الأحد, مايو 31, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : احمد الجهيني
: فن

 

dkdkkdkdkdk.jpg

رغم كل ما يقال عن العدالة والحرية فى البلاد التى توصف بأنها متقدمة، فإن الناس فى هذه البلاد ينظرون للمهاجرين وأبناء المهاجرين كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، تكفى نظرة واحدة للملامح أو لون البشرة ليكتشف أهل هذه البلاد أن هذا مهاجر أو ابن مهاجر، فما بالك إن كان المهاجر مسلما أسمر ومن بلد ربما لا يمر أسبوع إلا ويشهد عملية إرهابية.

هذا ما سوف تشعر به بمجرد مشاهدة الحلقة الأولى من مسلسل The Night Of أو "فى ليلة"، وهو مقتبس من مسلسل بريطانى بعنوان Criminal Justice عُرض فى عامى 2008 و2009، أما مسلسلنا الجديد "فى ليلة" فقام بكتابته ستيفن زيليان وريتشارد برايس، ومن إخراج ستيفن زيليان وجيمس مارش. وهو من إنتاج قناتى BBC Worldwide ،HBO الأمريكيتين، وعرض لأول مرة فى 10 يوليو، 2016. واعتبره النقاد مسلسلا غنيّا ومتقنا بدرجة عالية، ولغزٌا مصنوعاٌ بشكل رائع سوف يبقى مشاهديه مفتونين ويتركهم محطمين.

تدور أحداث المسلسل حول "ناصر خان" وهو شاب أمريكى من أصل باكستانى، يتهم فى جريمة قتل، وتشير كل الدلائل والملابسات إلى أنه القاتل، لكنه يصر على براءته، فيودع فى الحبس الاحتياطى، ويرفض عقد أية صفقة مع النيابة لتخفيف الحكم عنه، ويتوقع الجميع أن يصدر ضده حكم بالإدانة، فى ظل مشاعر عدائية له باعتباره مسلما، لكن يحدث ما لم يتوقعه أحد.

 نهاية الحكاية

قد تبدو الحكاية من آخرها أمرا غريبا، لكن ليس كل غريب سيئا، ففى الحلقة الأخيرة من المسلسل تقف "هيلين ويس" ممثلة الادعاء (وكيلة النيابة) مخاطبة هيئة المحلفين قائلة: "السيدات والسادة، عندما تقدمون طلباً للحصول على وثيقة من مكتب التحقيقات الفيدرالى بموجب قانون حرية الحصول على معلومات إليكم ما تحصلون عليه".. ثم تعرض ورقة بعض أسطرها مطموسة تصفها بأنها وثيقة مُنقحة تم تعديلها حتى لا يمكن قراءتها، أى مواد يعتبرها مكتب التحقيق الفيدرالى تهديدا للأمن القومى، أو مصدر تهديد لسلامة اعمال مكتب التحقيقات الفيدرالى بحد ذاته، وأن التنقيح يساوى المحافظة على النفس، ومثل هذه الحالة (المحاكمة) ثمة تنقيح فى منتصف ما قاله لكم المدعى عليه (المشتبه به) بشأن ليلة مقتل "أندريا"، حيث يوجد مستطيل أسود فارغ بين وقت ممارسة المشتبه به الحب مع القتيلة، وبين وقت عثوره عليها وهى تنزف كما قال، حيث قال إنه لا يمكنه تذكر شىء، نام، وفقد وعيه. لقد قام المشتبه به بتنقيح فترة زمنية حيوية، لماذا؟ لأجل السبب ذاته، لتغطية هذا الجزء باللون الأسود، للمحافظة على النفس.

إن فريق دفاع المتهم حاول القول إن هناك أشخاصا آخرين لديهم دوافع وفرص وتواريخ مناسبة أكثر من المتهم "ناصر خان"، لكن هذا لا ينفى أننا أمام جريمة قتل فظيعة، وكنت أسأل عن السبب لكنكم تعرفون السبب، إنه اليأس، يأس فريق الدفاع (المحامين) لأنهم يعرفون أن القصه المنقحة لن تتقبلها هيئة محلفين ذكية جداً، أيوجد أى دليل على وجود شخص آّخر فى البيت فى تلك الليلة؟ لا، كان "ناصر خان" الشخص الوحيد بالمنزل فى ليلة قتل "أندريا" فى غرفة النوم التى قتلت بها، والسرير الذى قتلت عليه، إنه الشخص الوحيد الذى دماؤه هناك، وبصماته هناك، وسائله المنوى هناك، الشخص الوحيد الذى لديه سكين بجيبه ودماؤها عليه، وقد كان فى ذلك اليوم وحتى يومنا هذا المشتبه الوحيد عند الشرطة.

