السبت, نوفمبر 17, 2018
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : محمود خيرالله
: فن

  • خان بديعة مع لوسى وكره منيرة بسبب «عِرسة» ..وشرب من «مقالب» الإخوان عكاشة

 

تذكرنا مذكرات الفيلسوف الضاحك نجيب الريحانى، بالجوانب المشرقة من الحياة المسرحية والفنية فى مصر، أوائل القرن العشرين، ربما لكى تعيد طرح الأسئلة الحرجة علينا فى هذا الزمن الردىء، الذى تبدو معه مذكرات مؤسس المسرح الكوميدى الحديث، كأنه يحكى عن عالمٍ آخر، وعن بلدٍ لا تشبه تلك التى نعيش فيها، أو بالأحرى ـ وكما عبَّر البابا شنودة الراحل ذات مرة ـ تعيش فينا.

 

تذكرنا مذكرات هذا الرجل، أن بلادنا لم تعد تعرف طعم المسرح، على الأقل كما عرفته أوائل القرن العشرين، أى قبل مائة عام من اليوم، لم تعد تعرف الحرية التى كانت تاجاً على رؤوس المصريين، تحت نير الحُكمين العثمانى والبريطانى، فإذا بها تتدهور الآن تحت حكم الإخوان المسلمين، بعدما تدحرجت على سلم الدولة خلال الستين عاماً الماضية، حتَّى سالت منها الدماء.

يسخر الريحانى فى مذكراته ـ الصادرة ضمن مشروع «مكتبة الأسرة» الشهر الماضى، وكانت صدرت لأول مرة العام 1959، فى الذكرى العاشرة لوفاته، بمقدمة لصديقه الكاتب الراحل بديع خيرى عن «دار الهلال» ـ من عصر بأكمله، حيث يقف على مسافة كافية من كل الأحداث، وبدا كمن ينثر العالم المدهش الذى عاشه، أمام عدد من عشاقه ومتفرجيه، من دون أن ينسى انحيازه الأصلى للفن، فكتب قصة تُشبهه إلى حد كبير، بديعة الإيقاع وساخرة، مفضلاً أن يكون صريحاً مع نفسه إلى أبعد حد، وإن كان أخفى عدداً من التفاصيل، التى أثارت الفضول دائماً حوله، حتى بعد رحيله عن دنيانا بأكثر من ستين عاماً.

يحكى عن شاب مصرى، من أصول عراقيَّة، كلدانى مسيحى، ولد فى المغربلين يعشق الفن منذ صغره، أوائل القرن العشرين، تحديداً فى عقده الأول، يحكى كيف صعد نجم هذا الشاب الذى يُحسن اللغة العربية ويجيد عدداً من اللغات الأجنبية، من تلميذ يُعجب به مدرس اللغة العربية الشيخ «بحر»، فيتحول فى عدة سنوات إلى ممثل شهير، يثير حوله الغبار، ولا يتوقف عن النجاح والفشل، كأنَّهما دورة حياة يجب أن تكون مُتوقعة، فإذا هى ملغزة بما يكفى لإثارة الدهشة.

الحكاية فى الأصل مليئة بالسخرية، لأن ابن الطبقة الوسطى الغنية، لم يتمكن من إكمال تعليمه العالى، لظروف اقتصادية ألمَّت بأبيه، فعمل بالبكالوريا موظفاً فى شركة السكر بـ «نجع حمادي»، ولأسباب تتعلق بكونه فناناً بالفطرة، طُرد من العمل بفضيحة مع الزوجة الشابة لرئيسه العجوز، ليعود إلى أصدقائه الفنانين على مقاهى القاهرة، وليبدأ فى العمل بالتمثيل، ثم يتطور الأمر إلى أن يبدأ التأليف، حتى يصبح نجماً مسرحياً شهيراً قبيل ثورة 1919، وبعدها، ليس غريباً أن يحكى كيف كان يرتب مع أعضاء الفرقة المشاركة فى المسيرات الثورية التى خرجت هذه الأيام، دون أن يخل ذلك أبداً بنجاح الفرقة أو استمرار فن المسرح أو ازدهاره.

