الثلاثاء, يونيو 02, 2020
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : أيمن الحكيم
: فن

 

basnthindrostmeo.jpg

كانت تعتبر محمود عبدالعزيز الممثل " نمرة 1 " فى جيله !

لأيام متوالية وبكثافة عالية راحت القناة الفضائية الخاصة تذيع تنويهات جذابة عن حلقة خاصة عن الفنانة الكبيرة هند رستم، قالت إنها تتضمن أسراراً جديدة عن حياتها وأعمالها، وانتظرت بسنت الابنة الوحيدة للفنانة الراحلة موعد إذاعة الحلقة بلهفة وفضول، وشعرت بامتنان مبدئى لصناع البرنامج وعلى رأسهم ماكيير شهير يتولى إنتاج البرنامج والمشاركة فى كل حلقاته بحكم علاقته بالوسط الفنى ونجومه، لكن الامتنان سرعان ما تحول إلى دهشة.. وعتاب.. وغضب!

فقد كانت الحلقة مليئة بالمغالطات والحكايات المختلقة والإثارة المبالَغ فيها عن هند رستم، وجلست بسنت تستمع لقصص غريبة عن حياة والدتها، وكادت تظن أنها أمام فيلم هندى وليس حلقة تليفزيونية عن الفنانة والإنسانة التى تعرفها أكثر من نفسها..!

وكادت تضحك من هول ما تسمع، وما يحكيه الماكيير الشهير عن معاناة والدتها من معاملة جدها اللواء حسين رستم، الذى لم يكن يتورع عن ضربها بالكرباج، وكيف قررت هند الصغيرة أن تهرب من جحيم والدها لكى تمثل فى السينما وتنسى فى الأضواء والشهرة ما لاقته من قسوة الأب وجحود الأم التى تركتها وهى طفلة لتتزوج من رجل آخر بعد انفصالها عن والدها!

لا تعرف بسنت رضا، ابنة الفنانة الكبيرة، من أين جاءوا بتلك الحكايات العجيبة والغريبة عن حياة هند رستم، خاصة أنها تأتى متزامنة مع ذكرى ميلاد والدتها، وكأنهم يقدمون لها باقة شوك فى تلك المناسبة، وليس باقة ورد تليق بنجمة كانت وما زالت مصدراً للبهجة والسعادة، وحفرت اسمها فى القلوب كواحدة من أجمل نجمات السينما المصرية!

قلت لبسنت رضا: هذه فرصة لنستعيد معك هند رستم وسيرتها فى ذكرى ميلادها، وفرصة كذلك لنقدم لها باقة ورد تليق بما قدمته وتركته.. وتكلمت بسنت رضا، وحكت كثيراً عن والدتها، وكان لا بد أن توضح وترد وتصحح المغالطات التى وردت فى الحلقة التليفزيونية..!

وقالت بحماس: أزعجنى ما جاء فى البرنامج جداً، لأنه غير حقيقى بالمرة، ولا أعرف من أين جاءوا بحكاية أن جدى كان يضرب أمى بالكرباج لأنها اتجهت للتمثيل، فالحقيقة غير ذلك تماماً، وعندما بدأت أمى التمثيل وظهرت لأول مرة على الشاشة فى المجاميع وراء ليلى مراد بأغنية (اتمخطرى يا خيل) كان عمرها 16 سنة، ووقتها كانت تعيش مع والدتها وليس مع جدى!

ودعنى أذكر لك الوقائع بالتفصيل كما أعرفها وعشتها وحكتها لى أمى، فبعد الانفصال بين والدها ووالدتها قرر والدها اللواء حسين رستم أن يحتفظ بهند فى حضانته على سبيل العناد، ولما كانت شخصيته صعبة وقاسية وعصبية كانوا فى وزارة الداخلية يرسلونه دائماً للخدمة فى المناطق البعيدة عن العاصمة، وفى الأرياف غالباً، وتنقلت معه أمى فى محافظات الدلتا، وعاشت سنوات صعبة وتضاعفت قسوتها عندما تزوج والدها من سيدة أخرى، وعاملتها زوجة أبيها الجديدة بغلظة.. وبسبب ظروف عمل الأب وتنقله الدائم لم تستطع أن تواظب على الذهاب إلى المدرسة فأخرجها أبوها من التعليم!

