الأحد, مايو 31, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : وائل الجندي
: فن

 

maryyyyy.jpg

تروى أسطورة أوروبية أنك إن وقفت أمام مرآة ذات ليلة ورددت ثلاث مرات: " مارى.. أنا قاتل أولادك" فستظهر لك "عفريتة" مقطوعة اليدين مخضبة بالدماء تخبرك عن مستقبلك، وهى قد تنفعك، وقد تضرك أيضاً!! وتروى حكاية شعبية إنجليزية أن أصل هذه الأسطورة هى الملكة "مارى الأولى"، التى حكمت بريطانيا عام 1553 لمدة 5 سنوات وقيل إنها تعرضت للإجهاض -المتعمد- عدة مرات (لذا كانت الإشارة إلى قتل أولادها فى الأسطورة)، وأصيبت -حسب الحكاية- بالجنون جراء عجزها عن إنجاب ولى للعهد.. ويحدثنا التاريخ -من جانبه- عن أمور مرعبة تضمنتها حياة تلك الملكة التى روى المؤرخون أنها كانت أكثر الملكات نيلا لكراهية البريطانيين عبر التاريخ!

بدا البرنامج الذى يحمل اسم "شخصيات شريرة" - بثته قناة العربى الثقافية الكويتية- بتعليق لخص حياة "مارى الأولى" مع عرض لوحات زيتية تمثل صوراً لها.. وقال التعليق: "مارى تيودور هى أكثر الملكات بشاعة فى تاريخ بريطانيا، وقد قامت بقطع رقاب المئات، كما أحرقت العشرات أحياءً"، وما بين لقطات تمثيلية ولوحات زيتية مجسدة للمواقف.. تحدث العمل عن أن "مارى" ولدت عام 1516 فى مدينة "جرينتش" وكانت الابنة الوحيدة -التى بقيت على قيد الحياة - للملك "هنرى الثامن" وزوجته "كاترين"، وتروى كتب التاريخ أن الشعب ابتهج كثيرا للحدث.. إلا أن الملك لم يشعر بالسعادة لأنه كان يأمل فى إنجاب ولد، ومن ثم ارتبط "هنرى" بعلاقة بامرأة تدعى "آن بولين" فلما حملت منه تزوجها سراً، ولما أنجبت وافتضح الأمر واجه صدمتين.. الأولى أن "آن" أنجبت هى الأخرى بنتا - سمتها إليزابيث - والثانية أنه كان مطالبا بأن تقتصر علاقته الرسمية على زوجة واحدة، فلما لجأ إلى كبير أساقفة كاتدرائية كانتربرى "توماس جرانمر ".. أفتى الأخير بصحة زواج الملك من "بولين" وبطلان زيجته الأولى - من والدة مارى- والأمر الخطير أن "هنرى الثالث" دخل فى عداء سافر مع رأس الكنيسة الكاثوليكية فى روما بعد تعدد زيجاته وكذلك انفصاله -غير المسموح به فى الكاثوليكية- عن " كاترين".. وأعلن الملك فصل بريطانيا دينيا عن روما.. وبدأ يتبنى المذهب البروتستانتى وينشره، والمهم أن "مارى" - كانت وقتها فى السابعة عشرة من عمرها - وأمها "كاترين".. أصيبتا بصدمة ورفضتا قرار الأسقف، كما أعلنتا تمسكهما بالكاثوليكية، وتمسكت "مارى" بالطقوس الكنسية القديمة، وفى نفس الوقت بدأت صحتها النفسية تتدهور كثيرا بعد اعتبارها ابنة غير شرعية للملك، وزاد تدهور نفسيتها عقب وفاة والدتها عام 1536، ورغم كراهية أبيها لها فإنه اضطر إلى الموافقة على أن توقع "مارى" مرسوما بوراثة عرشه، وتردد بعدها أن الملك قد يلجأ إلى "تسميم" مارى خاصة بعدما رزق بولد - أخيرا - من زوجة رابعة عام 1537، لكن ما حدث أن "هنرى الثامن" قرر إعادة كتابة وصية وراثة عرشه.. فماذا كتب؟

