الثلاثاء, نوفمبر 19, 2019
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : أميمة فتح الباب
: فن

Javier Bardem.jpg

«الكل يعلم» بطولة خافيير بارديم والأرجنتينى ريكاردو دارين، بالإضافة إلى بنيلوبى كروز، وهم مزيج من الممثلين ذوي الوزن الثقيل فى عالم الثمثيل، ومن لا يعرف من هو ريكاردو لا بد سيعرف بنيلوبى كروز أو خافيير بارديم، فهما ثنائى رائع، قدما العديد من الأفلام التى وضعت اسميهما على رأس قائمة الممثلين العالميين فى إسبانيا والعالم أجمع، وهى عناصر تضمن النجاح للفيلم، بالإضافة إلى اسم فرهادى الذى عرف بمعارضته للسياسة فى إيران، فجرى منعه من ممارسة عمله، واضطر للعمل خارج موطنه، فأخرج أفلاماً بالفرنسية والإسبانية والفارسية، وكان محبوه يتوقعون أن يكون فيلمه المقبل بالإنجليزية. تقوم بدور لاورا، السيدة التى تعود إلى موطن أهلها فى قريتها الريفية الهادئة البسيطة لحضور حفل زفاف أختها، تقلها العروس من المطار إلى المنزل، وأثناء اتصال تليفونى نعرف أن زوج لاورا لم يحضر لانشغاله، ثم نعرف أنهم أسرة سعيدة كما يبدو من الحوار، ثم نشاهد استقبال الأسرة للاورا بحفاوة ومحبة، وتتعرف ابنتها إيرينى على شاب، فيتنقل بها فى شوارع القرية على دراجته البخارية، فتستعرض سعادتها بالمكان والناس، وتقابل إيرينى فى طريقها سيارة تقل "باكو" صاحب مزرعة العنب وزوجته، أثناء عودتهما إلى القرية، وبمجرد وصوله يعلم أن إيرينى ابنة عشيقته السابقة لاورا وزوجها الأرجنتينى. فى الشارع الذى كان يتحضر للزفاف، حيث الجميع يعمل كخلية نحل للتحضير للزفاف، يرى "باكو" عشيقته السابقة "لاورا" تحمل طفلاً فيمازحها قائلاً "كلما أتيت إلى هنا أراك تحملين طفلاً"، يظنه طفلها، ويقول لها إنه يشبه أباه، فترد عليه مازحة أن اباه ليس زوجها، ثم تصحح له المعلومة بأنه ابن صديقتها. هذا الحوار هو قلب القصة التى تدور حولها الفكرة البسيطة للفيلم، ثم نستكمل مع الممثلين روعة الحياة البسيطة المليئة بالسعادة التى يعيشها كل أفراد العائلة، ويبدأ الحفل برقص وأغان وعشاء ومشروبات، تشعر إيرينى ابنة السادسة عشرة بالدوار، فتصعد إلى غرفتها لتستريح، وبعد قليل تنقطع الكهرباء فتبحث لاورا عن ابنتها وتصاب بالهلع بعد أن تجد قصاصات لحادثة اختطاف طفلة فى نفس القرية، حيث قتلها الخاطفون بعد أن فشل أهلها فى تدبير الفدية. وتكتشف غياب ابنتها، ثم يتأكد لها أنها مخطوفة، بعد أن تصلها رسالة تطلب 300 ألف يورو مقابل إطلاق سراحها. من هنا يتحول الفيلم إلى منعطفات كثيرة، فالأسرة السعيدة لم تعد سعيدة، ويتحول الفرح إلى كآبة وحزن، الكل يجرى تحت المطر وفى الظلام، يبحثون عن إيرينى علّها تكون بالجوار. الكل يشك فى الكل، الشك والاتهامات تطال الجميع، بمن فيهم الأب الذى كان عكس كل التوقعات، فهو عاطل عن العمل منذ عامين. تتطور الحكاية فتضطر لاورا للجوء لباكو، عشيقها قبل الزواج، ليدفع الفدية بدلاً من زوجها الذى لا يعمل ويبحث عن العمل دون جدوى، وتتدهور علاقة باكو بزوجته، وتتكشف لنا سلسلة من الأسرار التى تقدم لنا عائلة تعيش سعادة غير حقيقية، تدهورت مع أول أزمة حقيقية تعرضت لها. ينتقل الفيلم من تشويق إلى إثارة، لمعرفة قصة الحب التى كانت بين باكو