967، فقد ظلت الإذاعة تذيعها طوال ذلك اليوم لأن كل الأغنيات الوطنية فى تلك الفترة لم تكن مناسبة لهذه اللحظة الحزينة. وعلى المستوى الإنسانى تزوج محمد فوزى من الفنانة مديحة يسرى، وكانت له قصص عاطفية، منها ما انتهى بالزواج ومنها ما انتهى خلال أيام ولم يتجاوز حدود الكلام. واستطاع محمد فوزى أن يحافظ على احترامه لإبداعه وشخصه وكرامته، فلم يتغزل فى زعيم ولم يبذل نفسه من أجل إرضاء ملك، وهذا الاعتزاز بالذات ظل قانونه فى الحياة إلى أن رحل عن الدنيا بعد إصابته بمرض لم يكن الطب قد توصل إلى معرفة علاجه، لدرجة أنه تم تسجيله فى الموسوعات الطبية باسم مرض محمد فوزى، ثم تبين بعد ذلك أن مرض فوزى كان اسمه سرطان العظام، ومن أعراضه فقدان الوزن. وظل الفنان الراحل يعانى وحده وينفق على مرضه من أمواله الخاصة، ولما سعى أهل الخير للحصول على قرار بعلاجه على نفقة الدولة كان السر الإلهى قد خرج من هذا البدن النحيل، لتستقر الروح الجميلة عند بارئها، وبقيت ألحان محمد فوزى خالدة لأنها صادقة قادرة على إشباع الأرواح.

فى ذكرى رحيل كوكب الشرق.. أم كلثوم بنت «طماى الزهايرة»

رحلت أم كلثوم عن الدنيا بجسدها فى يوم 3 فبراير 1975، بعد صراع مع المرض، وما زالت حية فى وجدان وقلوب الشعوب العربية، وهى التى وحدت العرب وجمعتهم حول أجهزة الراديو طوال رحلتها الغنائية الخصبة الممتدة إلى وقتنا هذا، وهى إحدى دعائم الثقافة العربية. تغنت بالقصائد المكتوبة باللغة العربية الفصحى، وقدمت كل ألوان الغناء الدينى منه والعاطفى والوطنى، وهى ابنة الشيخ إبراهيم البلتاجى، وكان اسمها إلهاما من السماء، فقد رأى أبوها فى منامه أن فى بطن امرأته أنثى وأن عليه أن يطلق عليها اسم "أم كلثوم"، وقد امتثل الشيخ للهاتف المنامى وسمى ابنته باسم واحدة من بنات النبى الكريم صلى الله عليه وسلم. ولما كانت الطفلة أم كلثوم تذهب إلى مدرسة ابتدائية فى عزبة تجاور قريتها طماى الزهايرة جلست بعد انتهاء اليوم الدراسى وتغنت ببعض الأغنيات فانتبه إليها القاضى الذى تصادف مروره أثناء اندماجها فى الغناء، فذهب القاضى إلى والدها وقال له إن فى بيته جوهرة، فظن الشيخ الطيب أن كنزا فى بيته وأن القاضى يعلم مكانه، لكنه صحح له المعلومة وأخبره بأن الجوهرة هى ابنته أم كلثوم، ولم يهتم الشيخ بكلام القاضى لكن غناء أم كلثوم فى البيت بصوت عذب لفت نظر والدها فقرر ضمها إلى بطانة فرقته الدينية، وطافت القرى والنجوع والكفور والعزب، وتعرضت لمواقف صعبة حتى أراد الله أن يبعث على يديها فن الغناء المصرى، وكانت أسرة عبدالرازق الثرية – الصعيدية – المقيمة فى القاهرة السند لها والدعم الذى مكنها من دخول بيوت طبقة الأغنياء فى عشرينات القرن الماضى، وشاءت الأقدار أن تكون أم كلثوم هدفا للحاقدين الذين حاولوا إعادتها إلى طماى الزهايرة قبل أن تنجز مشروعها الغنائى الكبير، لكنها فلاحة عنيدة لم تقبل الهزيمة، وقاومت وصبرت حتى أصبحت بحق هى كوكب الشرق وسيدة الغناء العربى. ومن تصاريف القدر أن أم كلثوم عايشت أجواء ثورة 1919، وكانت الصوت المعبر عن هذه الثورة فى انتصاراتها وانكساراتها، وهى صاحبة النشيد الوطنى "والله زمان يا سلاحى" الذى كان السلام الجمهورى للبلاد طوال سنوات حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وهى التى أسهمت فى المجهود الحربى بإقامة حفلات فى العواصم العربية والأوروبية، وخصصت عوائدها لصالح الخزانة العامة حتى تتمكن مصر من إعادة بناء الجيش الذى دمرته هزيمة 5 يونيو 1967.