وحدث مرة أن جاء الخفير الخاص بجدتى فى أمر ما إلى حيث يعيش ابنها فى الأرياف، ولما فتحت له أمى الباب لم يتعرف عليها الخفير، فقد كانت شاحبة وهزيلة وذهبت عنها نضارتها القديمة، ولما طلب منها أن تخبر والدها بقدومه أدركت أنه لم يتعرف عليها، وقالت له ببراءة: أنت مش عارفنى يا (فلان)، عندها تنبه الخفير إليها، ولما عاد أخبر جدتها بما رآه، وهنا قررت جدتها لأبيها أن تأخذ هند لتعيش معها فى جاردن سيتى، وكانت العمارة تضم أعمامها الأربعة وعماتها الثلاث، وأعادوها إلى المدرسة ورعوها وربوها أحسن تربية.. وهنا أحب أن أذكر أن عائلة والدها كانوا قد اختاروا لها اسم (ناريمان) لكن والدتها أصرت على أن تسجلها باسم هند فى شهادة الميلاد.. ومع ذلك ظل أعمامها وعماتها ينادونها باسم (نى نى) (دلع ناريمان) ولم يعترفوا باسم هند.. فقد ظلت عندهم هى ناريمان حتى اليوم الأخير!

عاشت أمى سنوات فى كنف جدتها لأبيها وأعمامها وعماتها من آل رستم (العائلة التركية الأصل)، لكن أمى كانت تشعر بحنين ورغبة لتعيش مع أمها التى كانت قد عادت إلى الإسكندرية مسقط رأسها بعد طلاقها من جدى، ويبدو أن أمى (صعبت) على جدتها فسمحت لها بأن تعود لأحضان أمها، ودخلت المدرسة الفرنسية بالإسكندرية، وبها كانت زميلتها مجنونة التمثيل التى اصطحبت أمى معها إلى استوديو السينما للتقديم فى مسابقة اختيار وجوه جديدة.. إلى آخر القصة المعروفة عن بدايات أمى مع السينما!

كانت جدتى لأمى من عشاق الفن، وتحب صوت أم كلثوم بشكل استثنائى، لذلك لم تمانع فى دخول أمى المجال الفنى وإشباع هوايتها مع التمثيل، وتشجيعاً لها انتقلت لتعيش معها فى القاهرة لتكون قريبة من استوديوهات السينما، وعاشت معها فى شقة بمصر الجديدة، وهى الشقة التى تزوجت فيها أمى فيما بعد من المخرج حسن رضا وأنجبانى فيها وما زلت أذكر تفاصيلها.. ولما شقت أمى طريقها وأصبحت نجمة انتقلت لتعيش فى حى الزمالك، وألحت على والدتها أن تنتقل لتعيش معها فى شقتها الجديدة، لكن جدتى لأمى فضّلت أن تبقى فى شقتها بمصر الجديدة وماتت فيها!

 (2) وتحكى بسنت:

وتفسيرى أن ارتباطها بكلابها وعلاقتها بهم كان من توابع معاناتها فى سنوات الطفولة، والطلاق المبكر الذى حدث بين أمها وأبيها، وتمزقها النفسى بين الطرفين، وحرمانها من الحنان فى سنواتها الأولى التى تتشكل فيها شخصية الطفل، وما لاقته من معاملة قاسية من زوجة أبيها، وكذلك ما قد تكون قد تعرضت له من نذالات وغدر من بعض الأصدقاء والزميلات فى الوسط الفنى.. كلها أسباب جعلتها تجد فى كلابها نقيضاً لكل ذلك، فقد كانت تجد فى الكلب صفات الوفاء والإخلاص، وكانت علاقتها بكلابها غريبة ومدهشة، ووصل عدد كلابها فى فترات إلى 12، كانوا يقيمون معنا فى الشقة بالزمالك، وكانت تشرف على ولادتهم وتربيتهم وكأنهم أولادها وأحفادها، وكنت أدخل معها فى خناقات يومية بسببهم، وأضغط عليها بشدة وإلحاح كى تخفض عددهم وتهدى بعضهم لصديقاتها، وكانت تفعل ذلك أحياناً وعلى عينها وكأنها تفرّط فى ضناها! وكانت تجد الوقت لكى تضع لهم الطعام، وتسهر بجانب من تكون فى حالة ولادة، وتربّت عليها بحنو.. وترعاها بشكل خاص بعد الولادة!

ومن توابع سنوات الطفولة وآثارها شغف أمى بلعب الأطفال خاصة العرائس، كانت هى هداياها المفضلة فى عيد ميلادها، تفرح بها كالأطفال فعلاً، وتحتفظ بها فى غرفتها وتحافظ عليها، ولما تُوفيت وجدت مئات من تلك اللعب فتبرعت بها للأطفال اليتامى فى جمعية (رسالة)!

الشىء الوحيد من مقتنياتها الذى لن أفرط فيه هو فساتينها، فقد كانت تحتفظ بكل فستان ارتدته فى أفلامها، وكانت تحب بشكل خاص الفستان الشهير الذى ارتدته فى فيلم (الجسد)، وكذلك فساتينها فى (الراهبة) وقد اشترتها من مالها الخاص ودفعت فيها مبالغ طائلة رغم أنها لم تتقاضَ أجراً عن الفيلم!