بحلول العام 1924 كان الرجل ـ المولود فى 21 يناير 1889 ـ  قد أصبح نجماً لامعاً وصاحب فرقة ذائعة الصِّيت، لا فى بر مصر فقط، بل فى الأقطار العربية كلها تقريباً، ووصل أثره إلى أمريكا الجنوبية، وكان التقى أبرز نجوم عصره حيث زار مسرحه سعد زغلول وأثنى عليه، وعمل مع نجوم عصره الذهبى، بديع خيرى وبديعة مصابنى والشيخ سيد درويش.. وغيرهم، ووجد فيهم ما يدعو أيضاً إلى السخرية، فقد تعرف على منيرة المهدية، وحكى أنها لم تكن تهتم بالنظر إلى وجهه، لأنها كانت مشغولة دائماً بالنظر إلى حيوانها الأليف، الذى لا يعتبره الريحانى سوى مجرد: «عِرْسة.. أى والله العظيم عِرْسة».

حكى الريحانى عن «الأخوان» عكاشة، حيث شرب من مقالب الإخوان، الزملاء فى الفرقة التى جابت مدن مصر فى الوجهين البحرى والقبلى، لتقدم أدوارها التمثيلية، حكى عن أمه التى كانت تحتقر مهنة الفن والفنانين، لكنها زارته فى المسرح، وهنَّأته، فى اليوم الذى استمعت فيه، إلى أحد ركاب الترام، يحكى لصديقه عن الممثل الذى شاهده ليلة أمس واسمه نجيب الريحانى، فوقفت هذه الأم، لتقول بصوتٍ شامخ:» أنا أم نجيب الريحاني».

حكى عن إفلاسه المُستمر، وعن الديَّانة الذين كانوا يطاردونه فى كل مكان، عن الذين خدعوه بالعمل معه فى بروفات ثم تركوه وانصرفوا إلى مسارح أخرى، قبيل العرض، عن تجار أخذوا ملابس العرض لتسديد الديون المستحقة، عن نساء كثيرات مررن به، وعن عرافة صادفته وقالت إن الأموال ستسيل من بين يديه ذات يوم، بينما كان موظفاً صغيراً ، لا حول له ولا قوة ـ  يتقاضى «كام ملطوش»، حكى عن كل ذلك حتى صار كأنه محض زير نساء، ضارب الدنيا طبنجة.

 يروى بلغة عربية مُدهشة فى فصاحتها، وفى استشهاداتها البراقة من القرآن الكريم، بداية علاقته مع عزيز عيد وشخصية «كشكش بيه»، التى اشتهر بها والمسرحيات التى شارك فى كتابتها مع صديقه بديع خيرى، وهى 33 مسرحية منها «الستات ما يعرفوش يكدبوا» و»حسن ومرقص وكوهين»، ويقول إنه رفض نصيحة الطبيب بأن يترك المسرح 6 أشهر لمرضه، حيث قال: «خير لى أن  أقضى نحبى فوق المسرح، من أن أموت على فراشى».

ما حدث هو أنه أصيب بحمى تيفودية ولفظ أنفاسه الأخيرة فى الثامن من يونيو العام ١٩٤٩، بإحدى حجرات «المستشفى اليونانى» بالقاهرة، وقيل إنه كان يجهز لعمل مسرحى جديد.

على الرغم من كل هذه النجاحات المدهشة، والمثيرة للسخرية فى بعض الأحيان، تبدو سيرة الرجل كأنها تخفى سراً غامضاً يوجع قلبه، ويجعله مؤثراً جداً وهو يؤدى أدواره الصعبة، وقد اعترف فى هذه المذكرات بأحد هذه الأسرار، بينما اجتهد لإخفاء السر الآخر، الذى شاءت الأقدار أن ينكشف بعد رحيله، بكل هذه السنوات الطويلة.