لكن وكيلة النيابة ترتبك عندما يخرج "دينيس بوكس" الضابط المحقق فى القضية من قاعة المحكمة، وهو فعل غير لائق يصدر عن شخص لعب دورا مهما فى القضية، تتلعثم وكيلة النيابة وتحاول أن تستجمع أفكارها، فتقول: "لأنه كان القاتل وما زال القاتل الوحيد لهذه الشابة الجميلة" ثم تمسك سكينا ملطخة بالدم من أحراز القضية وتقول: "هذه ليست سكيناً قابلة للثنى أو سكيناً لتقطيع الفواكه، هذه مُصممة لتقطيع اللحم، وهذه هى وجهة الاستعمال التى اعتمدها السيد خان، فقد قطع عبر الأوتار والعضلات والعظام والقلب 22 مرة".

 الشرطة والنيابة

هيلين ويس (قامت بالدور جينى برلين): هى المدعى العام (وكيلة النيابة) التى تعمل على قضية ناصر خان، وهى شخصية ذكية متواضعة، تؤمن بالأدلة، وبأن كل رئيس له رئيس، تحاول تبسيط المفاهيم القانونية بتشبيهها بما يحدث فى حياة الناس.

أما "دينيس بوكس" الضابط الذى قام بالتحقيقات (قام بالدور بيل كامب) فهو نموذج لرجل الشرطة المحترف، الذى يغلب عقله على عواطفه، يدرك فى نهاية المسلسل أنه أساء الظن بناصر وأنه أهمل مشتبهين آخرين ربما يكون أحدهم هو القاتل، لذلك يتابع التحقيقات حتى بعد خروجه على المعاش.

 مرافعة الدفاع

ونعود للمرافعة النهائية للقضية، فعندما تنهى وكيلة النيابة كلمتها الختامية، يقف المحامى "جون ستون" وقد ملأت البثور وجهه ويديه بسبب حساسية جلدية، ويوجه "جون ستون" كلامه لهيئة المحلفين قائلا: "سأكون صريحاً معكم، أى شخص يبدو مثل هذا (ويشير لنفسه) هو شخص لم يعتد على إلقاء الخُطب أمام الناس، آسف لأنكم مضطرون للنظر لشىء كهذا، ما أفعله عادة هو تدبير تسوية لموكلى، ففى 95 % من الحالات يكون المتهمون قد قاموا بما تم اتهامهم به، يكونون قد باعوا الكوكايين أو سرقوا "آيفون"، يكون الأمر واضحاً لى عند النظر إليهم، لذا اقول لهم (لا تكونوا اغبياء واقبلوا بالصفقة)، لكن فى المرة الاولى التى رأيت فيها "ناز" (اسم الدلع لناصر) كان يجلس وحيداً فى زنزانة فى الاحتجاز فى مركز الشرطة، كان محتجزاً، مررت بجانبه وخرجت من المركز ثم توقفت، التفت وعُدت.. لماذا؟ لأننى رأيت ما لا أراه فى موكلى الآخرين، ما رأيته هو ما يحدث عندما تضع فتى فى سجن "رايكرز" (أحد أشد السجون فى أمريكا) والقول له (حسناً انج هناك خلال محاكمتك عن جريمة لم ترتكبها)، بالطبع كانت هناك جريمة اُرتكبت بهذه الليلة، لا شك فى ذلك، الجريمة الاولى بعد أن تخلى عنه صديقه الذى لديه سيارة (يقصد تخلى صديق ناصر)، أخذ شاب سيارة الأجرة المملوكة لوالده دون إذن، ليذهب إلى حفله بمنهاتن.