فى عيد ميلادها كان أصدقاؤها يعرفون نقطة ضعفها تجاه لعب الأطفال فيهدونها كثيراً منها يوم ميلادها.. وكانت تحتفل بعيد ميلادها على يومين، الأول يكون فى شكل احتفال عائلى محدود يقتصر علينا نحن أفراد أسرتها، وفى اليوم التالى يأتى أصدقاؤها المقربون ليحتفلوا بها فى جلسة خاصة.. وكان الوحيد من الوسط الفنى الذى يحرص كل عام على أن يحتفل بها هو الفنان سمير صبرى.. تستيقظ يوم ميلادها فتجد باقة ورد منه، ثم يأتى قرب الظهر ليتناول معها فنجان قهوة.. وظلت تلك عادته حتى رحلت!

كانت علاقة أمى بالوسط الفنى شبه مقطوعة منذ اعتزالها وابتعادها عن الوسط، ولكنها كانت تتابع الأعمال الفنية الجديدة عبر شاشة التليفزيون، وتجلس بالساعات تشاهد بإخلاص ودقة، وكانت إذا أعجبها مشهد تصفق لبطله أو بطلته بحرارة وربما بحثت عن تليفونه لتتصل به وتبلغه إعجابها بنفسها، وإذا لم يكن الأداء كما ينبغى تطلق جملتها الشهيرة (إخص عليك).

وبالمناسبة كانت من أشد المعجبين بمحمود عبدالعزيز وتراه الممثل الأول فى جيله أو بتعبيرها هى (نمرة واحد)، كانت تتابع أعماله بشغف، وتتوقف عند أدائه وتبدى إعجابها بتفاصيل صغيرة لا تلمحها إلا العين الخبيرة.. الغريب أنها لم تكن مثل كثيرين معجبة بفيلمه الشهير (الكيت كات) وترى أنه بلغ ذروة تألقه فى أعمال أخرى خاصة (رأفت الهجان) و(العار) ودور الضابط السادى فى فيلم (البرىء)!، وكانت سعيدة عندما جمعهما تكريم واحد من مكتبة الإسكندرية، لكننى ذهبت وتسلمته بالنيابة عنها، وتشرفت يومها بلقاء محمود عبدالعزيز، وكان ودوداً بشكل لا يعقل.. وأبلغنى سلامه لأمى وأبلغته إعجابها الشديد به كممثل!

كان محمود عبدالعزيز هو (نمرة 1) عندها مصرياً.. أما عربياً فكانت متيمة بـ «تيم حسن» وتراه ممثلاً عبقرياً، وتابعت بشغف مسلسله التاريخى عن الفتوحات الإسلامية فى شمال أفريقيا، وكنت أستغرب لأنها تهرب من المسلسلات التاريخية باللغة الفصحى، لكنها كانت منبهرة بأداء تيم، وأذكر مشهداً جمعه بزوجته الفنانة السورية، فإذا بها تصفق له بحرارة فى نهاية المشهد ولو كانت تعرف تليفونه لكلمته ساعتها!

 (3) وتقول بسنت رضا:

من المعلومات المغلوطة التى استوقفتنى كذلك ما قيل عن أن والدى المخرج السينمائى حسن رضا توفى وأنا طفلة وأن أمى قامت بدور الأب والأم فى تربيتى، والصحيح أن والدى عاش حتى تزوجت وأنجبت ابنى «محمد»، وحضر حفل زفافى وكان سعيداً بحفيده (أول حفيد ذكر)، وكان يأتى ليزورنى فى الزمالك حتى بعد زواج أمى من أونكل فياض (د.محمد فياض طبيب الأطفال الشهير)، وكانت أمى حريصة على أن تظل حبال الود موصولة بينى وبين والدى (زوجها الأول) حتى لا تتسرب إليّ أى عقد نفسية تجاه والدى، بل كانت تسمح لإخوتى من زوجته الأخرى (ولدان و3 بنات)بزيارتى واللعب معى.. ولذلك ظلت علاقتى بإخوتى من أبى طيبة على الدوام وحتى الآن..

ومن المواقف التى لا أنساها عندما عرفت أمى بخبر رحيل والدى، ورغم ما حدث بينهما من خلافات أدت إلى طلاق ومشكلات، ورغم أنها كانت متزوجة وقتها من د.فياض إلا أنها لم تتمالك دموعها، وبكت حزناً عليه.. ثم ذهبت إلى أونكل فياض تعتذر له عن دموعها حزناً على زوجها الأول، رغم أن الحزن شعور إنسانى لا نستطيع التحكم فيه.. كان موقفاً نبيلاً منها لا أنساه!

أستطيع أن أحكى آلاف الحكايات عن أمى.. فقد كانت شخصية لا تتكرر.. أحكى عن جوانب لا يعرفها أحد عنها.. كعشقها للذهاب إلى المزادات وشراء التحف النادرة.. كحالة الملل التى كانت تنتابها بعد الاعتزال فلا تجد ما تشغل به وقتها فى ساعات الصباح سوى تعديل وتبديل مكان ووضع أثاث الشقة