الخميس, تشرين2/نوفمبر 23, 2017

رئيس مجلس الإدارة :حسين زين رئيس التحرير :خالدحنفى

khaledhanfy0009.JPG

فى بلادنا لا يتحرك المسئولون إلا إذا وقعت كارثة.. لا يتحركون إلا إذا أصيب الناس أو قُتلوا.. ربما يضعون أيديهم على الداء لكنهم أبداً لا يعرفون الطريق للعلاج.. تقع الكارثة فيبدأون فى التحرك لأسباب كثيرة؛ منها تفويت الفرصة على من يحكم فى الإطاحة بهم أو لتخفيف الغضب الشعبى تجاههم.. فى الأسبوع الماضى تم قتل شاب فى أحد الكافيهات بمصر الجديدة.. ذهب ليشاهد مباراة مصر والكاميرون فى نهائى أفريقيا هو وخطيبته لكنه لم يعد إلى بيته.. قتله من يعملون فى هذا الكافيه بمطواة.. كافيه من بين كافيهات عديدة مخالفة منتشرة فى مصر الجديدة.. يمر عليها كبار المسئولون فى الدولة ولم يقم أحدهم على الأقل بلفت الانتباه لمن فى يدهم الإزالة والمحاسبة.. تحرك المسئولون فقط بعد أن قُتل هذا الشاب.. خرجوا فى حملة لإزالة المخالفات والإشغالات للكافيهات غير المرخصة، وخرجت حملة لفحص العاملين بها..
• «دولة مبارك» فى عز قوتها فشلت فى التصدى لفساد المحليات حتى تخيلنا أن الفساد والدولة جسد واحد
• الصغار يتحكمون فى المسئولين بـ«اللوائح» وهم من يفسدون جسد الدولة ويهددون الاستثمارات
• «الإخوان» زرعوا رجالهم فى المحليات وعلى الدولة أن تطهّر الأحياء من الفاسدين والإرهابيين
حال مصر الجديدة مثل حال باقى المناطق فى مصر.. مخالفات وتعديات كثيرة والمسئولون عن الأحياء يكتفون بالفرجة.. كبارهم يتفرجون لأن صغار الموظفين يتلاعبون بهم.. فى يدهم أوراق اللعبة كاملة.. هم دولة داخل هذه الدولة.. لا يمكن هدمها بسهولة كما نظن، مهما بلغت قوة الوزير المختص.
بالتأكيد جميعنا يتذكر ما قاله زكريا عزمى رئيس ديوان رئاسة الجمهورية فى نظام مبارك تحت قبة البرلمان: «الفساد فى المحليات وصل للرُّكَب».. أعيد التذكير بهذه الجملة ليس محبةً فى قائلها، ولكن لأهمية موقع زكريا عزمى فى الدولة.. فالجميع كان يعرف قوته ويعرف أنه كان متحكماً فى كثير من شئون الدولة ومسيطراً على مسئولين لا حصر لهم.. كان زكريا عزمى فى هذا الوقت رئيس ديوان رئيس الجمهورية ونائباً فى مجلس الشعب.. قال هذه الجملة لأنه وهو الكبير فى منصبه لا يعرف كيفية القضاء على هذه المشكلة.. لا يعرف الطريق لإيقاف زحف فساد المحليات.. يمكنك أن تحاسب الكبير عن الكارثة لكن لا يمكنك تحديد الصغار المسئولين عنها، فَهُم من يُحكِمون قبضتهم على العمل الإدارى فى الدولة.. هم من يحركون الكبار فيحصلون على توقيعاتهم دون عناء، ليحاسَب الكبار بعد ذلك، وربما يدخلون السجن.. صحيح أن هذه المحاسبة بسبب توقيعاتهم الشخصية، لكنّ كثيراً منهم (من الكبار) لم يستفد منها أو دخل إلى بيته مال أو هدايا ثمينة.
الدولة وهى فى عز قوتها فشلت فى التصدى لهذه الأزمة.. فشلت فى علاجها وفى إيقافها، حتى تخيلنا أن الفساد والدولة جسد واحد، لا يمكن لك أن تميز أحدهما عن الآخر.. هذا لا يعنى أن المسئولين حالياً يغمضون أعينهم عما يجرى فى مجالس المدن أو الأحياء أو المحافظات.. ما نقوله يعنى أن تتحرك الدولة فى التصدى لهذه الظاهرة وإلا فلا معنى لأى إصلاح حقيقى نسعى إليه.. لا معنى أن تضخ الدولة استثمارات ضخمة بينما هناك من يستأثر بها ويحرمنا منها.. لا معنى لأن يتحمس رجال الأعمال وكبار المستثمرين لأن يشاركوا فى تنمية هذا البلد.