ولاورا قبل زواجها، والتى امتدت بعد زواجها لفترة، قبل أن تستقر علاقة لاورا بزوجها استقراراً مزيفاً تدهور أيضاً. سيناريو الفيلم محكم، وحواراته بسيطة وذكية ومعبرة عن الحالة التى تمر بها كل الشخصيات، متنقلة بذكاء لتتحول الاتهامات بين الشخصيات. السيناريو بطل حقيقى أسهم فى نجاح الفيلم، حيث يقفز بين المنعطفات والعقد السردية، معتمداً على الكاريزما التى يتمتع بها كل بطل من أبطال الفيلم، وينقلنا السيناريو من عقدة إلى أخرى بسلاسة وتشويق، ودون ملل من الأسرار القديمة التى تطفو على مضض إلى السطح، كل هذه العناصر على الورق، تشكل المكونات الكلاسيكية لأفضل أعمال أصغر فرهادى. نحن أمام أسلوب متميز وخاص بفرهادى، القادر على تحويل القصص العادية التى تحدث يومياً إلى دراما تشويقية، ينحاز فيها للدقة فى عرض التفاصيل اليومية، فكل الشخصيات تقدم من خلال حوارات سريعة، أو مواقف عرضية، أو شكل حضورها داخل المشهد فى مجمل الحكاية. "الكل يعلم" فيلم به القليل من الأسرار التى يعلمها الجميع، ولكنهم يلتزمون الصمت. فيلم ممتع، ولكنه لا يقدم التأثير نفسه الذى اعتدنا عليه من فرهادى، ففيلمه "البائع المتجول" كان ممتعاً لآخر لحظة، المفاجآت والانعطافات فيه كانت أكثر من رائعة مقارنة بفيلم "الكل يعلم" الذى نراه أكثر سطحية، ويفتقر إلى بعض التفاصيل التى لو ذكرت لأعطت الفيلم عمقاً ممتعاً، فمثلاً لم نعلم سبب ترك لاورا باكو، ولا لماذا باعت له المزرعة، ولا كيف تعرفت على زوجها وتركت باكو من أجله، رغم الحب الكبير الذى نشأ بينهما. لم يكن الفيلم بنفس العمق الذى قدمه فرهادى فى أفلامه العائلية السابقة، ربما يرجع ذلك إلى التفاصيل الكثيرة التى ازدحمت بها مقدمة الفيلم، واستهلكت نصف المساحة الزمنية، قبل بدء إفشاء الأسرار أو تقديم الفكرة الأساسية للفيلم. بارديم وكروز من أفضل الممثلين الذين يتمتعون بقدرة هائلة فى تقمص الشخصيات، وكأنهما عاشاها بالفعل، فأداؤهما المتميز هو ما رفع من قيمة الفيلم، فهما يعرفان كيف يقدمان شخصيتيهما بأبسط الحركات وأقل الكلمات، وهما من أهم عوامل جذب الجمهور. بارديم وكروز يتركان علامة مميزة لأدوار كتبت خصيصاً لهما، لما يتمتعان به من انسجام أمام الكاميرا، وقدما أداءً تمثيلياً رائعاً، حيث منحنا بارديم حالة من الترقب والتعاطف معه فى كل مشهد يظهر به، منتظرين أن يظهر مشاعره التى يكنها نحو لاورا، وبدلاً من ذلك جعل المشاهد يتعاطف معه على افتراض أن باكو يعانى من ابتعاد لاورا عنه، وتفضيلها للأرجنتينى عليه، بل وتتزوجه. مع تطور الأحداث يزيد تعاطفنا مع باكو، بأداء بارديم الرائع، حين عرف السر الذى ظلت لاورا تخفيه عنه طوال 16 عاماً، ويصبح فى حيرة من أمره: هل يصدقها ويخسر مزرعته، أم يكذبها ويتحمل نتيجة ذلك. الخلطة السرية التى ساعدت الفيلم على الانتشار، والتى حققت النجاح لفرهادى هى نفسها سبب من الأسباب التى تؤخذ على المخرج، لما فيها من استسهال فى صناعة فيلم تجارى. يبدو الأمر وكأنه محاولة لإنتاج فيلم تجارى سهل، وبقوة نجوم مثل كروز وبارديم، وقصة تم التطرق إليها من قبل فى أكثر من فيلم، حققت النجاح التجارى. لكنها ليست خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى فرهادى كمخرج.