السر الذى اعترف به هو اختفاء شقيقه الأصغر، الذى كان مقرباً منه، اختفاء غير مفهوم ولا مبرر له، وظل الريحانى إلى أن مات يحاول أن يجيب على سر اختفاء شقيقه الأصغر، بينما رفض الاعتراف فى هذه المذكرات بزواجه من صديقته الراقصة الفرنسية «لوسى دى فرناي» ـ أو الاعتراف بابنته منها «جينا» ـ وإن كان ألمح فى المذكرات مراراً إلى اقترابها منه باعتبارها الصديقة المخلصة «لوسي».

تقول جينا ـ المولودة» فى ١٤سبتمبر ١٩٣٧، فى ألمانيا بغير حضور والدها، الذى كتب اسمه فى خانة الأب بالألمانية فى شهادة التعميد ـ إنها شاهدت والدها مراتٍ قليلة، حيث توفى وهى فى الحادية عشرة من عمرها، مديوناً بـ ٢٠٠ جنيه للضرائب، فباعوا ما تبقى من مقتنيات شقته لسدادها.

تعيش «جينا» الآن فى مدينة الإسكندرية، وقد بلغت أكثر من 73 عاماً، وتقول ـ لإحدى مطبوعات مكتبة الإسكندرية ـ إنها عرفت قصة لقائه بأمِّها، العام ١٩١٧، حينما حضرت الراقصة «لوسى دى فرناي» لمصر ضمن فرقة استعراضية كانت تجوب العالم، بينما كان الريحانى يبحث عن راقصة أجنبية تشارك فى إحدى مسرحياته، وتشير إلى أن الريحانى حين دخل فى علاقة مع أمها كان متزوجاً فى ذلك الوقت من الراقصة الشهيرة «بديعة مصابنى»، التى كانت شديدة الغيرة عليه، ولم يكن يستطيع إعلان زواجه بغيرها، حتى لو كانت تعيش بابنتها خارج البلاد..ولكى نكون منصفين، علينا أن نعترف بأن آخرين اجتهدوا لإثبات كذب ادعاءات الابنة «جينا»، وبين هؤلاء عدد من الدارسين والمتخصصين فى تاريخ المسرح المصرى وأرشيفه الثرى، ومنهم الدكتور أحمد سخسوخ، الذى نشر من قبل مقالات فى مجلة «أخبار النجوم»، يُفند فيها حكاية ابنة الريحانى المجهولة، ويؤكد بالدلائل، كذب قصة «جينا»، من خلال مذكرات نجيب الريحانى نفسه،والتى يؤكد فيها أن بوسى غادرت مصر إلى غير رجعت وخرجت من حياته 1920 فكيف ولدت لوسى جينا منه عام 1937؟؟, ومن خلال حكايات عن «جينا»، التى قال إنها ممثلة أدوار صغيرة فى بعض الأعمال الفنية، فضلاً عن اكتشافه أن الريحانى كان عقيماً لا يُنجب، وفقاً لبعض الشهادات، ولحكم صدر من محكمة مصرية عقب وفاته، العام 1949.

وفى السياق ذاته، لا يجب أن ننسى أن جريدة «الفجر» تابعت قبل سنوات، قصة استيلاء مجهول على نحو 400 ألف جنيه من تركة نجيب الريحانى، من دون مستندات، فى تقرير يقول إن صراعاً لا يزال قائماً إلى اليوم، العام 2009، حول تركة الريحانى، المُمثلة فى فيلا بالمعادى تقدر بـ70 مليون ولوحة بحجم كبير للفنان الراحل، بحوالى 2 مليون، ومسرح الريحانى وقصر الريحانى، فى حدائق القبة، الذى تستغله وزارة الثقافة كقصر ثقافة، إضافة إلى شاليه فى رأس البر.

أغلب الظَّن أن نجيب الريحانى كان يريد أن يسخر من هذا العالم الزائف، الذى أفقده الإحساس بالسعادة فى كثير من الأوقات، ودفعه دفعاً للبحث عنها، فى علاقته بالمرأة الفرنسية أحياناً، وفى الدخول فى قصص حب كثيرة، كان كأنه يدرك بفطرته السليمة أنه لن يبقى لها أثر، منحمل وانجاب، حيث كانت تلك طريقته فى الخلاص من مثل هذه الحياة الخالية من السعادة ـ حتَّى ـ وإن كانت عامرةً بالنجاحات.