الجريمة الثانية: كانت عندما اشترت شابة مُخدرات (يقصد القتيلة).

الجريمة الثالثة: حدثت على ضفة نهر هادسون تحت جسر جورج واشنطن، حيث أعطت تلك الشابة المخدرات لناصر.

الجريمة الرابعة: وقعت فى وقت تال فى البيت، عندما أعطت القتيلة مُخدرا آخر للمتهم هو الكيتامين، مع كمية من "التيكيلا" (نوع من الخمر المكسيكى الأصل).

الجريمة الخامسة: وقعت عندما اكتشف "ناصر" الجُثة ولم يقم بالابلاغ عنها، فقط قام بالهرب.

الجريمة السادسة: حدثت عندما قاد "ناصر خان" سيارة الأجرة وانعطف إلى اليسار بشكل غير قانونى (عندها قامت الشرطة بالقبض عليه وهى تظنه مخمورا).

الجريمة السابعة: هى مقاومة الاعتقال (عندما تم اقتياد ناصر لقسم الشرطة حاول الهروب وقاوم رجال الشرطة).

هذه هى الجرائم التى ارتكبها هذان الشابان تلك الليلة، وهى  التى لدينا أدلة عنها، ما ليس لدينا أدلة عليه هو هوية الشخص الذى ارتكب جريمة القتل التى تم اتهام ناصر خان بها.. لقد قدمت جهة الادعاء ما قالت إنها إثباتات، ولكن فى نهاية اليوم هى مجرد إثباتات ظرفية وأقاويل.. إن التسرع فى الحكم على ناصر خان بدأ فى مركز الشرطة رقم 21 عند الساعة 4:45 فجراً ليلة وقوع الجريمة، وانتهى بعد 10 ثوان عندما تم إيقاعه أرضاً، الشرطة لم تُحقق مع أحد، لا مع زوج الأم الذى كان يقيم علاقة عاطفية مع الضحية، رغم أن نسبة القتلة الذين يعرفون ضحاياهم أعلى 5 مرات من نسبة الأغراب، ولم تحقق فى وجود شخصين تواجها مع ناصر والمجنى عليها فى تلك الليلة، أحدهما لديه تاريخ إجرامى والثانى تم اتهامه عدة مرات بتهمة الاعتداء الشديد وقد استعمل فى كل مرة سكيناً أخذها من بيت الضحية.. فى الليلة التى قُبض فيها على "ناصر" خَسر كثيراً، خَسر حريته فى أن يعود إلى بيته وإلى عائلته وجامعته وإلى وظيفته الليلية التى تُساعده بدفع مصاريف الدراسة، ولكن الذى لم يخسره ولا واحد منا هو حقوقه الدستورية للحصول على محام ومحاكمة مُنصفة غير مُتحيزة من قبلكم أنتم، وافتراض براءته بشكل لا يقبل الشك، فنحن نسمع ذلك التعبير كثيراً (يقصد الحرية الدستورية والمحاكمة العادلة)، لكن ما معناه حقاً؟ ما تعريفه؟ إنه ما نعتقد وما نشعر به بقدر ما نعتقده، وما نشعر به سيحدد ما يحدث لباقى حياة هذا الشاب.. شكراً لكم".

 المحامى

جون ستون (قام بالدور جون تورتورو)، هو المحامى الذى يتولى قضية ناصر خان، وهو نموذج للمحامى الأرزقى، الذى يلف على أقسام الشرطة، فيقدم رشوة بسيطة لهذا ويعد ذاك بعمولة إن جلب له زبونا أو دل متهما إليه، ويعظى ذاك 100 دولار نظير بعض المعلومات، وهو مطلق وله ابن أسمر من طليقته الزنجية، ويعانى من حساسية جلدية، غير مهتم بمظهره، يعرف أنه لن يصبح نجما فى عالم المحاماة، ويرضى بذلك، بل ويرضى بسخرية زملائه ورجال الشرطة منه، فى البداية يتعامل مع قضية ناصر باعتبارها سبوبة، لكن الأحداث تثبت قدرته على تتبع الجرائم، وإبعاد الشبهات عن موكله.