فى ظنى أنه لن تقوم قائمة للدولة إذا لم يتم فتح ملف المحليات، لا يمكن أن تنتظر منها خيراً إن لم يتم نسف المنظومة من جذورها، ، فالقائمون عليها بيدهم كل شىء.. بيدهم المنح والمنع.. هم -وبدون مبالغة- يتحكمون فى مصير الدولة، بيدهم إما إعلاء كلمتها أو تهديد نظامها، ، ولِمَ لا وهم الذين يتعاملون مع المواطنين مباشرة.. يتعاملون مع مشكلاتهم ومفردات حياتهم اليومية، بداية من أنبوبة الغاز، مروراً برغيف العيش، وليس نهاية بمجرد تعديل فى بلكونة شقتك الخاصة.. المحليات خطر كبير على الدولة إن لم يتم إصلاحها فعلاً.
بالتأكيد أيضاً نتذكر جيداً ما فعله الإخوان عندما حكموا السنة الكئيبة.. ما إن وصلوا للكرسى حتى وضعوا أيديهم فوراً على المحليات والمحافظات.. هم يعرفون جيداً الدور الذى يمكنهم أن يلعبوه من خلالها.. هم يعرفون أن مصالح المواطنين ترتبط بها.. يعرفون أنها الطريق للنجاح فى البرلمان والحصول على أكبر عدد من المقاعد، فزرعوا رجالهم فيها ونصبوا المنتمين لهم إما رؤساء أحياء أو فى مناصب كبيرة ومصيرية فى هذه الأحياء.. سنة لو كانت طالت أكثر من ذلك ما نجح أحد فى خلع الإخوان مهما حاول أو قاتل، وأظن أن الدولة كانت واعية بما فعلته الجماعة فى الأحياء.. بالتأكيد سعت لأن تطهّر هذه الأحياء من المنتمين لهذه الجماعة وأيضاً من المفسدين، وإن لم تفعل فَقُل على أى إصلاح السلام.
لا بد من محاصرة هؤلاء بجدية شديدة.. صحيح أن الأجهزة الرقابية تعمل بكامل طاقتها، لكنها ورغم الحملات الكثيرة لم تمنع الرشاوى ولم يخف أحد ممن باعوا ضمائرهم.. مثل هؤلاء يعرفون جيداً كيف يتلاعبون بالأوراق، فلا يمكنك ضبطهم متلبسين أو تقديمهم للمحاكمة.. مثل هؤلاء يعرفون جيداً كيف يفرون بجرائمهم.. الثورة لم تغير شيئاً فى نفوس هؤلاء أو ضمائرهم، ولا أبالغ عندما أقول إنهم زادوا ثراءً بعدها.. هناك من وجدها فرصة هائلة لأن يحصل من الدولة على ما يراه حقاً مكتسباً حرمته منه.. فقام بعضهم بالتعدى على الأراضى الزراعية وقاموا بالبناء فوقها، وحتى لا تجرؤ الدولة على الاقتراب منه يبنى مسجداً ملاصقاً ليفوّت على الدولة فرصة هدمه.. هناك من قاموا بتعلية العقارات بالمخالفة للقانون وبنوا أدواراً كثيرة لتمتلئ فقط خزائنهم.. لم يكن يعنى هؤلاء أن تسقط هذه العقارات على رؤوس ساكنيها ولا أن يروح ضحيتها آلاف الأبرياء.. المهم أن تمتلئ خزائنهم بالملايين.. هؤلاء كانوا يعرفون أن الدولة لا تراهم ولا ترى ما تفعل أياديهم فكانوا آمنين فى تحركاتهم.. حتى لو رآهم بعض المسئولين فى الأحياء أو المحافظات كانوا يغمضون أعينهم للمصالح الخاصة المشتركة.
هنا فقط يكمن الخطر كله، فالموظفون الصغار فى الأحياء هم من يفسدون جسد الدولة.. هؤلاء من يسيئون إليها بتصرفاتهم وقراراتهم المريبة فى أحيان كثيرة.. هم من يهددون الاستثمارات، فغالباً رئيس الحى لا يملك حيلة أمام رؤساء إداراته الذين يتعمدون تعطيل مصالح المستثمرين والمواطنين، هؤلاء هم من يتعاملون مباشرة مع المواطنين والمستثمرين.. بيدهم كل شىء.. هم من يمنحون ويمنعون.. هم من يفتحون الأبواب على مصاريعها أو يغلقونها بالضبة والمفتاح، وعادة لا يعرف المسئول الكبير عما يجرى خارج مكتبه شيئاً، ولو عرف يتلقى من صغار الموظفين ردوداً تبدو مقنعة له.. فإما يقولون له إنهم لا يريدون إزعاجه بأمور صغيرة، وإما يخوّفونه باللوائح.. ولا مانع هنا من اتهام المواطنين والمستثمرين بمخالفة القانون وأنهم يريدون توريطه.. هنا تكون الطامة الكبرى.. تخويف الكبير ليصبح لعبة فى يد الصغار.. تخويفه حتى لا يوقع على قرار لا يرضون هم عنه.
انسفوا هذه المنظومة من أساسها إذا كنتم تريدون خيراً لهذا البلد!