 رائحة الدهن البشرى.. تملأ لندن

قرر الملك أن يكون ابنه الوليد "إدوارد" هو الوريث الأول ثم تليه "مارى" ثم "إليزابيث" - ابنته من بولين - ومات "هنرى الثامن" عام 1547، وتولى الحكم "إدوارد" الذى كان صغيرا فى التاسعة من عمره، وقد تولى العرش تحت وصاية عدد من المستشارين البروتستانت المتعصبين.. وجرى فى عهد الصبى نشر البروتستانتية على حساب الكاثوليكية، وشعرت "مارى" بغصة شديدة، وزاد تدهورها نفسيا وشعرت بيأس رهيب لكن حدثا ما غير رؤيتها للأمور حين اتصل بها أمراء إسبانيا - كاثوليك متعصبون- وأبلغوها بدعمهم لها ووقوف إسبانيا إلى جانبها من أجل إعادة الكاثوليكية إلى صدر الدولة، وعبر عدة مشاهد تمثيلية أوضح البرنامج أن "إدوارد" كان عليه أن يتنحى بعد فترة من الحكم - تحت الوصاية- ولأنه لم يكن يرغب فى تولية مارى فقد رشح ابنة عمها وتدعى "جين جراى" لتصبح مليكة انجلترا - بدلا من مارى - لكن الشعب الإنجليزى عبر عن ميله لاختيار "مارى" بعدما اقتنع برأيها القائل بأنها من نسل الملك "هنرى" على عكس "جراي"، واندفعت جموع من الكاثوليك والبروتستانت - على حد سواء - تعلن تأييدها لـ"مارى"، ومن هنا جرى تنصيبها فى 1553 ملكة لبريطانيا، بعدها لم تنتظر "مارى" كى توجه أولى صدماتها للشعب.. حيث أعلنت اقترانها بملك إسبانيا "فيليب الثانى" - الكاثوليكى المتعصب - ثم بدأت فى التنكيل بالبروتستانت فقامت بإعدام مجموعة من المنشقين على الكنيسة الكاثوليكية، ثم أصدرت قرارا بعودة قوانين العصور الوسطى.. وكان المعنى هو توقيع عقوبة "الموت حرقا" على المتهمين بالهرطقة - أى الذين خرجوا على المذهب الكاثوليكى وأصروا على اتباع البروتستانتية - وقامت بالفعل بإحراق العشرات أحياءً بالساحات العامة، ووصل الحال - كما ذكر مؤرخ بريطانى- إلى إحراق امرأة حامل..(!) خرج جنينها خلال إحراقها ومات بالطبع معها، كما تم إحراق عشرات البسطاء البروتستانت وكذا عدد من المبشرين وأقسمت "مارى" أن تطهر بريطانيا من "المهرطقين"!! وحكى أحد المؤرخين أن رائحة احتراق الدهن البشرى كانت تملأ شوارع عديدة فى "لندن" ومدن بريطانية أخرى، وفى الوقت نفسه - فيما بدا انتقاما من السماء- تعرضت "مارى" لصدمة كبيرة حيث تردد أنها تعرضت للإجهاض مرتين، وشعر زوجها الإسبانى - الذى لم يحبها قط- بأنها لن تنجب له وليا للعهد فغادر بريطانيا كلها وعاد إلى بلاده!

ومن جانب آخر.. انتهى بطش "ماري" بأعدائها.. بقضية الأسقف "توماس جرانمر" الذى اعتبرته سببا فى انفصال أبويها، وكذا عاملا أساسيا فى تحول البلاد فى عهد أبيها إلى المذهب البروتستانتى.. ومن هنا تم القبض على الرجل وتعرض لمحاكمات امتدت إلى أكثر من عامين، ورغم أنه أعلن توبته عن اتباع المذهب الجديد، وقام لست مرات بإعلان تراجعه عن البروتستانتية وندمه على فتاواه.. فإن "مارى" أوعزت للمحكمة بإصدار حكم بقتله حرقا، وكانت نتيجة سلوكها أن غضب الشعب - كاثوليك وبروتستانت - من قسوتها الدموية وصارت مكروهة بشدة بين عموم الشعب البريطانى على اختلاف انتماءاته الدينية، كذلك لم تستطع "مارى" القضاء على المذهب الجديد بل زاد أتباعه فى عهدها وبدأ يتسيد  على حساب المذهب القديم، وانتهت اللعنة التى حلت ببريطانيا - فى ظل حكم مارى - باجتياح وباء الإنفلونزا للبلاد كما سقط حصن "كالى" المهم فى أيدى الفرنسيين.. بينما سقطت "ماري" فريسة لمرضها ولفظت أنفاسها الأخيرة عام 1558 وهى لم تكمل الثانية والأربعين من عمرها، وتولت الحكم بعدها أختها - غير الشقيقة - "إليزابيث" التى أعلنت توحيد بريطانيا تحت المذهب البروتستانتي، قدم البرنامج قضية مهمة تتعلق بشخصية تاريخية مهمة مثلت نموذجا للسلطة المتعصبة الباطشة التى لم تتفهم مسئولية الحكم وأهمية أن تشكل السلطات حاضنة لكل فئات البلاد على تنوعها، كما أشار العمل إلى أن البطش لا يقضى على الأفكار، وأن الشعوب باقية بينما يذهب الأفراد، وعلى الرغم من أن  البرنامج قام على سيناريو محكم وبحث مدقق فإن بعض النقاط التاريخية كانت بحاجة إلى توضيح من العمل - أو ضيوفه - مثل الموقف الذى تنحى فيه "إدوارد" عن الحكم، حيث لم يوضح التعليق ولا الضيوف السبب الذى دفع الصبى إلى ترك الحكم.. وهل هو قانون ملكى قديم أم شروط السن، أم أمر ثالث. وكذلك الحال فيما يتعلق بالاختلاف بين البروتستانت والكاثوليك.. فقد تفهمنا السبب الشخصى الذى دفع الملك "هنرى الثامن" لمعاداة الكاثوليكية، لكن العمل لم يفسر لنا الفجوة الفاصلة بين المذهبين والتباينات الأساسية بين أتباعهما، كذلك لم يوضح البرنامج هل كان المرض النفسى - وحده - هو فصل النهاية فى حياة "ماري" أم أن مرض الموت كان ذا طبيعة أخرى أو مسحة مزدوجة؟ ورغم ذلك فقد أسهم المؤرخون الثلاثة الذين استضافهم البرنامج فى تقديم  معلومات جيدة، كما استعان العمل بالعديد من المشاهد التمثيلية التى كانت جزءا مهما للغاية من العمل وذلك بسبب تناوله لتاريخ بعيد يستلزم الاستعانة بمشاهد "إعادة التجسيد " التمثيلية، كما كان استخدام اللوحات الزيتية القديمة موفقا شارحا لأجزاء من مواقف العمل، وكان إيقاع العمل جيدا متدفقا بفضل مونتاج متقن ومخرج متمكن.