الثلاثاء, يونيو 02, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : أحمد الجهيني
: فن

 

 

geheny009.jpg

لا أحد منا كامل، لكننا نبذل قصارى جهدنا، لأن هذا البيت يستحق ذلك، نثق فى غرائزنا كلما واجهتنا المتاعب، البعض سيربح والبعض سيخسر والبعض سنعرفه فى الوقت المناسب، لكننا نترك كل ليلة آملين أن تكون تضحيات اليوم مُستحقة للعناء، وأن غرائزنا لم تقُدنا نحو الضلال، وأن قصارى جهودنا كانت كافية.

هذه هى الكلمات التى واجه بها "سيث رايت" - المستشار الصحفى للبيت الأبيض - الصحفيين، الذين كانوا مضطربين كبقية الأمريكيين، يبحثون عن إجابات لأسئلة كثيرة، بعد أن وقعت الكارثة وقتل الرئيس الأمريكى ونائبه وقضاة المحكمة الدستورية وأعضاء الكونجرس والوزراء, باستثناء وزير واحد لم يكن حاضرا مع البقية فى مبنى "الكابيتول"، وذلك وفقا لمبدأ أمنى معمول به فى الولايات المتحدة يعرف بـ"الناجى المعين".

 الناجى المعين

الناجى المعينة أو "خليفة الرئيس" مصطلح يقصد به فرد من فريق العمل الرئاسى الأمريكى، عادة ما يكون أحد الوزراء، وهو شخص ترتب له الظروف ليكون فى مكان بعيد جسديا وآمن، وغير معلوم عند اجتماع الرئيس والزعماء الكبار الآخرين فى البلاد (كنائب الرئيس وأعضاء مجلس الوزراء) فى مكان واحد، كما يحدث أثناء الاحتفالات الوطنية الكبيرة. ويهدف هذا الوضع لضمان استمرارية الحكومة فى حالة وقوع كارثة يقتل فيها الرئيس ومن معه من المسئولين ممن يمكن أن يخلفوا الرئيس. فإذا حدث مثل هذا الحدث، وقتل الرئيس ونائب الرئيس، وظل الباقون على قيد الحياة فإنه يتم تعيين أعلى مسئول كرئيس، وربما يصبح الناجى المعين الرئيس بالنيابة بموجب قانون الخلافة الرئاسية.

وقد نشأت فكرة الناجى المعين خلال الحرب الباردة مع مخاطر وقوع هجوم نووى على الولايات المتحدة. واستقر الرأى على أن يتمتع الوزير المرشح لـوضع الناجى المعين بمجموعة من الصفات التى تضمن نجاحه فى حالة توليه منصب الرئاسة، ومن ذلك أن يكون من مواليد الولايات المتحدة وأن تزيد سنه على 35 عاما، وأن يكون قد أقام فى الولايات المتحدة لمدة لا تقل عن 14 سنة.

على سبيل المثال، لم تكن وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت من مواليد الولايات المتحدة، حيث هاجرت إليها من تشيكوسلوفاكيا، وبالتالى لم توضع فى خط الخلافة الرئاسية، ولم ترشح للعب دور الناجى المعين.

كما يطبق هذا القانون على هيئات أخرى ومنها الهيئة التشريعية (الكونجرس)، ففى حال مصرع جميع أعضاء الكونجرس فإن الناجين يمكن تصعيدهم إلى رئاسة مجلسى النواب والشيوخ بشكل مؤقت.

 المبدأ والفن

فى عام 1991 قدمت HBO فيلما عن الموضوع بعنوان "Dawn's Early Light" (ضوء المبكر الفجر)، دار حول وزير أمريكى يصبح رئيسا للولايات المتحدة بعد هجوم نووى سوفييتى. كما تم التطرق للموضوع من خلال مسلسل "الجناح الغربى". ومؤخرا ظهر مسلسل يدور حول ذات الموضوع هو مسلسل الناجى المعين (Designated Survivor) والذى استفاد من فكرة مبدأ "الناجى المعين"، وهو من تأليف ديفيد غاغينهايم، وبطولة كيفر سثرلاند. وبدأ عرضه فى 21 سبتمبر 2016، على قناة هيئة الإذاعة الأمريكية. وسيستمر موسمه الأول خلال 2017، وحصلت الحلقة الأولى من المسلسل على نسبة مشاهدة عالية بلغت 7.67 مليون مشاهدة.