 حوارات الحجز

تنتهى الكلمات الختامية للادعاء والدفاع، وينتظر الجميع أن تصدر هيئة المحلفين حكما، لكن الهيئة تقرر النطق بالحكم ليوم تال، ليعود المتهم "ناصر خان" إلى سجنه، ويلتقى بـ"فريدى نايت" زعيم المساجين، والذى يسأل "ناصر" عن أخبار المحاكمة، فيجيبه ناصر "من سيئ إلى أسوأ"، فيرد الزعيم: "الأمر ليس سيئا. فيوجد أشخاص يهتمون لأمرك، أنا أهتم لأمرك"، فيسأله ناصر: لماذا؟ فيرد الزعيم: "كم مرة علىّ أن اخبرك؟ الناس هنا من شمال نيويورك ومن أماكن تواجدت فيها، إنهم هنا بسبب بيع المٌخدرات أو القتل، لديهم شيء مُشترك، تسألهم، كلهم يقولون إنهم بريئون، لكن تفوح منهم النتانة، ابتداء من الأغبياء ووصولا إلى أصحاب الملايين، الجميع تفوح منهم نتانة الكذب، لكن أنت تفوح منك رائحة البراءة، أنت بريء حقاً يا ناصر، هذا ما يجعلك فريداً، ووجودك تحت حمايتى يٌشعرنى بأن لدىّ شيئا لا يملكه أحد، فلماذا لا اهتم لأجلك؟ اى نوع من الأشخاص عديمى المشاعر تعتقدنى؟".

 الزعيم

زعيم المساجين فريدى نايت (يقوم بالدور مايكل كينيث ويليامز): سجين ذو نفوذ فى سجن "رايكرز آيلاند"، قارئ جيد للأدب وملاكم سابق. يؤمن بأن الحياة داخل السجل لا تختلف كثيرا عنها خارجه، لذلك لا يهتم بأية تهمة جديدة تضاف إليه داخل السجن، ويستطيع أن يقيم إمبراطورية داخل السجن، فيدفع لأغلب حراس السجن، بل ويضمن لهم ولأسرهم الحماية خارج السجن، يقيم نوعا من العدالة داخل السجن، ويعاقب كل من يخرق عدالته حتى وإن كان من مساعديه، يعجب بناصر لشعوره بأنه برىء.

 هيئة المحلفين

فى اليوم التالى تنعقد المحكمة، ويطلب القاضى من هيئة المحلفين النطق بحكمها، هل المتهم برىء أم مذنب، لكن هيئة المحلفين تعلن أنها فشلت فى الوصول لحكم، حيث انقسمت الآراء، فانحاز 6 من أعضاء الهيئة لاعتبار المتهم مذنبا، ورأى 6 آخرون أن المتهم برىء.

يحاول القاضى حث هيئة المحلفين على اعادة التصويت مرة أخرى، لكن الهيئة تخبره بأن هذا لن يجدى، فكل فريق متمسك برأيه بشدة، فينظر القاضى لوكيلة النيابة ويسألها عما تريد، هل تريد تعيين هيئة مُحلفين جديدة للمحاكمة لتبت فى القضية فى الأسبوع المقبل؟ لكن وكيلة النيابة ترد: لا يا سيدى القاضى، إننا نرفض محاكمته أكثر. وهو ما يعنى براءة المتهم ناصر خان وإطلاق سراحه وعودته لمنزله، وهو ما يحدث بالفعل.

وبعد وقت قليل من إطلاق سراحه يلتقى المتهم "ناصر خان" مع محاميه، ويسأله عما سيحدث، فيجيب المحامى: "فى الوقت الحالى يوجد شخص فى حجز مركز الشرطة، سيستجوبونه، ثم سيأخذونه إلى المحكمة ثم إلى سجن رايكرز، بينما يوجد شخض آخر فى السجن وسيكون هناك شخص اّخر غداً، لا احد يفكر فيك بعد الآن، عدا الجميع هنا (يقصد أهل المتهم)، الناس تحدق بى كل يوم وكأننى مٌصاب بالجذام، لا يريدون الاقتراب منى، فأنا اقوم بتنفيرهم، أترى؟ لقد تعلمت شيئا.. لدى الجميع عبء عليهم حمله، تباً لهم جميعاً، عشّ حياتك.