والعجيب أن سيد قطب مفتى الإخوان طلب من الضباط الأحرار عقب نجاح ثورة يوليو منع أغانى أم كلثوم من الإذاعة باعتبارها مطربة تنتمى إلى العصر الملكى، والحقيقة أن الملك فاروق أنعم عليها بوسام الكمال، لكن موهبتها لا يعنى أنها كانت من مطربات القصر، بل هى فلاحة مصرية أرغمت موهبتها الباهرة القصر الملكى على التقرب إليها، والشعب المصرى لا ينسى العدو ولا ينسى الصديق لهذا خرجت الآلاف تودع أم كلثوم التى رحلت عن الدنيا بعد أن عبرت عن أفراح الوطن وشاركته فى كل المواقف الحلوة والمرة. إنها معجزة غير قابلة للتكرار، فهى أم كلثوم واحدة، وسوف تبقى خالدة فى قلوب عشاق الغناء العربى الأصيل.

بيرم التونسى.. أبو القصيدة «العامية» المصرية

الكلام عن فنان الشعب بيرم التونسى جائز فى كل وقت، ولقب فنان الشعب حصل عليه السيد درويش.. وبين بيرم ودرويش مناطق اتفاق، فالاثنان من مواليد حى "الأنفوشى" الشعبى السكندرى، والاثنان كانا من رموز ثورة 1919 ، والاثنان منحهما الناس لقب فنان الشعب عن جدارة واستحقاق، ويتفرد بيرم بأنه دفع ثمن قصائده، فعاش فى المنفى تسعة عشر عاما، وكان منفاه فى باريس حيث عمل أعمالا شاقة حتى يستطيع كسب لقمة عيش تضمن له الحياة، وعاد من المنفى ولما نجحت ثورة يوليو 1952 منحته الجنسية المصرية ومنحها إبداعه وقلمه عن إيمان بأهدافها، فهو ثائر قديم، وأصدر فى الإسكندرية صحيفة أطلق عليها اسم "المسلة.. لا جريدة ولا مجلة"، وكانت تهاجم القصر الملكى والاحتلال الانجليزى، وهو فى نظر الحكومة المصرية مواطن تونسى وفى نظر أهله فى تونس مواطن مصرى، وهذه الحيرة كتب عنها قصيدة مشهورة أوضح فيها هذا الإنكار الذى عانى منه من جانب الحكومة المصرية والعائلة فى تونس. وقد أعطى بيرم التونسى فى مجالات عديدة.. كتب أغنيات منها ما تغنت به أم كلثوم، فهو مؤلف أغنيات فيلم "سلامة"، وهو مؤلف المسلسل الإذاعى "عزيزة ويونس" الذى قدمته الإذاعة المصرية فى خمسينيات القرن الماضى، وهو أول من كتب فوازير الإذاعة التى كانت تقدمها الإذاعية آمال فهمى، وكانت له مقالات جميلة فى جريدة الجمهورية.

وفى لقاء له مع الإذاعى طاهر أبوزيد ضمن برنامجه المشهور "جرب حظك"، قال بيرم إنه اختار الكتابة بالعامية حتى تصل قصائده إلى الشعب فى زمن كان فيه المتعلمون لا تزيد نسبتهم على 5% من مجموع الشعب المصرى، وقامت الباحثة الأمريكية مارلين بوث بعمل رسالة ماجستير عنه وتمت ترجمتها إلى اللغة العربية وطبعتها وزارة الثقافة المصرية، وهو الذى قال عنه أحمد شوقى إن القصائد العامية التى يكتبها بيرم تشكل المنافس الخطير للقصيدة المكتوبة باللغة العربية الفصحى!

وبيرم التونسى هو الأب الشرعى للقصيدة العامية المصرية، ومن بعده جاء اللبنانى فؤاد حداد ليصبح بحق المؤسس الثانى لها، ويحصل بجدارة على لقب والد الشعراء، لكن فضل بيرم يكمن فى أنه خاض الحروب ضد حراس الفصحى وضد العقول المتحجرة التى كانت ترفض الاعتراف بهذا النوع من الشعر. وبيرم الذى عاش فى الإسكندرية فى حى الأنفوشى انتقل إلى القاهرة واختار العيش فى حى السيدة زينب، لأنه لا يستطيع العيش بعيدا عن الناس الذين تعلم منهم وأحبهم وعبر عنهم بقصائده وأغنياته ومقالاته، والعجيب فى أمر بيرم أنه لما أجبر على الرحيل إلى تونس تولى رئاسة تحرير جريدة الزمان، وعمل مع الدستوريين، وهم جماعة الوطنيين الرافضين الاحتلال الفرنسى لبلدهم تونس، فهو فنان لا يجيد القرب من السلطان ولا يعرف المهادنة ولا البحث عن المكاسب.. إنه فنان مصرى كبير رغم أصوله التونسية.