وتدور أحداث المسلسل حول مقتل الرئيس الأمريكى ونائبه وجميع الوزراء – باستثناء واحد – وجميع أعضاء الكونجرس – باستثناء واحدة - وقضاة المحكمة العليا، أثناء إلقاء الرئيس خطاب حالة الاتحاد فى مبنى "الكابيتول"، إثر انفجار كبير، ويكون الوزير الناجى هو وزير الإسكان والتنمية العمرانية توم كيركمان (قام بالدور كيفر سثرلاند) الذى وقبل ساعات كان مرشحا لترك الوزارة، لكن وبعد الحادث عُين باعتباره "الناجى المعُين".. حيث يقسم كيركمان اليمين وينصب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، وهو غير مدرك للمخاطر المقدم عليها هو وبلاده.

 فى البيت الأبيض

بعد تنصيب الرئيس توم كيركمان كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، يبدأ هذا الرئيس فى تكوين الفريق الرئاسى، معتمدا على مشورة زوجته أليكس كيركمان (ناتاشا مكيلهون)، والتى تعمل محامية متخصصة فى شئون اللاجئين وتكافؤ فرص العمل، والتى تجد نفسها فى دور لم تتوقعهُ. ويبقى الرئيس على آرون شور (آدان كانتو) رئيس موظفى البيت الأبيض، الذى يُقدم المشورة للرئيس ويحاول تقويض رئاسته فى نفس الوقت. كما يستعين الرئيس بإيميلى رودز (إيطاليا ريتشى) التى كانت مستشارة له أثناء عمله كوزير، لتصبح المستشارة الأولى للرئيس الأمريكى. كما يختار الرئيس سيث رايت (كال بين) لمنصب السكرتير الصحفى للبيت الأبيض، رغم أن "سيث رايت" يشك فى البدء فى قدرة الرئيس على إدارة البلاد، لكن سرعان ما يثق به ويصبح من أقرب مستشاريه. وكذلك يستعين الرئيس بمايك ريتر (لامونيكا غاريت) وهو عميل فى الخدمة السرية لحماية الرئيس.

فى حين يعانى الرئيس من تربص رئيس أركان الجيش الأمريكى هاريس كوتشران (مكيفن آر مكنالي)، والذى يشك بقدرة الرئيس "كيركمان" على إدارة البلاد، ويخطط لعمل انقلاب عسكرى، فلما يجد من يدعمونه يحاول توريط الولايات المتحدة فى حرب ضد تنظيم "الصقر" أحد التنظيمات الإرهابية المنبثقة عن تنظيم القاعدة، والمتركزة فى الصحراء الأفريقية جنوب الجزائر وشمال مالى.

 الناجى والناجية

ولأن قانون الناجى المعين ينطبق على الكونجرس الأمريكى كما ينطبق على الإدارة الأمريكية، لذلك تظهر عضوة بالكونجرس كانت بعيدة أثناء الكارثة،، هذه النائبة هى كيمبل هوكستراتن (تقوم بالدور فيرجينيا مادسن)، لتمثل سلطة التشريع والمراقبة، ورغم تعاونها مع الرئيس "كيركيمان" فإنها تشكك فى قدراته ولا تخفى رأيها بأنه لا يستحق أن يكون رئيسا لأمريكا.

أما المفاجأة التى لم يتوقعها أحد فهى ظهور عضو آخر من أعضاء الكونجرس الأمريكي، هو بيتر مكليش (آشلى زاكرمان)؛ يتم العثور عليه أثناء البحث فى مبنى الكابيتول، وهو جندى سابق خدم فى أفغانستان.

 الحقيقة

إن حدثا بحجم تفجير مبنى الكابيتول بكل من فيه من سياسيين ومشرعين أمريكيين لابد أن يشغل جميع الأجهزة الأمنية الأمريكية، لكن المشكلة أن أغلب قادة هذه الأجهزة يقتلون مع الرئيس ورفاقه أثناء الحادث، بمن فيهم رئيس المخابرات المركزية ورئيس المباحث الفيدرالية FBI، ولأنه حدث وقع داخل الأراضى الأمريكية فإن مهمة كشفه تقع على عاتق FBI التى يقودها جيسن آتوود نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى (يقوم بالدور مالك يوبا)، وتعاونه فى هذه القضية هانا ويلز (ماغى كيو) العميلة فى مكتب التحقيقات الفيدرالية، والتى تحقق فى ملابسات الهجوم على البيت الأبيض. وتتركز شبهاتها حول عضو الكونجرس "بيتر مكليش"، فنجاته لوحده من بين كل السياسيين الأمريكيين تثير الشكوك، ورغم أن نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى يشك فى البداية فى استنتاجات العميلة "هانا ويلز" فإن الأحداث تثبت صدق توقعاتها.

