الجمعة, ديسمبر 14, 2018
رئيس مجلس الإدارة :حسين زين || رئيس التحرير :خالدحنفى
كتب : إبراهيم عبدالعزيز

ibrahem abdelaziz

من الظلم ما كانت ترمى به مصر، أنها كانت تتهم فى صفات الجندية، وفى الصفات العسكرية لأنها ـ كما يقولون ـ أمة مفرطة فى حب السلام. كانت هذه التهمة باطلة بشهادة التاريخ، ولكن لم يكن من المفيد أن نرجع إلى التاريخ لنقول: إن المصريين قاتلوا فأحسنوا القتال فى عهد رمسيس أو عهد تحتمس أو عهد أحمس، لأنا إذا رجعنا إلى ذلك التاريخ القديم، كان أيسر شىء على العائبين والمنتقدين أن يقولوا: ذلك زمان وهذا زمان، وتلك أمة وهذه أمة، وأن المصريين قد تغيروا فى دول بعد دول، وأحقاب بعد أحقاب، إلا أن شهادة التاريخ الحديث لا تختلف لحسن الحظ عن شهادة التاريخ القديم، ولحسن الحظ أيضاً أن هذه الشهادة يعترف بها أناس من الخبراء غير مصريين: منهم إنجليز ومنهم يابانيون. عرض مستر "جريفز" مندوب صحيفة "التايمز" لتاريخ الجيش المصرى من عهد محمد على إلى العهد الحاضر فقال: لا ريب أن المغامرين الأوروبيين والترك احتكروا القيادة، وأنه كان هناك جنود الهجوم من الترك والألبان فى الحروب الأولى التى دارت فى سوريا، ومن المسلمين والسودان فى الحروب التى دارت بعد ذلك.. ولكن صغار الضباط ـ ومعظمهم من المصريين ـ كانوا هم الجزء الأكبر من الجيش الذى هزم الحملة البريطانية فى سنة 1807 وفتح معظم السودان، وكاد يقضى على السلطة العثمانية لولا الدول الأوروبية. وقال "توتا إشيمارو" الخبير العسكرى اليابانى فى كتابه "اليابان ستحارب بريطانيا": "سنحت لى فرص شتى للتحدث إلى المصريين والعرب والإصغاء إلى آرائهم وعقائدهم، وعجبت لما وجدته بينهم من فرط الشغف بالاستقلال، والمصريين أمة مقاتلة كالعرب، يبدو عليهم الإقدام والجسارة، وإذا حسنت القيادة نشأ منهم جيش حسن". وقد سنحت للجندى المصرى بعض الفرص، لإظهار كفائته العسكرية فى الحرب العالمية الأخيرة فاعترف له البعيد والقريب بالمقدرة على الخصوص فى إصابة المرمى وتعقب الطائرات وتوجيه الأنوار الكاشفة وحراسة النقط المنعزلة التى تحتاج حراستها إلى يقظة وصدق مقاومة. ظهر لنا أن المصرى على استعداد فطرى للجندية العصرية على الخصوص، لأن القتال فى العصر الحديث هو قتال ماكينات وآلات، وليس أطبع من المصرى على استخدام الماكينات والآلات، ويخرج إلى ميدان لم يعهده من قبل، فيه الوعر والسهل، وفيه السرداب والكمين، وفيه المعقل المغلق والساحة المفتوحة، فكأنه يعمل فى ميدان كان يغدو فيه ويروح كل صباح ومساء. تلك ملكة مصرية عريقة لا تجدها فى كثير من الأمم التى عرفت الجندية والتجنيد منذ مئات السنين. فلا جرم أن كان المصرى جندياً عصرياً من الطراز الأول، لأن هذه الملكة علم كامن فيه بغير تعليم. من الأوهام الشائعة أن ملكات الحرب مناقضة لملكات الحضارة وأن الهمجى أصلح للحرب من الأمم التى طال عهدها بالمدنية والاجتماع، ذلك وهم لا أساس له من الواقع ولا من التفكير الصحيح، وغاية ما هنالك أن بواعث القتال تختلف بين الجندى من الهمج والجندى من أمم الحضارة، فالهمجى يندفع إلى القتال بغريزة شبيهة بغريزة الحيوان، ويستثار بحب الغنيمة أو بحب الحركة، والحضرى يندفع إلى القتال إيماناً بعقيدة، وقياماً بفريضة قومية. والأمة المصرية من أعرق الأمم التى عرفت حياة الحضارة، وعرفت حياة الأسرة على الأخص، وخير الجيوش جيش يتأصل إحساس الأسرة فى كل جندى من جنوده وكل قائد من قادته، فإن التعاون بين أعضائه يجرى فيه مجرى السليفة الموروثة، ويساعدها النظام على هذا التعاون، فتأتى المعجزات. وهذه خاصية عُرف بها المصريون فى جماعاتهم العسكرية، فليس بين كبيرهم وصغيرهم فى عزلة الميدان إلا ما يكون بين الكبير والصغير فى الأسرة الواحدة، من عطف متبادل ورعاية صادقة ونجدة حاضرة كنجدة القريب للقريب، لأن موقف الخطر أبعث على النجدة من موقف الأمان، وهذه الخاصية بعينها هى التى يمتاز بها الجندى المصرى فى معاملة الأعداء فضلاً عن الزملاء والأصدقاء، فلم يعرف أنه يتطوع للأذى أو يتعطش للنقمة، أو يهجم على شر لا توجبه ضرورة القتال. هذا الجندى المصرى هو مثال الجندى العصرى بالفطرة والتربية والتقاليد الاجتماعية. أعطه عقيدة يقاتل من أجلها، وأعطه قيادة أبوية يطمئن إليها، وأرسله حيث تشاء، فلن ترى منه إلا ما يشرف أعظم الأمم، وأعرق الجيوش. وقد أعطى القيادة الأبوية، وأعطى العقيدة التى يؤمن بها من أعماق وجدانه، ولم يكن عمل الأعداء فى تمكين هذه العقيدة أقل من عمل الأصدقاء، وشر الأعداء فى الواقع هو خير الأعداء، لأنه العدو الذى يملؤك يقيناً بوجوب القضاء عليه، وهكذا يتقدم المصرى إلى ميدانه عزيزاً بماضيه مستعداً بنشأته مطمئناً إلى قيادته، عامر الصدر بعقيدته. لا جرم نراه فى كل خطوة من خطواته جديراً بأمته الخالدة، جديراً بقيادته العليا، جديراً برسالته الإنسانية. حياه الله وأحياه وكتب له النصر وكتب له البقاء. "عباس محمود العقاد ـ صورة طبق الأصل من مقاله على صفحات مجلتنا منذ حوالى سبعين سنة وكأنه كتبه اليوم تحية للجندى المصرى".