 الصراع

يواجه الرئيس الأمريكى "توم كيركمان" صراعا على أربعة مستويات:

المستولى الأولى هو الخطر الخارجى المحدق ببلاده والمتمثل فى تنظيم "الصقر" وفى محاولة إيران استغلال ارتباك الولايات المتحدة بإغلاق مضيق هرمز، ومحاول روسيا الحصول على أكبر قدر من المكاسب. 

المستوى الثانى هو الخطر الداخلى المعلن المحدق به وببلاده، والمتمثل فى تشكيك البعض بقدراته وسعيهم للضغط عليه لتقديم استقالته.. وكذلك محاولات تمرد بعض حكام الولايات.

المستوى الثالث هو الخطر المحدق بأسرته، فهناك من يحاول أن يشكك فى نسب ابنه له،  كما ينشأ صراع بينه وبين زوجته بعد استجابته لضغوط الجمهوريين بمنع الهجرة.

المستوى الرابع هو الخطر الداخلى غير المعلن المحدق بالرئيس والبلاد، والمتمثل فى وجود تنظيم أمريكى هو الذى قام بتدبير التفجير، هذا التنظيم يتابع نشاطه ويخطط لاغتيال الرئيس.

 شخصية الرئيس

فى بداية توليه المنصب تتم محاصرة الرئيس "توم كيركمان" لإجباره على تبنى فكرة أن تنظيم "الصقر" هو من قام بتنفيذ الهجوم، وفقا لفكرة أن الأمة يجب أن تجتمع على عدو واضح فى وقت قريب (هذه النظرية طبقها جورج بوش بعد أحداث 11 سبتمبر).. لكن الرئيس "كيركمان" يرفض هذا الطرح، ما دامت لا توجد معلومات مؤكدة، خاصة أن اتهام تنظيم "الصقر" واعتباره عدوا وتوجيه ضربات عسكرية له يعنى أن الفاعل الحقيقى ما زال طليقا.. وهذا يكشف جانبا من جوانب شخصية الرئيس، فهو رجل صادق يريد أن يكون على سجيته، فى حين أن السياسة تتطلب فى أحيان كثيرة إخفاء الحقيقة وتفضيل ما فيه المصلحة عما فيه الصدق، وكثيرا ما تكون المصلحة فى جانب والصدق فى جانب آخر. لكن وبمرور الوقت يتحول الرئيس لشخص مختلف، يجيد تطبيق مبدأ العصا والجزرة، أو الترغيب والترهيب فى عالم السياسة الملىء بالمنافسين والحاقدين والمتآمرين. ورغم ذلك يظل الرئيس محافظا على كثير من قيمه ومنها عدم تعريض حياة مواطن أمريكى للخطر، وإعلاء قيمة الحرية.

 الرسالة

الرسالة التى يحملها المسلسل بسيطة، وتقول إن أى شخص حتى وإن لم يمتلك كاريزما الزعامة، ولم يغص فى دهايز السياسة والأمن، يمكن أن يصبح رئيسا جيدا، وأن يقود أمته حتى فى أعتى الأزمات، ما دام مخلصا وصادقا، وكانت الدولة دولة مؤسسات، وما دام وضع مصلحة الأمة فوق مصلحته الشخصية، فكلمات مثل الزعيم الملهم والقائد الفذ يمكن أن تؤدى لفشل الدولة والرئيس معا. أى أن الرئيس يجب أن يؤمن بشعبه وأمته أكثر من إيمانه بنفسه.. ويؤمن بدولة المؤسسات، فرغم أن العضوة الناحية من حادث تفجير الكونجرس تزعج الرئيس كيركمان وتصرح بأنه غير كفء وأنها كعضوة كونجرس سلطة رقابة عليه، فإنه يصر على إجراء انتخابات الكونجرس، حتى تكون هناك مؤسسة تشريعية ورقابية، فتكتمل أركان الدولة، كما يؤمن الرئيس كيركمان بأن الإعلام قلعة حصينة لحماية الديمقراطية وتصحيح الاعوجاج والكشف عن الفساد، رغم أن إحدى الصحفيات تتابع قصة تشكك فى نسب ابنه البكرى له.